عدسة الفنان ناصر عساف
الطرد في كل الأحوال يعني الابتعاد عن المجال المرتبط بالذات. . والنظر إلى الواقع الذي حمته العلاقات الاجتماعية المتولدة من طبيعة العلاقات الاقتصادية التي تنتج تباينات طبقية وفئوية تتطرف في كل الأحوال والظواهر، التي هي نتاج العلاقات العامّة. فهؤلاء أُبعدوا عن مجالاتهم للعديد من الأسباب، فالمسنون غادروا بيوتهم للتكسب المذل على الأرصفة وتقاطعات الشوارع، أو الدوام على طرق الأبواب وطلب الحاجة. كذلك الصبية في التقاطعات لتنظيف زجاج السيارات بعد تركهم مقاعد الدراسة، والنساء الجالسات على طرف العربات المليئة بنفايات المكبات، بعد جمعها من أمام المطاعم والشوارع. كل هذا بدأ يستفحل على الواقع ويفرض وجوده كظاهرة شاذة وغير إنسانية.
لقد تمكن الفوتوغرافي ناصر عساف أن يرصد هذه الظواهر بصورة مدروسة التشكيل الفني، وليس اعتبارها لقطات عابرة. فرؤية كادر الصورة تعطي مجموعة من المعاني، والرؤى والجدل المعرفي يخص دراسة الظاهرة ونقدها عبر مكونات الصورة الفنية، من خلال وضع معادلة فنية تراعي توزيع الضوء والظِل، كذلك الاهتمام بطبيعة اللقطة في اختيار زاويتها، وما يرافقها من مكملات تؤكد سرديتها وصعودها بالمعنى إلى مرتبة النتاج الفني الناقد. لقد شكلت الظواهر تلك نوع من السيادة الانتاجية إذا ما قورنت مع نتاج أقرانه ومنهم الفنان فؤاد شاكر في مجال رصد واقع الحارة الشعبية والشوارع والأزقة الشعبية. كذلك الفنان جاسم الزبيدي وولعه المباشر في ظاهرة الحرب، خاصة الحرب اللبنانية. كل هؤلاء وغيرهم وظفوا الصورة لصالح الكشف عن حياة المطرودين من مجالاتهم لمجموع الأسباب الواقعية كما ذكرنا. والفنان عساف من بين ما تابع وبتركيز حكائي لنموذج بشري كثرت في اتجاهه النظرات المتأسية، لكننا نأخذ بظاهرة الطرد، سواء كان اختياراً أو إجباراً وبفعل الظروف التي ذكرناها، مسلطين الضوء على نموذجه الذي اتخذ له مستقراً خارج مجالات المدينة، أي اختار المجال الفارغ ليؤسس له معنى، سواء للمكان أو وجوده المعبر عن احتمالات المعاني التي يبني عليها الرائي البصري للصورة أو الرائي المباشر حين يصطدم بوجوده في الفراغ الواسع من الوجود كمكان. وهذا ما سوف نعالجه في مداخلتنا هذه من باب الاختيار الحر، أو الضغط المرضي لاختيار العزلة. فقد انتبذ مكاناً قصياً بعيداً عن الآخر، بمعنى يمكننا أن نبرر موقفه أو إجراءه الذاتي بالموقف الفلسفي، مستندين في هذا بالإمساك بالمبرر، كونه طالبا تعرض للاعتقال والتعذيب. أي أنه نتاج الصدمة القاهرة، تماماً كما كان نموذجي في روايتيّ «المكعبات الحجرية» و»ما حفظه الجدار من أسرار». نموذج (أبا زهير) في محطة أُور أثناء التحاقي الدوري بالمدرسة التي تقع في محطة صحراوية، وهو نموذج صاحب علم وفقه. تماماً كما ذكر الفنان عن نموذجه الذي اختار العزلة. فكانت صعوبة تشكيل ما رافق حياته من مأوى، اعتمد على قدراته في تنظيم مأواه المتكون من نفايات البيئة، مشكلاً كوخاً صغيراً مادته الكارتون المهمل، وقطع الصفيح المتروك. المهم أنه بهذا الجهد حاول طرد عوامل الموت، والإبقاء على عوامل البقاء، أي أنه ساهم بجهد ذاتي أن يحقق معادلة متوازنة وفق اختياره لصورة الحياة الجديدة، والتوفر على عوامل بنائها، وهي جدلية الوجود والفناء.

هذه الخلاصة في التفكير لا تنتمي إلا إلى جدل الفلسفة، أي جدل التعامل مع ثنائية الموت والفناء، بالانتصار في اختيار الوجود المتحقق. هذا من جهة التفكير الحي، أما من جانب المتحقق الذي يؤمن فيه، وهو التوفر على القناعة الذاتية في عالم العزلة بعيداً عن الآخر، فالآخر من وجهة نظره الوجودية هو المنفى المتحقق للذات.
فالفنان عساف يلزم نفسه في اقتناص اللقطات المؤثرة في الحياة اليومية، اللقطات التي تفتح الرؤى المحاورة للظواهر القاهرة. إن ميله هذا نابع من مأساة الشارع والرصيف والزوايا المهملة في المدينة؛ كالظواهر الاجتماعية وبروز الأحياء الفقيرة التي لا تتمتع بامتيازات سوى ظاهرة التهديد المتواصلة بتهديم ما بنوه كمأوى، لعل نماذج الأرصفة واحدة من الاهتمامات المهمة لكاميرته. كما أنه اهتم بشريحة تنتمي إلى فئة الرصيف، وهم نماذج المطرودين من مجالهم في الحياة. والطرد تتشعب قيمته، أي أسبابه، لكنها في النتيجة تتموضع ضمن الإهمال الاجتماعي والضغط غير المبرر من القوى المتنفذة. وقد لاحظت في سياق الحياة أن ثمة مطرودين قسراً في مستشفى الرشاد في بغداد. هؤلاء الشريحة التي تطبعت على مكان الطرد، واعتبرته بحكم الألفة معه كدار البقاء. ونماذج الفنان اتخذت له مكاناً قصياً نسبياً، مكاناً لا شرقيا ولا غربيا، بل هو ضمن فضاء مفتوح، افترض المطرود أنه دار استقرار لوجوده، فعمل على تأثيثه بعد تشييد معالمه من نفايات البيئة. وحكاية النموذج هذا كان لها مسبب موضوعي للطرد، فهو لم يختر غياب سيطرة العقل فقط، بل ترحيل عقله في اتجاهات متذبذبة، بقدر ما فرضته عليه حالة استطاعت أن تُرحّل السيطرة على فعالياته المباشرة. فاضمحلال سيطرة العقل على فعاليات الجسد، كانت خير ملاذ اختاره النموذج كي يأوي إليه. ولعله هنا ظهر على حالات ترتبط بالفضاء النفسي، لأنه أساساً لم يهمل الجسد بقدر ما أعاره أهمية وقيمة، والواضح أنه ظهر في الصور نصف عاري معتزاً بجسده تماماً.
تقول الحكاية المرتبطة بالأجزاء التي تُظهرها الصور؛ إنه بدأ مستقراً في اختيار البقعة التي يسكنها، ودأب على تجميع ما من شأنه تجميل المأوى الجديد وإظهاره بالصورة التي توفر له حصراً القناعة. فكان المكان وكان الزمان يتواصلان بوتيرة صاعدة. فهو كالإنسان الأول حين اختار الكهف. منزل النموذج مركب من مواد تركتها ذائقة الإنسان لأنها غير مفيدة، بعد أن استنفدت فائدتها، ما خلق منه حياة جدية ومفيدة، والنموذج من جعلها مفيدة بحكم وظيفتها الجديدة. إذن كان الإنسان هنا يدرك ضرورة بذل الجُهد لتحويل وظائف المهمل، وهذا له علاقة بالعقل أساساً في ما يخص الاختيار الأمثل للأشياء. وهذا بطبيعة الحال نوع من التعبير عن فعالية العقل، وإن كانت النظرة الاجتماعية إزاءها مختلفة، وتوصيفها بالجنون والخبل والضياع. لكن النموذج خلق من ضياعه وجوداً جديداً ذا معنى يستمرئ خلاله وجوده الذاتي، ويألف المفردات الجديدة، لأنها توّفر له الأمان في المكان، ودفع الأذى من تصرفات الآخر.
هذا هو متن الحكاية التي حقق رويها فوتوغرافيا ناصر عساف، محققاً بذلك منجزاً يُضاف إلى ما حققه من قبل وهو يرصد حياة المطرودين. وفي لقطات راعت البنية الفنية، حيث اختار وفرة الضوء الطبيعية ليعكس وجود النموذج. كما أنه اهتم بالحركة التي يبديها النموذج، سواء للمصور أو أي إنسان يقتحم عزلته، بمعنى وفر للقطته حركة معبرة. فالنموذج يحاور بحركة الجسد كل ما يدخل عالمه. فهي لقطات محاورة وليست صياغات تسجيلية فقط. لقد ظهر النموذج على حالة فائقة الحرية والثقة في عزلته. فالاختيار وفّر لنا وللمصور نوعا من القناعة الذاتية، مما غيّر نظرة الرائي للنموذج، دون أن يولي اهتماما للسبب الذي خلق الحالة، فالوجود الآني من يخلق الانطباع بسلوكه وبالتالي احترام هذا السلوك الذي لا يسبب الأذى للآخر، بقدر ما يعبر عن موقف للمعزول أو المطرود من مجاله. نرى أن دراسة هذه الظاهرة غير مختصرة على المصور كفنان، وإنما من وظائف واهتمام كل من يعمل في حقول الإبداع.
كاتب عراقي