الرباط ـ «القدس العربي» :لم يكفكف المشهد الثقافي والفني المغربي دموعه بعد حزنا على رحيل الكاتب والصحافي إدريس الخوري، حتى نزل خبر وفاة اسم بارز آخر هو الفنان التشكيلي الحسين طلال.
وكان السبت 19 شباط/ فبراير الحالي، هو يوم رحيل الفنان التشكيلي الحسين طلال الذي غادر دنيا الناس في مدينة الدار البيضاء، إثر مضاعفات صحية طارئة، وفق ما نقلته مصادر إعلامية مغربية عن مقربين من الراحل.
الراحل الذي بصم حضوره في المشهد الفني المغربي من خلال تجربة طويلة ومميزة، كان في عقده الثامن حين وافته المنية مخلفا حزنا بليغا مثل الحزن الذي خلفه السابقون من الراحلين مثقفين وفنانين خلال هذه الفترة القصيرة التي صارت مثل شتاء طويل وقاس بسبب الرحيل، أما المطر فقد تأخر ولم يترك سوى البرد والحزن على مغادرة الكبار للمشهد الثقافي والفني في المغرب.
«المؤسسة الوطنية» للمتاحف سارعت إلى تعميم نعي الفنان طلال، مؤكدة أنها «تلقت ببالغ الحزن، نبأ وفاة الفنان الحسين طلال، وتقدم أحر تعازيها لأسرة الراحل وأقربائه». وفي شهادة حزينة قالت المؤسسة في نعيها، إن الراحل الحسين طلال، «كان وجها بارزا من وجوه الفن التشكيلي المغربي المعاصر».
المعلومة التي كانت تختفي في ثنايا إبداع الراحل الحسين طلال، أنه ابن الفنانة الكبيرة والشهيرة الشعيبية طلال، ولم يكن تابعا لمسارها أو ماضيا على نهج لوحاتها، فوالدته جسدت الفن الفطري بما اكتنزته من موهبة خالصة من الفطرة التي جبلت عليها، أما الراحل فكان موهوبا ومتعلما ودارسا للفن، وسابرا لأغواره في لوحاته ذات الثيمات المختلفة، كانت كلها مستوحاة من الفكر الفلسفي والإبداعي الإنساني المتعدد.
ولد الراحل الحسين طلال في منطقة (أشتوكة) التابعة لمحافظة الجديدة سنة 1942، ومن بين الأروقة التي احتضنت أعماله نجد رواق «رو» في باريس العاصمة الفرنسية، وأيضا في متحفها للفنون المعاصرة، والمعرض الأول كان سنة 1967 والثاني 1974. إلى جانب معارضه في المغرب وفرنسا، شارك الحسين طلال في معارض أخرى في أروقة متعددة منها، رواق «ميرو» في برشلونة، ومجموعة من قاعات العروض في الدانمارك وأمريكا ومصر. بالنسبة لتاريخ الفن التشكيلي المغربي، يبقى الحسين طلال واحدا من الأسماء التي حفرت اسمها دون الاستناد إلى ما سبق من تراكمات الشهرة والمجد، والقصد هنا على والدته الراحلة الشعيبية، كان فقط مديرا لأعمالها ويرعاها في كل تفاصيل يومياتها الاجتماعية والفنية أيضا.
ورغم انزواء الحسين طلال في الظل بعيدا عن أضواء الإعلام، إلا أن النقاد كانوا ينقبون عنه ولو في مقالات ودراسات توثق لمسيرته، وخلصت إلى كونه واحدا من القامات الفنية في المغرب التي بصمت حضورها في كثير من الإبداعية، ويكفينا أن نمر على روائعه المسماة «بورتريهات متخيلة» كما يكفينا التوقف عند إنجازه الخاص والعميق جدا، الذي قام فيه بتأويل «الطفل واللعب» وحكاياتها الغرائبية التي أبدعها إدغار ألان بو.
من بين المقالات التي غاصت في مسيرة الفنان الراحل الحسين طلال، نجد ما كتبه الفنان التشكيلي والناقد الجمالي المغربي إبراهيم الحيْسن ونشر في «القدس العربي» في تاريخ 11 تموز/ يوليو من العام المنصرم 2021، حيث أشار إلى أن الراحل «من طينة خاصة، ومن معدن نفيس، تُعتبر شهادته حول مسار الفنون التشكيلية في المغرب مادة توثيقية أساسية، بالنظر إلى تجربته الجمالية، وعلاقاته المتنوِّعة والممتدة مع نقاد الفن والمؤرِّخين وأرباب القاعات ومحافظي المتاحف والأدباء والمثقفين، في العديد من الأقطار الأوروبية. حائز الجائزة الكبرى في صالون الشتاء لماجوريل عام 1965 الذي شهد مشاركة فنانين أوروبيين مرموقين». وتابع الحيْسن قائلا «كتب عن فن الحسين طلال نقاد عالميون متميِّزون، لهم إسهامات نقدية مضيئة تحفل بها منابر ومجلات فنية متخصصة. وذكر منهم «مثالاً الناقد الفني جون بوري، الذي كان يكتب في مجلة «رسائل فرنسية» منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكذلك الناقد بيير غودبير مدير متحف الفن الحديث في باريس، والباحث في المركز الوطني للفن المعاصر (CNAC) تنضاف إلى ذلك الدراسة التي خصَّها لفنه عام 1971 مؤرِّخ الفن والأستاذ في كوليج دو فرانس، وفي مدرسة اللوفر في باريس رونيه هويغ مؤلف (الفن في العالم) (منشورات لاروس) إلى جانب موريس أراما، أحد أبرز الفنانين الذين تحملوا مسؤولية إدارة مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء، إبَّان الحقبة الكولونيالية، الذي خصَّ كاتالوغ معرض الفنان طلال (بورتريهات متخيَّلة) السابق بـ(أتولييه 21) في الدار البيضاء، وقد حمل النص عنوان (الحسين طلال، أو ضجيج المكابرة) فضلاً عن نقاد فن آخرين مشهود لهم بالخبرة الميدانية، منهم أوسي كلاسيي أستاذ في شعبة التاريخ في جامعة بيشوب في كندا، والناقد ألان فلامون، الذي خصَّه بشهادة تركزت حول فنه وهي واردة في مقدمة مونوغرافيا الفنان طلال الصادرة قبل ثلاث سنوات، بدعم من وزارة الثقافة. وقد أشار فيها فلامون إلى أن فن المبدع الحسين طلال (يبدو قليل الكلام، ويقصي النوادر، ويركز على الأهم) ثمَّ الناقد دنيس ديفرون الذي قال عنه (إن صنيعه الفني خارج مدارات الفن التشخيصي، تأمل في واقعية الذات وذات الواقع، أعمال ترصد جمالية الرُّوح، وتحوِّل المرئي إلى لامرئي).
ورقة أخرى نشرتها صحيفة «بيان اليوم» المغربية تحت عنوان «الفنان التشكيلي الحسين طلال: مسار مبدع استثنائي» ونشرت في تاريخ 11 آذار/ مارس عام 2011، وتضمنت مقالات منها ما كتبه عبد الله الشيخ حول الراحل الذي «منذ عام 1967، محطة معرضه في رواق (la Roue) في باريس، والفنان المبدع الحسين طلال يرسخ حضوره النوعي في عدة محافل ومعارض دولية (صالون ماي، متحف الفن الحديث في باريس، رواق فير كامير في باريس، رواق (إيغانس سبينيس إبيزا) في إسبانيا، رواق (دوكومنتا) في الدنمارك، مؤسسة ميرو في إسبانيا، معرض في شمال أمريكا رواق رالين المعاصر، رواق افريقيا في بوستن، وغيرها).
في هذا السياق، يضيف الشيخ «عاصر طلال عددا من كبار الفنانين ورجال الثقافة والأدب، أمثال غاستون ديل، جاك بيرك وآخرين، كما استقبل من لدن الفنان زادكين (Zadkine) الذي يعتبر من كبار رموز النحت التكعيبي». وفي عام 2005، يتابع الكاتب «تمت استضافته (أي الحسين طلال) من قبل أكاديمية طهران، حيث ترأس لجنة تحكيم البينالي الثالث للفن الإسلامي المعاصر، كما أشرف على تنظيم أول معرض دولي للفن الإيراني المعاصر، في فضاء منتدى الثقافة في الدار البيضاء».
الراحل طلال قال عنه إريك لوبراز (Eric Le Braz): «لديه لمسة منفردة. يمكن التعرف على طلال على مسافة 100 متر. يمكن أن نستحضر أبوين: قوة بيكاسو، وسخاء فان دوغين (Van Dogen)». كتبت عنه الناقدة دونيز إكس- ديفورن (Denise Ex – Dyvorne): «تصويره الصباغي فسحة هروب على حدود الفن التشخيصي. فهو تأويل ذاتي للواقع الموضوعي. المتلقي في تناوله لعمله عليه أن يعرف أنه ينحو نحو لقاء هذه الرؤية، وإلا لن يفهمه».