التشكيلي المغربي حسان بورقية: الفن العربي غارق في الضبابية

حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي»: يؤمن الكاتب والمترجم والفنان التشكيلي المغربي حسان بورقية، ان الخلفية الثقافية اساس نجاح جميع الاجناس الإبداعية ويدعو الفنانين التشكيلين العرب الى الاطلاع على الشعر والفلسفة والتجارب الانسانية بهدف تقديم فن راقي لا يفتقر الى الخيال ويرتقي ليوازي الانتاج الفني الغربي.
بورقية، الحائز على الجائزة العالمية الثانية للفنون، يشارك في مهرجان «خان الفنون» الذي يقام في العاصمة الاردنية عمان، وكان لنا معه هذا الحوار والبداية حول مشاركته ورؤيته لفكرة المهرجان، يقول: « نحن بحاجة الى مثل هذه اللقاءات المستمرة بين الفنانين، فالوضع الثقافي العربي يثير العديد من الاسئلة المقلقة حول غياب العلاقة ما بين السياسي والثقافي. والمهرجان ابدى عناية كبيرة في اختيار المشاركين الذين سيضيفون شيئا جديدا على الساحة الفنية، وخاصة بوجود جمهور اردني متعطش للفن وإثارة الأسئلة».
* كاتب ومترجم وفنان تشكيلي، اين يجد بورقية نفسه؟!
احاول العثور على شئ جديد في الثلاثة مجالات، إلا انني مؤخرا اصبحت مُقلا في الترجمة، كونها عملية غير سهلة خلافا لما يعتقدون، فهي تتطلب الوقت والحس اللغوي والإبداعي، حالة عشق بينك وبين من تترجم له، والقدرة على وضع روحك في روحه، وان تتبع الاثار التي يريد ان يقولها ومعرفة مواقع اللغة. وبالنسبة للفن، للأسف نعيش اليوم في مجتمع عربي يقدم الفن بشكل نخبوي، رسالته ومضمونه غارقان في الضبابية، وسط مجتمع يقرأ اهله نصف جملة في السنة. ويعود ذلك الى عدم ابداء مؤسسات المجتمع المدني والجامعات اية اهمية للجمال، في حين انه لا يمكن لشعب وحضارة ان يعيشا دون جمال. اما بخصوص الكتابة، الذين اكتب عنهم عادة، هم الذين يحملون مشروعا فنيا وأضافوا شيئا، وكانت بيني وبينهم قرابة فنية او رؤية متشابهة، فأختار الذين اقتسم معهم الافكار والحس.
نعاني اليوم من جهل في التعليم، فالتوجه التعليمي والتربوي اخر اهتمامات حكوماتنا، التي اهملت مناهج التدريس والتربية الاسرية وعوضتها بإعلام جاهل فسيفسائي، لا قيمة له إطلاقا ومن هنا لم نتمكن من خلق مواطن مثقف وقارئ. مناهج تعتمد على التلقين والحفظ لا على الإبداع ولهذا نُعتبر من ثقافة المنهكين، لا اهمية للمعرفة والعقل، ثقافة قائمة على السؤال لا الجواب.

* حينما تقوم بتصميم اغلفة الروايات والكتب، هل تقرأها اولا ام تستلم لفكرة صاحبها؟!
ـ اقوم بقراءة الكتاب جيدا حتى اختار الشكل او اللوحة التي تناسبه، حتى لا يكون الغلاف مجرد ديكور بل نص موازي يشبه العنوان، ويساعد بتقديم مضمون الكتاب، وحتى القارئ يمكن ان يلاحظ أن المتن الروائي والشعري والقصصي يضئ عالما مصغرا وهو الغلاف. وللأسف كتابنا العربي من ناحية الاخراج، رديء جدا ومن المفترض ان يتطور ليواكب الكتب الغربية التي تتميز بأغلفتها الجميلة وهو امر موجود ايضا في المباني المعمارية والشوارع والحافلات والمكتبات، فالكتاب هناك جزء من الحياة، بينما يعيش العرب وسط عشرات المئات من القنوات التلفزيونية السطحية والتافهة.

* بما ان العالم العربي يواجه ازمة القراءة، هل يتحمل الكاتب العربي مسؤولية كبيرة اثناء الكتابة لإرضاء القارئ، ام انه يكتب طمعا في الجوائز الادبية؟!
ـ الكاتب العربي كاتب مسؤول، وحينما يكتب لديه رؤية معينة، وهو يستحضر القارئ لا شعوريا، إلا ان الرؤية للثقافة في الغرب، تختلف تماما عما يحدث في الوطن العربي، فإذا ظهر كتاب جديد في اوروبا يكتب عنه ومن ثم يروج إعلاميا، يُناقش صاحبه في الاعلام والصحافة. وعندما يصدر فنان كبير لوحة، هذه اللوحة حتما سينطلق منها فيلسوف او كاتب او مفكر للتعبير عن توجهه ورؤيته الفلسفية وهذا حالهم الدائم، ففي بداية السنة الادبية هناك مئات العناوين الادبية.

* حصلت على جائزة الاطلس الكبيرة عن ترجمة رواية «عودة ابو الحكي»، والترجمة حاليا تشهد جدليات كبيرة بتحريف المعنى وصعوبته، فمن هو المترجم الناجح برأيك؟!
ـ اذا تمت ترجمة الرواية حرفيا كلمة بكلمة، تحوّل النص الى نص آخر وبذلك تضيع الرواية ومضمونها، لكن اذا كانت ترجمة خائنة، اي تصرف فيها وإعادة كتابتها داخل متخيل المترجم، ستكون جيدة، وعلى سبيل المثال اذكر ايرنست همنغواي المعروف بتكراراته الكثيرة في كتبه، قام العديد من المترجمين بإضافة بعض الجمل الخاصة باللغة العربية والتي لا علاقة لها بالرواية تفاديا للتكرار، وهو امر مميز اضاف للرواية ولم ينتقص منها.
بينما المعضلة الكبيرة تكون في ترجمة اللغة المفاهيمية، الفلسفة وعلم اللسانيات والسيميائيات، اذ ان اغلب ما هو مترجم في هذا المجال اعتباطي، لصعوبة العودة الى النصوص الاصلية وكثرتها وتعقيدها. على سبيل المثال، ترجم محمدا براده للفيلسوف الفرنسي بولي ريكور، واغلب المفاهيم التي ترجمها كانت بالأصل ألمانية إلا انه اعتمد على المصادر الفرنسية، وبالتالي كانت الترجمة رديئة. ونحن في الوطن العربي شهدنا العديد من الترجمات التي فيها إلتباس كبير، فالمترجم لا بد وان يملك حساسية لغوية ومعرفة عميقة باللغتين، كونها عملا ابداعيا وليس نقلا حرفيا.
* «حدائق معلقة» معرض مستوحى من قصص الاديب خورخي لويس، من اين اتتك فكرة المعرض وهل ستكررها بأسماء جديدة؟!
ـ اُقيم المعرض العام الماضي في قاعة رواق المرخية في قطر، وكان عملا ناجحا وتجربة فريدة اعتز بها. فأنا الى جانب الكتّاب الذين احب، اعشق شاعرين هما خورخي لويس بورخيس وفرناندو بيسوا من البرتغال، هذين شاعرين جبارين. بورخيس وجدته كاتبا كفيفا كان يحمل بداخله مكتبة ويعيش اللايقين الادبي، الفقير الغني يلقي بكل اليقينيات والمعارف المسبقة لكي يعثر على شيء جديد، و»الحدائق المعلقة» مغامرة منه وكان جبارا في دعوته الى الابداع وهو من القلائل الذين قرأوا الثقافة العالمية. ويعجبني دائما التنقل ما بين الادب والشعر والفن التشكيلي. كما انني قدمت ايضا الفكرة مع محمود درويش ونصوص للشاعر الالماني باول تسيلان ومؤخرا مع الشاعر الالماني فريدريك نيتشه في «ألوان من كلمات» في الدار البيضاء.

* تؤمن أن الممارسة التشكيلية مشدودة الى الكتابة، برأيك ما هي اهمية الادب والفلسفة في تكوين الفنان؟!
ـ الفنان الذي لا يقرأ ولا يطالع ولا يستلهم افكاره من الفلسفة والشعر وثقافة بلده والثقافة الكونية والتجارب الانسانية لا يستطيع ان يقدم فنا راقيا، لا بد ان ينطلق في عمله من رؤية معينة. الفيلسوف الالماني نيتشه كان يعطي للفنان اسبقية اكثر من الكاتب والفيلسوف، لأنه خالق حقائق جديدة، ويزرع الريبة والشك في الحقائق التي نعيشها والناس ليسوا بحاجة الى حقائق مطلقة بل اوهام وظاهر جميل والمربي الاول هو الفنان. وللأسف هذه الصورة ليست موجودة لدينا في العالم العربي.

* حدثنا عن تقنية الكولاج التي تستخدمها في لوحاتك، والتي تبدو واضحة في اللوحة التي ستقدمها في معرض المهرجان؟!
ـ اللوحة التي قدمت تقوم على تقنية الكولاج، قطع كرتونية ممكن ان تذبل وتقع، وقطع خشب واسلاك وصحف، اشياء صادفتها في الطريق والتقيت بها صدفة، تشبه افراد شعب لا هوية لهم ولا لغة ولا تاريخ، جُمعت بحسب منطق سري، اسمه منطق اللوحة، ووضعت في هذا النهر، فصار لها شبه هوية معينة، تتحدث فيما بينها، نوع من الرغبة في التفكير في مقاومة الزمن.
نتكلم عن الاثر والاشياء العابرة، نوع من الكتابة الشعرية التي تشبه الرقص المرح او الخفيف، الذي يثبت شيئا ما يعجز الابداع عن تثبيته، وهذا هو الامر الذي يسعى له الفن، محاولة تخليد شيء ما يصعب تخليده واسترجاع شيء يصعب استرجاعه. في رواية البحث عن الزمن الضائع للكاتب الفرنسي مارسيل بروست، يتكلم عن الرغبة في استرجاع الطفولة- هل يمكن للإبداع ان يسترجع شيئا ما فقدناه؟!

* ما هو مشروعك القادم؟!
ـ ارغب بالحصول على اجازة مطالعة لسنة او ثلاثة سنوات، تأمل وتفرغ للحياة والعائلة وتُعفيني اجرتي كأستاذ متقاعد من تقديم المعرض تلو الاخر، لانني اؤمن أن معرضين او ثلاثة في السنة جريمة في حق الفن. فهنالك فنانون يمضون (50) عاما يرسمون نفس الشيء، دون ان يقدموه من زوايا مختلفة ورؤى متعددة ويعبرون عنه بأشكال اخرى، تؤكد ان رؤيتهم للحياة والفن قد تطورت.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية