التشكيلي المغربي عزيز أزغاي: أوشام في الذاكرة

ترُوم المقاربة البصرية التالية ولوج العالم الإبداعي عند الفنان عزيز أزغاي، لاسيما في مجال الفن التشكيلي، حيث اقترنت تجربته الصباغية بالتعبير التجريدي القائم بالأساس على الحركية اللونية، وانصهار المواد والخامات على نحو متحوِّل يمتد لحيويته وديناميته.

حوارية الملفوظ والمبصور

بمهارة متجدِّدة، يزاوج الفنان عزيز أزغاي بين القول الشعري والإنتاج التشكيلي ممثلاً في اللوحة الصباغية، بأبعاد جمالية معاصرة. وفضلاً عن كونه تشكيليّاً، فهو يعد من الشعراء الذين ينظمون القصيدة الجديدة في المغرب.
عن علاقته بالرسم والصباغة، يقول الشاعر أزغاي متحدِّثاً للراحلة عناية جابر في حوار لفائدة جريدة «السفير» اللبنانية: «علاقتي بالرسم وبالتشكيل عموما سابقة عن الشعر. إنها نافذة أخرى حاولت تجنب سطوتها لأكثر من عشرين سنة، إلا أنني فشلت في كره الجمال. واكتشفت، بعد ذلك، أنني كنت مخطئاً في الاعتماد على قدم واحدة لاكتشاف الأرض، لذلك، قلت لنفسي: لماذا لا تطير وكل هذه الأجنحة في رأسك؟ ومنذ حصول هذه القناعة، أصبحت علاقتي بالتشكيل علاقة احترافية، أي أنني أقضي معظم وقتي في محترفي الخاص، أرسم أو أجرِّب المواد والأشكال. وفي خضم كل ذلك، أحاول استثمار معرفتي ووعيي البصريين في كتابة نص شعري مختلف (على الأقل في نظري».
يعكس هذا الاستثمار وهذا الوعي إدراك الفنان أزغاي لأهمية المساحات التي يلتئم فيها مجالا اشتغاله (الملفوظ والمبصور) حيث يظهر شاعراً رساماً يكتب القصيدة بألوان ناطقة بأصوات صامتة.. ورساماً شاعراً يبدع اللوحة بشعرية لونية تُسْمَعُ وتُقرأ في آن..

حياة في المرسم

يرسم الفنان أزغاي مثل إبداعه للشعر بكل أحاسيسه التي يوقعها بصدق نادر يُعبِّرُ عن حالات انفراده بذاته، في حضرة طقوسه الخاصة، التي تأتي فجأة ودون إعداد سابق، فهو لا يضع إسكيزات قبْلِية ترسم مسارات وخرائط لوحاته، بل إنه يشرع مباشرة في تناول الخامات والأصباغ والأسناد كلما فاض ذهنه، وصار فكره جاهزاً للتفريغ. كما أنه لا يمتلك حوامل تقليدية لممارسة الرسم والتصوير، إذ أن سنده الرئيس هو الأرض التي تفترشها قماشاته التي يدور بها أثناء العمل من كل الجهات محاطاً بلوازم العمل المشتتة هنا وهناك، داخل مرسم صغير وجميل، يعج بفوضى خلاقة تخرج من رحمها إنتاجات الفنان وجمالياته البهية.
يقف الفنان مرة متأمِّلاً، ينحني في حالات معيَّنة، يجثو على ركبيته، يميل نحو كل الاتجاهات بحثاً عن أحياز ملائمة لتثبيت المواد والأصباغ داخل مساحة السند. هو هكذا لا يهدأ، جسده لم يعد مِلْكاً له، دؤوب وفي حركات وإيماءات متتالية على وقع موسيقى تجريدية لا بداية ولا نهاية لها.. لذلك يكون حضور أزغاي داخل المرسم مختلفاً تماماً عن وجوده في الفضاءات العامة التي يرتادها، حيث يكون وسط لوحاته وأغراضه منتشيّاً، يحدِّثها ويستنشق هواءها ويتطيَّب بروائحها التي تزيده حيوية وإصراراً على الإبداع. في مرسمه قد ينسى العالم الخارجي، يسكنه عالمه الجوَّاني، ليدخل في إهاب «شخصية أخرى» تتعدَّد أعينه ويتفتق خياله بحثاً عن تشكيل جديد لتعزيز مشروعه الجمالي الذي راهن عليه لسنوات، والذي أمسى يُلازمه ويشغله أينما حلَّ وارتحل..
في هذا المحراب الرمزي، ومنذ سنوات ليست بالقصيرة، أمسى الفنان التشكيلي عزيز أزغاي ينفذ لوحات تجريدية بالغة التعضيد الصباغي، بصيغ تشكيلية حداثية تعكس تمكنه من المادة وتطويعها واستغلال تحوُّلاتها البصرية فوق السند، لاسيما صبغة الأكريليك، الجبس الإسباني ومسحوق الرخام، الذي أضحى مادته الرئيسية. بهذا الاشتغال المتنوِّع، تغدو اللوحة (قماشات وورقيات) لديه فضاءً تحيا فيه الأصباغ القديمة والجديدة، الاستعمال والتجريب، لأن الفنان يشتغل ضمن نسق زمني مفتوح لا يؤمن بالضيق والحدودية، لذلك فإن اللوحة تنشأ لديه على مراحل قد تطول وقد تقصر (لا يهم) وبين مرحلة تجريب وأخرى «يتنفس» الفنان ويتأمَّل الخطوات ليتابع الاشتغال ويواصله..
وحصيلة لهذا الاشتغال، سبق للفنان عزيز أزغاي أن أقام معارض فردية للوحاته الصباغية، منها مثالاً معرض «تباينات» Contrastes المقام في دار الشريفة في مراكش، خلال ديسمبر/كانون الأول/يناير/كانون الثاني 2009، إلى جانب معارض أخرى مماثلة في مدن مغربية متنوِّعة، منها معرض «أوراق صغيرة» الذي أقامه في المركز الثقافي الفرنسي في القنيطرة (إبريل/نيسان 2017) كخلاصة لتجارب مخبرية لفترة غير قصيرة، تضمَّنت لوحات مفعمة بكتابات وصبغات تجريدية جسَّدت حواراً بصريّاً بين الشعري والتصويري، استعمل الفنان في تنفيذه سنائد ورقية توزَّعت بين الكواغد وأوراق الإسمنت والصندقة والتكييس والتلفيف، إلخ. هكذا دأب على تشييد تكويناته العفوية بنوع من «المكر الجميل» حسب تعبير الشاعر حسن نجمي.

غنائية صدَّاحة

أبرزت هذه التجارب الإبداعية المذكورة وغيرها، أن الفنان أزغاي يستهويه اندماج الألوان وتصادمها فوق السند، مواد وخامات تجمع بين الناعم والخشن واللزج والعصي على الدمج، يختار عناصر تعبيرية بعناية لتكون ملائمة للآثار المبحوث عنها ضمن غنائية لونية صدَّاحة، تفتح شهية التلقي، لأنها تفيض بالعديد من الدلالات والمعاني الأيقونية المأخوذة من مرجعيات بصرية شديدة الاتصال بالتصوير المعاصر ومفتوحة على تعدُّد القراءات والتأويلات.
فمن يشاهد أعمال الفنان أزغاي، خصوصاً الرَّاهنية منها، سيلحظ تتدفق الآثار والبقايا اللونية، مثل أوشام معتقة تسائل الذاكرة والمرجع بلغة تشكيلية مكثفة الدلالة تنبعث منها تبصيمات وآثار لونية غرافيكية هاربة، يصعب القبض عليها في الكثير من الأحيان، لتظل بذلك حرَّة تتجوَّل وتتبادل المواقع داخل أرجاء السند، أليس «الرسم هو مجرَّد خط يمشي للنزهة» كما في التعبير الرمزي للرسام بول كلي P. Klee؟ هي، بلا شك، جماع ألوان شذرية، متطايرة، لا تستقر سوى في الأجزاء التي تستجيب لنوازع الفنان وحدوسه، وحده من يعرف المغزى من استعمالها..
سواد تنبعث منه رمدة موشاة بعلامات وأسهم، وأخرى مطروزة بكتابات تعزيمية مجرَّدة من دلالاتها اللغوية.. وبياض يذوب في حضرة تشكلات لونية بنِّية، تتبادل حوارات بصرية مع زرقة صوفية وصفرة محمرَّة أقرب إلى البرتقالي الفارسي. في عمق هذه التكوينات الطيفية، يُعيد الفنان التشكيل بما هو رؤية ذاتية للعالم.. وبما هو موقف من العدم واللاشيء.
من ثمَّ، يحيا الأثر في تجربته الصباغية على إيقاع المحو والتشطيب ووضع اللون فوق اللون، بإدماج قصاصات الصحف أحياناً.. شفوف وغوامق تتواطأ مع يَدِ وفكر الفنان، الذي تندمج الأزمنة في لوحاته وتنصهر لتصير زمناً مطلقاً ومفتوحاً على اللامتناهي واللامحدود.. في لوحاته كتابات وخدوشات لونية تبدو مثل خربشات طفل مندمج في اللهو، لا هوية لها سوى الظلال التي تحملها في أجسادها المتشاكلة. وفي لوحات أخرى يهيمن البياض على سائر أجزاء القماش والورق، وتبدو بقايا الألوان محتجبة تتصارع من أجل الطفو والبزوغ والوجود..

في عمق هذه الإنشائيات اللونية، يوقع الفنان مقاصده على نحو تجريدي تعبيري حركي، يمتد للجسد، تاركاً القارئ بذلك في حيرة من أمره! فمن أين يُمكن بدء وإنهاء قراءة واستيعاب هذه المقاصد؟
أعتقد، وبكثير من الإحساس، أن الإبداعات الصباغية عند الفنان أزغاي تتطلب أكثر من تأمل مرئي، وأكثر من قراءة بصرية، بالنظر إلى تركيبتها التشكيلية الموسومة بخصائص جمالية وتعبيرية مركبة. إذ ليس أمراً هيِّناً تفكيك مكوِّناتها الأيقونية وإعادة تشكيلها على نحو مفاهيمي جديد، يفتح مساحات التلقي وإدراك المسافة الفاصلة بين التعيين والتضمين والإيحاء، إنه بُعد قرائي سيميائي ترسمه رسائل الفنان المؤيقنة Iconisées التي تمتلئ بمضامين إستتيقية يتخاطب بها الفنان. ويستند أزغاي في معالجاته البصرية – في رأي الناقد العراقي فاروق يوسف – «على تأثير الواقعة وليس على الواقعة نفسها. تلك مهمة صعبة، ذلك لأنها تتطلب أن يتحرَّك منفذها في الفراغ، وهو فراغ يؤثثه أزغاي بأشكال لا يستعيرها من الواقع، بقدر ما يستخرجها من العناصر الأساسية للرسم، التي غالباً ما تكون بالنسبة إلى الرسامين وسائل لإظهار الأشكال وليست هدفا. في حالة أزغاي، فإن تلك العناصر تستدرج بحضورها المباشر على سطح اللوحة روح الجمال وقوة تأثيره».
بهذا المعنى، وضمن هذا الأفق، تظلُّ المعالجات البصرية في لوحات الفنان أزغاي تستمد معانيها وخصائصها التشكيلية من احتكاكه المباشر والمستمر مع وسائل الشغل داخل المحترف، وكذلك من فهمه الجيِّد لسرائر المواد والخامات التي يستعملها بأسلوب صباغي مُغاير يرسم تفرُّده الإبداعي، ويُبرز هويته الجمالية. هو هكذا كما عرفته منذ سنوات، تشكيلي مثابر وبحَّاثة مفتونٌ ومولَّهٌ بمغامرة الإبداع، تترحل الألوان والأصباغ في لوحاته مثل رمال متحرِّكة، تصارع الريح في وهد الصحراء، وهو هكذا مبدع طقوسي Rituel شغوف بإمساك المنفلت والعابر.. والهش أيضاً..

كاتب وتشكيلي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية