إن التطلع للتحرر ليس سمةً جديدة ولا هو رؤية حديثة، مع ذلك يبدو مطلبا لا بد منه لإنسان زماننا الراهن، به يدلل على تخلصه من أية صيغة من صيغ التصنيم لهيكل مادي يقدسه أو كيان حزبي يعلن ولاءه إليه أو اسم بشري ينزهه وكأنّ لا قبله ولا بعده. ويعلل المفكرون التصنيم بأن للعقل البشري صورتين متضادتين: الأولى صورته القبلية التي فيها يكون ممتلكا معرفة محضة تتضمن مبادئ معرفة أي شيء وأحكاما تأليفية عنه من دون أدنى تحديد سابق. والثانية صورته البعدية التي هي أمبريقية.
وما يعمله التصنيم هو أنه يحوّل العقل إلى عقل محض هو ذاك الذي يتضمن القبلية، ومن ثم تكون الغريزة سابقة على التفكير. ويطلق ايمانوئيل كانط اسم «الحساسية القبلية» على أي نزوع إلى التصنيم يظهره الفرد لغيره وهو في منتهى القناعة بأن ما يفعله صائب انطلاقا من تسليمه للتفكير الجمالي القبلي الذي قاده إليه عقله المحض.
ولعل واحدة من صور العقل المحض نجدها في قبيلة قريش التي كانت لها السيادة على العرب قبل الإسلام بسدانة أصنام صنعتها المخيلة وصوّرتها لهم كقوى قادرة على خدمتهم وأنها تقوم بحمايتهم. فقدسوها وحفظوها في الكعبة وجعلوا لكل مجال من مجالات الحياة تصنيمه الخاص ثم صارت السدانة مهنة بها سادت قريش على سائر القبائل بعقلية جمعية تم تمريرها والتعود عليها، حائزة من جراء ذلك على مكانة سياسية ومعنوية مهمة في الجزيرة العربية وما حولها.
وعلى الرغم من انتهاء عبودية الأصنام الوثنية بمجيء الإسلام؛ فإن التصنيم ظل يشخص في اللاوعي الجمعي كنوع من الولاء الرمزي، حتى إذا واجهت العرب خَطْبا أو اعجبت بأمر حولته إلى رمز تمجده حد التقديس وقد تُقدِّم سدانتها لأشخاص أو أسماء في شكل تملق أو ولاء.
وهو ما تناوله الباحثون السوسيولوجيون والمحللون النفسيون، فدرسوا ظاهرة الأصنام وأسبابها وكيف تتكون، والأغراض المبتغاة من ورائها، والوسائل المعتمدة فيها كما أفاضوا في الحديث عن دلالاتها السياسية ومخاطرها الاجتماعية والفكرية.
ولأن صدم القناعات الراكدة هو مطلب الإنسان الحر مبدعا كان أم غير مبدع، يغدو للفلسفة دور مهم في عملية الصدم هذه، فهي أصل العلوم والفنون، تتعامل عقليا مع الكون بحرية ناظرة إلى العالم نظرة تأملية تشتقها أو تستمدها من مفاهيم أخلاقية هي ليست حيادية على الإطلاق ورؤى جمالية هي ليست علمية تماما. ويبدو أن غياب الدور الفلسفي جعل التصنيم ظاهرة تحيا بيننا ونحن على أعتاب العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وذلك بوجود سدنة يقدسون ما يريدون له أن يُقدس فيعشعش في وعيهم ولا وعيهم. والمحصلة الاستعباد الذي هو نتيجة السدانة، كسجن يُحبس فيه العقل في كل الأحوال، فيكون مستكينا وضعيفا بدل أن يكون حرا ومسؤولا.
وإذا كانت السدانة تعني الولاء والخدمة؛ فإن التصنيم هو الغاية التي بها تتجلى رمزية الشيء الصنم. وتتنوع السدانة بتنوع الصنم وما يعنيه أو يرمز إليه. فهناك السدانة الرمزية للأفكار والمعتقدات بحسب العقائد والأعراق، وهناك السدانة المادية للأشخاص والكراسي، وهناك السدانة الثقافية وهي تجمع الروحية بالمادية، محاولة خدمة أفكار ونظريات صاغها عقل شخص بعينه أو عدة أشخاص.
وتعد السدانة الثقافية هي الأخطر والأهم لأنها أكثر تعقيدا من السدانتين الأوليتين، ولأنها أيضا أسرع انتشارا وأعظم أثرا في المجتمعات. وليست الأصنام هي الآباء لأن الآباء يؤسسون أو يكملون تأسيس ما بناه الأسلاف ليأتي الأبناء ويبنون ما يستطيعون بناءه وقد لا يستطيعون فيتركون للأحفاد القيام بذلك. والأدب ككل مجال من مجالات حياتنا له آباء مؤسسون، لم ينقطع عنهم اللاحقون بل بنوا على ما كانوا قد بنوا عليه في شكل دورة ثقافية. وأي انقطاع بين الآباء والأبناء يعني حصول هوة وثغرة بسببها يتعطل التواصل وتنكسر الصلة بين القاعدة وما ينبغي أن يشيد عليها استكمالا للأصالة الأبوية وامتدادا لها.
والسدانة تقوم على فكرة القطع لا التأسيس، والبتر لا التواصل، والعقم لا التوالد، بوجود أب عقيم لا نسل له هو صنم مؤسس لبناء لن يؤسس عليه أحد من بعده أبدا. وإذا كان أمر الانقطاع والولادة الاستثنائية مقبولا في الأنبياء المعصومين والأوصياء المصطفين والولاة الصالحين فلأن ما يؤسسونه رسالي وفريد من نوعه يفترض الطاعة والولاء اللذين بهما تتحقق السعادة وتكون الحياة هانئة والبشرية مستقيمة. بيد أن السدانة لمن هم دون الذين تقدم ذكرهم لا تعد منطقية ولا موضوعية لأنها تقطع دورة التواصل بين الآباء والأبناء من جهة ولأنها تحول دون أن يكون للتأسيس حركية بها تُبنى الحضارات وتتقدم الأمم.
وعوامل كثيرة تتدخل في الانقطاع الحضاري والتراجع المجتمعي، ولا عجب أن تكون السدانة أحد تلك العوامل كونها تضع العصي في عجلة الحضارة مانعة أي تقدم أو تطور، مدارية على التصنيم بطوابع الاحتفاء والتمجيد.
وليس لاسم أو رمز ثقافي أن يكون صنما إلا إذا وضعه السدنة في هذا الموضع رمزا تُقدم له وحده دون غيره كل صنوف التهيب والإجلال والولاء والطاعة العمياء.
وتبجيل الرموز الثقافية أمر مطلوب ومنطقي لأغراض اعتبارية يتم من خلالها توجيه الأجيال وتربيتها اقتداء بما قدمته تلك الرموز من عطاءات، وتذكيرا بأهمية انجازاتها أيا كانت مدنية أو عسكرية أو علمية أو تربوية أو فكرية.. بيد أن التبجيل إذا ما انطوى على نوايا وغايات خارج هدفها المعلن؛ فإنه سيتعدى الاعتبارية إلى الصنمية التي بها لا يعود للرموز الأخرى أن تُبجَل ويُحتفى بانجازاتها. والسدانة بدل أن تجعل هذا الرمز أباً، فإنها تحوله إلى صنم.
وقد تكون وراء تصنيمِ رمزٍ ثقافي والسدانة إليه دوافع التعطيل للإنتاج العقلي الفاعل مع كبح أية قدرات أو عطاءات يمكن لها أن تجعل صاحبها رمزا وبذلك يبقى الصنم وحده في الساحة. مما يجعل أنواعا شتى من الظنون تدور حول التصنيم وغاياته ولماذا يُحاط اسم هذه الشخصية المفكرة بشتى آيات التعظيم وهالات التقديس مع أنها معروفة بانجازاتها ولا تحتاج إلى المبالغة في التمجيد من قبل السدنة الذين عادة ما تكون لهم هيمنة وإمكانيات تجعلهم يتفنون في صنوف التبجيل والتمجيد لتلك الشخصية.
وليس العيب بالطبع في الرمز/ الصنم نفسه وإنما في السدنة الذين يستغلون مكانته متخذين منه دعامة توطد سلطتهم وتعزز مركزيتهم في المجتمع. ولأن السدنة من دون صنمهم خواء وبلا قيمة، لذا نجدهم يستبسلون في سبيل استمراره مؤثرا حاضرا غير سامحين ولا متسامحين مع من يسعى إلى النظر الموضوعي في شؤونه نظرة تخالف وجهات نظرهم.
ولا وجود للسدنة والصنمية في المجتمعات التي تجاوزت التشرذم والأحادية وأمراض النقص وعقد الماضي واندمجت بأنظمة حكم ديمقراطية حقيقية لا صورية، واتبعت تشريعات دستورية وقوانين وأعراف عالمية. وبالطبع ليست مجتمعاتنا واحدة منها بسبب ما فيها من الصنمية بأشكال متنوعة، منها الصنمية الثقافية التي تشيع بوضوح أما بالمركزية التي ينالها بصورة طارئة بعض الذين انخرطوا في مراكز القوى فاكتسبوا منها المركزية وصاروا في مواقع مؤسساتية متقدمة. وأما بأمراض التجريم والتحريم والتشكيك واللوم والتسقيط والاتهام والتكتل والشللية التي تضمن للسدنة السطوة والكسب كتبعة من تبعات الواقع المليء بالعنف والإرهاب.
وقد استغل بعضهم هذا الواقع، فجعل من لا يتكتل مع تكتله خصما له يقف ضده بلا رادع من ضمير. وعادة ما تشيع الصنمية عند المشتغلين على شعارات وأجندات من الذين يتفاقم لديهم العامل الانفعالي، متبعين كل ما هو مصطنع يغلق العقل ويوجهه عاطفيا، فيغيب التفكر ويسود المزاج والتعصب.
*كاتبة من العراق