التطبيع العربي رهان خاسر في حملة ترامب للفوز بدورة ثانية

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

الحزب الجمهوري يلعب على عامل الخوف

السياسة الخارجية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لا تلعب في العادة أي دور مهم إلا في النادر. المرة الوحيدة التي لعبت قضايا الأمن والعلاقات الخارجية دورا رئيسيا في الانتخابات كان عام 2004 على خلفية الذاكرة الجمعية للشعب الأمريكي لهجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 الحديثة العهد، فاتجه الناخبون تحت تأثير عامل الخوف والحرب ورغبة الانتقام إلى تجديد ولاية الرئيس الجمهوري جورج بوش لدورة ثانية خاصة وأن الجيوش الأمريكية كانت متورطة في حربين في أفغانستان والعراق. بينما فشل جورج بوش الأب في انتخابات 1994 علما أنه كان قد انتصر في معركة تحرير الكويت، وفشل جيمي كارتر في إعادة انتخابه لدورة ثانية عام 1980 علما أنه تبنى نجاح أول اتفاقية سلام بين مصر، أكبر دولة عربية وإسرائيل.

تمر حملة ترامب الانتخابية في فترة حرجة في الستين يوما الأخيرة. وليس لدى الرئيس ما يفاخر به من إنجازات لإقناع الناخبين بإعادة انتخابه لدورة أخرى. وتشير استطلاعات الرأي هذه الأيام إلى أن الثنائي بايدن-هاريس يتفوق على الثنائي ترامب- بينس بتسع نقاط على الأقل. وتعود أسباب هذا التراجع في شعبية ترامب أولا إلى التدهور الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة بشكل غير مسبوق وصل إلى 15 في المئة ثم تراجع ليستقر بحدود العشرة في المئة، وثانيا للطريقة الرعناء التي واجه فيها وباء كورونا والتي ما زالت تنتشر من ولاية لأخرى وتحصد الألوف، حيث ظلت الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في عدد الإصابات وعدد الضحايا. والسبب الثالث يعود إلى شخصية ترامب وأساليبه في معالجة المسائل والخداع والكذب والفساد وتعيين الأصدقاء والموالين، ثم لا يلبث أن يطردهم مع أول خلاف في وجهات النظر وكأنه دكتاتور من دول العالم النامي. فقد أحصى المراقبون ما مجموعه تبديل الوزارة ثلاث مرات بالكامل، ففي الولايات المتحدة لا يوجد منصب رئيس وزراء بل مسؤولية تعيين الوزراء وطردهم من مسؤوليات الرئيس حصريا.

المنطقة الوحيدة التي يظن ترامب أنها ستسعفه في الانتخابات هي الانصياع لإملاءات المجموعتين اللتين يستند إليهما أساسا وهما اللوبي المؤيد لإسرائيل وخاصة الإيباك والأنجلييين التبشيريين أو المسيحيين الصهاينة الذين يؤمنون بضرورة عودة كل اليهود إلى فلسطين ليعود المسيح ويخيرهم بين اتباع الدين المسيحي أو قتلهم جميعا. إنهم يعتقدون أن الرب أرسل ترامب للتعجيل بعودة المسيح ليملأ الأرض عدلا بعد تحول كل الناس إلى المسيحية أو قتل من لا يقبل ذلك.

استخدام التطبيع مع إسرائيل

 

من المفروض ألا يتدخل الوزراء في العملية الانتخابية لأن وزير الدفاع أو وزير الخارجية يمثل البلاد كلها ولا يمثل الحزب الذي ينتمي إليه. إلا أن هذا العرف كسره مايك بومبيو، وزير الخارجية، أثناء زيارته الأخيرة لمنطقة الشرق الأوسط التي شملت إسرائيل والسودان والبحرين والإمارات وعمان. فأثناء وجوده في القدس خرج على العرف وألقى كلمة في مؤتمر الحزب الجمهوري من فندق الملك داوود الشهير ومنظر الصخرة المشرفة وراءه في رسالة انتخابية للمجموعتين لا تخطئها العين، موجهة إلى  الناخبين الإنجيليين المسيحيين والذين هم في غالبيتهم ليسوا بحاجة إلى إقناع ليذكرهم بأن الرئيس ترامب هو من اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ومن نقل السفارة الأمريكية إليها.

جولة بومبيو الانتخابية

من الواضح أن جولة بومبيو التي جاءت على خلفية اتفاقية “أبراهام” بين دولة الإمارات وإسرائيل برعاية أمريكية، كانت تهدف أساسا لاستثمار الزخم الذي أثارته الاتفاقية والبناء عليها بسحب عدد من دول المنطقة إلى مزيد من اتفاقيات التطبيع. وقد كان من المتوقع أن يعود بومبيو كالطاووس وقد توج اتفاقيتين أو ثلاث مع دول المنطقة من بينها السودان والبحرين وعمان. بل وكانت الشهية الأمريكية-الإسرائيلية مفتوحة على اختراق في شمال أفريقيا مثل المغرب وموريتانيا. ولثقته في الإعلان عن اختراق جديد توجهت طائرته من تل أبيب مباشرة إلى الخرطوم على طريقة سيده ترامب الذي كسر هذا التابو عندما طار من الرياض إلى تل أبيب يوم 22 ايار/مايو 2017. لكن بومبيو سمع كلاما يبدو أنه لم يتوقعه. فقد عرض على الخرطوم أن يرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وأن يقدم لها مساعدات تزيد عن الثلاثمئة مليون دولار وأن يسهل عملية القروض من صندوق البنك الدولي والبنك الدولي. لكن عبد الله حمدوك أكد للوزير بأن المرحلة الانتقالية لا تسمح باتخاذ مثل هذا القرار وأن الأمر سيحسم عند تسليم السلطة المؤقتة إلى السلطة المنتخبة. فقد أعلن وزير الإعلام السوداني، فيصل محمد صالح، المتحدث الرسمي باسم الحكومة، أن رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، قد رد على الطلب الأمريكي بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قائلا: “إن المرحلة الانتقالية في السودان يقودها تحالف عريض بأجندة محددة لاستكمال عملية الانتقال وتحقيق السلام والاستقرار في البلاد وصولاً إلى قيام انتخابات حرة”.

 هذا لا يعني أن الطبقة السياسية الجديدة في السودان بمن فيها العساكر لا تريد التطبيع، فأبو ظبي أحكمت عليها الخناق بسرعة بتقديم الإغراءات العديدة كي لا تجتاز بوابة التطبيع وحدها، معتقدة أن اللقاء الذي رتبه محمد بن زايد بين البرهان ونتنياهو في أوغندا في شهر شباط/فبراير الماضي سيؤهل السودان للدخول إلى ساحة التطبيع مع الإمارات. لكن ظروف السودان المعقدة حالت دون أن يعود بومبيو ببشارة أخرى يهديها للصهاينة المسيحيين والإيباك.

البحرين هي أقرب الدول لاتخاذ خطوة التطبيع. لكن البحرين أمرها ليس في يدها بل في يد السعودية. والسعودية ستعطي إشارة  للبحرين للاعتراف والتطبيع في الوقت الذي يلائم أجندة محمد بن سلمان. ومن تابع تصريح ملك البحرين، حمد بن عيسى، الذي أكد فيه تمسك بلاده بمبادرة السلام العربية كأساس لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يرى أنه انعكاس لموقف وزير خارجية المملكة العربية السعودية، فيصل بن فرحان، الذي أكد فيه مع نظيره الألماني، هايكو ماس، تمسك السعودية بالسلام خياراً استراتيجياً استنادا إلى مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية. إذن حتى البحرين أكثر الدول اندلاقا نحو التطبيع والتي استضافت المؤتمر الاقتصادي لصفقة القرن، لم تعلن عن الالتحاق الفوري بقطار التطبيع الذي يقوده محمد بن زايد الذي كلما توقف في محطة بحثا عن ركاب جدد يغادر المحطة فارغا دونما أحد.

 أما زيارته لعُمان، فقد كان بومبيو يأمل أن تنضم لفريق التطبيع الجديد إلا أنه لم يحصل على أي نوع من التأييد حيث بحث مع السلطان الجديد، هيثم بن صالح آل سعيد، كما جاء في تغريدة للوزير الأمريكي “السلام والاستقرار الإقليميين ووحدة دول الخليج ومواجهة نفوذ إيران الخبيث”. وهذه البضاعة غير رائجة في عمان لأن علاقتها في إيران ثابتة وراسخة حتى إن الولايات المتحدة استغلت فيما مضى هذه العلاقة لإطلاق بعض السجناء الأمريكيين في إيران.

مواضيع التنافس بين الحزبين

انعقد مؤتمرا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري. والساحة الآن مفتوحة للتنافس. ونلاحظ أن السياسة الخارجية (ما عدا دعم إسرائيل) شبه غائبة عن الحملتين.

نلاحظ أن الحزب الديمقراطي يركز على موضوع الاقتصاد والبطالة والطريقة التي عالجت هذه الإدارة جائحة كورونا وتفاقم العنصرية في عهد ترامب بطريقة غير مسبوقة وشخصية ترامب غير المتزنة وغير المتوازنة، وشخصية من هذا النوع لا يؤتمن أن يكون القائد الأعلى للجيوش الأمريكية ويملك مفتاح الحرب والسلام.

أما الحزب الجمهوري فيحاول أن يلعب على عامل الخوف، حيث يثير لدى الأمريكيين الخوف من تحول البلاد إلى الاشتراكية كما قال في خطابه ويثير قضية عدم توازن بايدن بسبب السن ويتهمه بأنه مصاب بالنسيان وأنه غير قادر على قيادة البلاد. هذا يعني أن الذي سيقود البلاد نائبة الرئيس، كمالا هاريس، “اليسارية المتطرفة” كما يصفها. ولا يفتأ ترامب في تذكير جماهيره بالرئيس السابق أوباما عند ذكر بايدن وهاريس، أي أن السود سيعودون لحكم البلاد وهو ما يثير مخاوف البيض العنصريين. ويضيف ترامب وحملته الانتخابية أن إدارة بايدن-هاريس ستسحب سلاح الأمريكيين الفردي وتخفض ميزانية الشرطة بحيث يتمكن الرعاع من نشر الفوضى والسرقة والنهب وارتكاب الجرائم بشكل غير مسبوق. وهذا التخوف هو الذي دفع رابطة الشرطة القوية أن تعلن تأييدها لترشيح ترامب لدورة ثانية.

باختصار حملة بايدن-هاريس تنطلق من الأمل بتصحيح الأوضاع  المزرية التي وصلتها البلاد بناء على تجربة السنوات الأربع لرئاسة رجل غير سوي أساء للشعب الأمريكي وعزل الولايات المتحدة عن أصدقائها، بينما حملة ترامب تعتمد على فرضيات جوهرها الخوف. فهل سينتصر الأمل على الخوف؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية