الخرطوم ـ «القدس العربي»: شهدت العاصمة السودانية الخرطوم بمدنها الثلاث، أمدرمان والخرطوم وبحري، قبل يومين، تظاهرات مفاجئة شارك فيها عدد من المواطنين، مطالبين بعدم دخول البعثة السياسية الأممية، فيما برزت اتهامات بأن المتظاهرين هم من أنصار النظام السابق و غرضهم عرقلة المرحلة الانتقالية في البلاد.
وحسب الخبير والمختص في مجموعات الإسلام السياسي، عمر أرباب، فإن «وصول القوات الأممية سيشكل عائقاً تجاه أي تغيير من باب المؤسسة العسكرية، وهو الباب الذي يعول عليه أنصار النظام للعودة للسلطة».
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن « كشف حالات الفساد في النظام السابق، يزيد تعقيد وصعوبة عودة النظام السابق إلى الحكم عن طريق الانتخابات وصناديق الاقتراع».
وأضاف «التظاهرات الأخيرة لأنصار النظام السابق قد تم الترتيب لها من خلال التواصل عبر مجموعات بصورة سرية، إذ لم يظهر الإعلان عنها من خلال وسائل التواصل، كما يبدو أن قرارات لجنة إزالة التمكين قد زادت من جذوة الحماس لدى المتظاهرين».
لا رؤية موحدة
وتابع «من المعلوم أن الروابط الاجتماعية بين هذه المجموعات روابط قوة بما يعرف بروح الإخاء والمناصرة، لذا كان التعاطف مع المفصولين والمتضررين من قرارات لجنة التمكين هو السمة الأبرز لهذه التظاهرات».
وزاد: «الملاحظ أيضاً من خلال الهتافات، أن هذه التظاهرات ليس بينها رؤية موحدة، فالبعض يهتف ضد تدخل القوات الأممية، والبعض ضد الحالة المعيشية والبعض ضد العلمانية والبعض ضد حكومة قوى الحرية والتغيير، مما يجعل التحديات كبيرة أمام الحكومة لا سيما في قضايا السلام والعدالة والأوضاع الاقتصادية».
وأوضح «هذا ملفات شائكة، يزيد عامل الزمن من تعقيدها، لاسيما أن كوادر النظام السابق، لا تزال تتمتع بكامل قوتها داخل الأجهزة الأمنية مما يجعل احتمالية انقضاضها على السلطة وارداً إذا ازدادت رقعة وقوة هذه التظاهرات، ولا أستبعد أن يكون هناك تنسيق بين هذه الكوادر داخل وخارج الأجهزة الأمنية».
أما المحلل السياسي علاء الدين بشير، فيرى في حديث مع «القدس العربي» أن «النظام القديم سقط بغير رجعة وفكرته أفلست خلال حكمه البلاد لثلاثين عاماً».
وبين أن «هذه المناوشات لأنصاره ليست لإسقاط الحكومة الحالية، ولكن لشعورهم أن التغيير الذي جرى هو حقيقي، ويمس وينبش خلف شخصيات كبيرة، كما تأكد لهم أن قرارات لجنة التفكيك صارت تفتح قضايا في عمق بنية الحزب الحاكم، وأن ما ظهر للآن هو رأس جبل الجليد».
وأضاف «هم ميالون للمكون العسكري ويحاولون استثارته عبر قيم النخوة لاستمالته لصفهم. والعدو حسب تقاريرهم، يتمثل في الحكومة المدنية وعندما أتت قصة البعثة الدولية جعلوها لافتة لتحركهم بجانب الغلاء المعيشي، ولكن السبب الرئيسي لتحركهم هو الفساد وتحريك ملف المحكمة الجنائية الذي سيطال كثيرين من النظام السابق، بجانب تفكيك الشركات الأمنية وشركات الحزب الحاكم، كل ذلك يشعرهم بالذعر».
اتهامات للشرطة بالتواطؤ… وخبراء يرجعون أسبابها لقرارات لجنة التمكين
وتابع «هم يحاولون الاستفادة من الثغرات لإثارة الشارع ضد البعثة لأنها تشكل خطورة على مستقبل خططهم، ولأنها توازن في القوى بين العسكر والمدنيين، وهم سيسعون باستمرار لاستغلال الثغرات، تارة يستهدفون رئيس لجنة المناهج عمر القراي، وتارة أخرى يثيرون الغبار ضد وزارة الصحة، والآن يرفعون الصوت ضد البعثة الدولية، ولكن من المؤكد أنهم سيهزمون ولن يمضي حراكهم نحو القوة بل باتجاه الضعف والانحسار».
وتجمع المحتجون أمس وسط العاصمة عند تقاطع شارعي «السيد عبد الرحمن» و«ألمك نمر»، حاملين الأعلام الوطنية ولافتات عليها عبارات من قبيل: «لا للاستعمار الأجنبي للسودان» و«حكومة العملاء تسقط بس»، كما رددوا هتافات بينها: «الشعب يريد إسقاط النظام»، و«تسقط بس».
وسار المحتجون نحو كيلومتر حتى وصلوا الى تخوم مقر القيادة العامة للجيش، التي أغلقت طرقها بالعربات العسكرية والحواجز الإسمنتية، مرددين هتاف: «شعب واحد… جيش واحد».
علاوة على العاصمة، طالب مئات المحتجين في 3 مدن سودانية أخرى بإسقاط حكومة عبد الله حمدوك. وأفاد مراقبون بأن التظاهرات والتي كانت أقل بكثير جداً من التي في الخرطوم، شملت مدن الدندر في ولاية سنار، والفاو في ولاية القضارف، والأبيض في ولاية شمال كردفان.
وجاءت دعوات التظاهر من تنظيم شبابي جديد في السودان يدعى «الحراك الشعبي الموحد»، ظهر في الواجهة خلال فبراير/شباط الماضي، كما حمل المتظاهرون لافتات لتنظيم جديد باسم «تحالف القوى الوطنية» الذي يتكون من منظمات مجتمع مدني تضم المفصولين من قبل لجنة إزالة التمكين في القطاعات المهنية، دون ظهور لأحزاب سياسية.
تساهل من الشرطة
ضابط صف في قوات الشرطة قال لـ«القدس العربي» بعد أن حجب هويته «كثير جدا من المشاركين باتوا ليلتهم في فنادق في وسط الخرطوم بعد أن تم استئجار غرف لهم من قبل عناصر قيادية في النظام السابق، كما أن العديد من أفراد القوات النظامية المؤدلجين خاصة عناصر جهاز الأمن، كانوا يستغلون بطاقاتهم للمرور بعرباتهم التي تحمل من يرافقونهم للمشاركة في التجمع الاحتجاجي». وأضاف «كان هناك تساهل كبير من قبلنا في الشرطة، ولقد وقع في يدي توجيه من تنظيم الحركة الإسلامية لضباط الشرطة المنتسبين للتنظيم، بالتساهل مع التظاهرة».
وتابع «ما لا تعلمه حكومة الثورة أن مركز ثقل التنظيم انتقل من جهاز الأمن إلى قوات الشرطة، فهي الوحيدة من القوات النظامية التي لم تطلها يد الثورة، بعكس جهاز الأمن والمخابرات والقوات المسلحة التي طالتها إحالات لمئات الضباط، بينما الشرطة محلك سر وهذا مكمن الخطورة»، حسب قوله.
وقال والي الخرطوم المكلف، يوسف آدم الضي، إن «فلول النظام البائد تقف خلف الاحتجاجات لقطع الطريق أمام كشف فساد النظام البائد، في الوقت الذي تسعى فيه الولاية للخروج من تفشي فيروس كورونا التي وضعت العالم كله تحت رحمة الإجراءات الاحترازية نتفاجأ بهؤلاء يتحدون السلطات ويخرقون إجراءات الحظر الصحي في مسلك غير مسؤول، ولا يقيم وزنا لحياة المواطنين، ويكشف الإفلاس السياسي والأخلاقي الذي وصلت إليه فلول النظام البائد، فكلما تقدمت ثورة ديسمبر من تحقيق أهدافها وكشف فساد رموز النظام البائد، تتحرك الفلول لإيقاف مسيرة كشف فساد قادة النظام السابق».