من بين أعلى عشر دول في العالم الأكثر سعادة تسع منها في القارة الأوروبية ووحدها نيوزيلندا التي تسللت إلى المجموعة. ففي عام 2019 كان المعدل العالمي للسعادة 5 من 10 وكان معدل القارة الأوروبية 6.7. فقد حققت فنلندا المعدل الأعلى في العالم من بين 136 دولة ليصل المؤشر إلى 7.8 بينما كانت بلغاريا الأقل سعادة حيث انخفض المؤشر إلى 5.1.
وقد استعملت شركة ماكينزي لقياسات الرأي العام ستة مؤشرات رئيسية: الصحة، الراحة في العمل، العلاقة الاجتماعية (زواج، مساكنة وغير ذلك) الدخل المادي، ضمان العمل/الوظيفة، انخفاض معدل الجريمة.
هذه مقدمة تشير إلى أن دول الاتحاد الأوروبي، في غالبيتها الساحقة تعيش قبل انتشار وباء كوفيد-19 أزهى عصورها الحياتية بالنسبة لسكان القارة. إلا أن انتشار الوباء وبسرعة مهولة انطلاقا من إيطاليا وبريطانيا ليشمل بعد ذلك ألمانيا وإسبانيا وينتشر في بقية دول أوروبا بنسب متفاوتة قد غير المعادلة ونشر الخوف وعثر الاقتصاد وأثر على مستوى السعادة. لقد أخذ الوباء الشعوب على غير استعداد، إذ كانوا يركنون على نظم صحية تابعة للدولة هي الأفضل في العالم. لكن الفيروس المستجد لم يخضع للنظريات الكلاسيكية في مواجهة الأوبئة إذ إنه اختلف من بلد إلى بلد بل ومن شخص إلى آخر. فمرت دول الاتحاد الأوروبي فترة حيرة وضياع اضطرت دولة مثل إيطاليا أن تطلب المساعدة من الصين. إلا أن القارة الغنية سرعان ما لملمت كلمتها ونسقت جهودها وبدأت تعمل بتناغم وانسجام شديدين بقيادة آليات العمل المشتركة في الاتحاد.
آليات الاتحاد في الميدان
على ضوء أخبار انتشار وباء جديد متفرع من فيروسات كورونا وبعد تأكيد منظمة الصحة العالمية في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، قررت الرئاسة الكرواتية للاتحاد الأوروبي في 28 شباط/فبراير الماضي تفعيل آلية الاتحاد للاستجابة للأزمات السياسية “IPCR” ابتداء بتبادل المعلومات. ويشمل التبادل وضع تقارير توعية وتحليل منتظمة للأوضاع المستجدة ووضعها بين يدي دائرة المفوضية ودائرة العمل الخارجي الأوروبية ثم يتم تداولها مع الدول الأعضاء من خلال منصة شبكية مخصصة لهذا الغرض.
ولم تنتظر الرئاسة الكرواتية طويلا حتى رفعت مستوى الحيطة والحذر فقررت في 2 آذار/مارس الماضي تصعيد ترتيبات الاستجابة المتكاملة للأزمة من وضع التشارك في المعلومات إلى وضع التنشيط الكامل لآلية الاستجابة. وقد شملت خطة الاستجابة العديد من آليات الاتحاد مثل مكتب رئيس المجلس الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، ودائرة العمل الخارجي الأوروبي، حيث يقوم المشاركون في الطاولة المستديرة التي ظلت في حالة انعقاد لمتابعة تطورات الوباء، بإعداد وتطوير وتحديث مقترحات الإجراءات التي سيتم مناقشتها والبت فيها من قبل المجلس.
كان واضحا أن أوروبا كقارة، تتعرض ربما لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، إلى تحد كبير أصابها دون أن تكون مهيأة له حيث انتشر الوباء بسرعة خيالية وخاصة في الدول الخمس الكبرى: إيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا. فقد حذرت أنغيلا ميركل في 10 آذار/مارس أن 60-70 في المئة من الشعب الألماني قد يصابون بفيروس كورونا المستجد.
ودخلت أوروبا في فترة ركود اقتصادي خطيرة ما كان أمام قادة القارة إلا أن يتعاملوا مع الأزمة بطريقة جماعية، على عكس الولايات المتحدة التي ترك رئيسها الأهوج يتصرف بطريقة فردية فاقمت المشكلة وأدت إلى انتشار الوباء بطريقة خطيرة، لتحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في العالم في عدد الإصابات والوفيات.
الرد الأوروبي الجماعي
من أجل دعم مواطني الاتحاد الأوروبي والشركات ودول الاتحاد في التعافي من الركود الاقتصادي الناجم عن جائحة كوفيد-19 اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على العمل على خطة إنعاش مشتركة لأوروبا. وقد أقروا يوم 23 نيسان/أبريل الماضي إنشاء صندوق انتعاش للاتحاد يهدف إلى التخفيف من آثار الأزمة رصدت فيه ميزانية 540 مليار يورو لدعم العمال والشركات التي أوشكت على الانهيار.
ثم عاد الاتحاد ووجد أن تلك المبالغ التي رصدها لا تكفي فاجتمع قادته يوم 21 تموز/يوليو ورصدوا مبلغ 1824 مليار يورو للسنوات 2021-2027 لتحقيق أهداف ثلاثة، كما قال رئيس المجلس الأوروبي، تشارلز ميشيل: “أولا: التقارب والتكامل وثانيا: الصمود وثالثا إصلاح الأضرار التي تسببها وباء كوفيد-19 لاقتصاديات أعضاء المجموعة”. وهذا هو الاجتماع الأول الذي يعقد بحضور ممثلي الاتحاد شخصيا في بروكسيل. وأضاف ميشيل: “لقد توصلنا إلى صفقة بشأن حزمة التعافي والميزانية الأوروبية. كانت هذه بالطبع مفاوضات صعبة في أوقات صعبة للغاية بالنسبة لجميع الأوروبيين. كان أقرب إلى الماراثون وانتهى بالنجاح لجميع الدول الأعضاء الـ 27 ولكن بشكل خاص للشعوب. هذه صفقة جيدة. هذه صفقة قوية. والأهم من ذلك، أن هذه هي الصفقة الصحيحة لأوروبا، الآن”.
خلال هذه الأوقات والأزمات تضافرت جهود الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء معًا وقرروا أن يساعدوا بعضهم البعض. لقد قام الاتحاد بالفعل بتعبئة الموارد لدعم الاستجابة الطارئة للفيروس من أجل ضمان توريد معدات الحماية، وتعزيز البحث ودعم الشركاء العالميين المحتاجين.
لقد عمل الاتحاد مع الدول الأعضاء لاحتواء انتشار الفيروس ودعم أنظمة الرعاية الصحية الوطنية للاستجابة لوباء كوفيد-19 وإبطاء انتقاله من بلد لآخر. اتفق قادة الاتحاد في 17 آذار/مارس الماضي على تقييد مؤقت ومنسق للسفر غير الضروري إلى دول الاتحاد وبقي فاعلا لغاية 30 حزيران/يونيو الماضي. لذلك نجح الاتحاد باحتواء الفيروس وهو يسير حثيثا للمعافاة الاقتصادية وانتشال الدول الضعيفة اقتصاديا والانتقال نحو الحصانتين الصحية والاقتصادية.
الدول العربية وغياب التنسيق
استطاعت دول الاتحاد الأوروبي أن تنسق جهودها وترسم برامج جماعية للتعافي وتفعل الاقتصاد وترسم الخطط للمدى المتوسط للخروج من آثار الأزمة. بينما الجامعة العربية كمظلة للدول الأعضاء الـ 22 كانت غائبة تماما. لم تدع لاجتماع وزراء الصحة أو وزراء الاقتصاد أو أي من لجان الجامعة الأخرى أو لجنة خبراء لتنسيق المواقف لاتخاذ خطوات احترازية جماعية تستفيد منها الدول. ولم يدع أمينها العام إلى أي لقاء على أي مستوى وتركت كل دولة تغرد على هواها. والأدهى من ذلك أن بعض الدول التي انتشر فيها الفيروس بسرعة، حمّلت طائرات مساعدة وأرسلت بها إلى أمريكا وإيطاليا في حركة غبية يقصد منا “العلاقات العامة” متناسين أن “الأقربون أولى بالمعروف” فيما قامت دولة أخرى بتقديم مساعدات لدولة تدعي أنها تشكل تهديدا لأمنها وتحتل جزرها، بينما حاولت أن تتاجر بالقضية الفلسطينية وتقديم مساعدات للفلسطينيين عن طريق جسور التطبيع العلني مع إسرائيل.
وأود أن أقدم صوة مقتضبة عن الأوضاع التي تعيشها الدول العربية الآن جراء فيروس كوفيد-19 كما جاء في تقرير أطلقته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لدول غربي آسيا “إسكوا” يوم الأربعاء الماضي ويشير إلى أن هناك 55 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية من بينهم 26 مليونا مشردين داخليا.
ويقدم التقرير صورة فاجعة حول آثار الوباء على العالم العربي. وجاء فيه أن اقتصاد المنطقة سينكمش بنسبة 5.7 في المئة، وقد تصل نسبة الانكماش إلى 13 في المئة خاصة في الدول التي تشهد صراعات مثل سوريا وليبيا واليمن، مما سيكبد دول المنطقة خسارة إجمالية قدرها 152 مليار دولار أمريكي. وبحسب التقديرات فإن عدد الفقراء في العالم العربي سيرتفع بمقدار 14.3 مليون شخص، ليصبح اجمالي عددهم أكثر من 115مليون، وهو حوالي ربع سكان الدول العربية، والتي يقدر ِسكانها بحوالي 436 مليون نسمة. كما يحذر التقرير من استمرار معاناة الفقراء لفترة طويلة ما قد يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. ويتوقع أن تشهد المنطقة نقصا في الغذاء وارتفاعا حادا في أسعار المواد الغذائية خاصة أن أغلب دولها تعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية. ويرجح التقرير كذلك خسارة أكثر من 17 مليون وظيفة في النصف الثاني من العام الحالي، في الوقت الذي سجلت المنطقة حوالي 14.3 مليون شخص عاطل عن العمل قبل بدء انتشار الفيروس. ويؤكد التقرير على أن الالتفات لاحتياجات الشباب ضروري وخاصة أنهم معرضون للبطالة بمعدل خمس مرات أعلى مقارنة بغيرهم من البالغين.
ألا تستطيع الجامعة العربية أن تتعلم درسا واحدا من الاتحادات الإقليمية ألا وهو فصل الإنساني عن السياسي، والعمل بروح جماعية حيث ينعدم الخلاف في قضايا مثل الصحة والبيئة والتغيرات المناخية والتصحر ومحاربة الفقر واضطهاد المرأة؟
يقول التقرير إن هناك حاجة لـ 1.7 مليار دولار لمعالجة مخاطر وتأثير جائحة كورونا على أكثر الناس ضعفا في البلدان العربية المتضررة بسبب أزمة كورونا. وهذا المبلغ يمكن توفيره لو توقفت الحرب على اليمن لمدة أسبوع واحد.