التعديلات الدستورية في الجزائر: عرس انتخابي من دون عريس

ناصر جابي
حجم الخط
1

المؤسسات الأمنية والعسكرية استمرت في أداء أدوارها القديمة

ستعلن يوم أول تشرين الثاني/نوفمبر في المساء، الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، عن موافقة الجزائريين على التعديلات الدستورية المقترحة عليهم. لأن العكس غير مقبول في منطق النظام السياسي الجزائري. رغم أن التحليل السياسي البارد يقول إن التعديلات تلقى معارضة كبيرة من عديد القوى السياسية، وإن المواطن الجزائري أصلا غير مهتم وغير مبال بهذه التعديلات التي تقترح عليه دستورا لا يلتقي به في يومياته إلا خلسة وبشكل محتشم جدا منذ فجر الاستقلال.

الخريطة السياسية تخبرنا ونحن نتحدث عن التعديلات الدستورية أن المواطن غير مبال بهذه التعديلات. في وقت يعيش فيه البلد حالة انسداد سياسي، بعد مرحلة التفاؤل التي عاشها في سنة الحراك الأولى. فترة تفاؤل عاد فيها إلى النقاش القانوني والدستوري بقوة وهو يفكر في إيجاد مخرج من الأزمة التي وضعها فيها بوتفليقة والنظام السياسي. نقاشات قانونية وسياسية من ميزاتها ان الشباب هم الذين قاموا بها، في الساحات والشوارع في المدن الكبرى والمتوسطة التي كونت الساحة الرئيسية للحراك، لمدة شهور، أنتجت للجزائر جيلا مسيسا ربحته في ظرف شهور، عكس ما كان سائدا لعقود، حين اختفت فيه السياسة من حياة الجزائريين.

ما يحصل هذه الأيام بعيد جدا عن تلك الأجواء المتفائلة بعد أزمة انتشار وباء كورونا في البلد والمهجر، بكل نتائج  الإغلاق والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت الجزائريين يعودون إلى الاهتمام أكثر بالشأن الاقتصادي والاجتماعي اليومي المتدهور، كحال أغلبية بلدان العالم. انتشار وباء كورونا وغلق الحدود الذي لم يسمح للمؤسسات الرسمية وحلفائها من أحزاب الموالاة بتنظيم أي نشاط سياسي لصالح التعديل الدستوري في المهجر. لم يعد ممكنا، بعد ان تحررت الهجرة – جيل الشباب – من قبضة المؤسسات الرسمية، هي التي أصبحت تقود المعارضة الشعبية للنظام بمسيرات شعبية لم يعد من الممكن معها القيام بأي نشاط سياسي لصالح مشاريع النظام كهذا التعديل الدستوري، كما كان يفعل في السابق مع جيل الهجرة الأول الكبير في السن، المتشبع بقيم الوطنية الذي كانت تنطلق معه عمليات التصويت المبكر، عرف الإعلام الرسمي كيف يستغل صورها لحث المواطنين داخل الجزائر على المشاركة بقوة في مختلف الانتخابات والاستفتاءات، لم يعد ممكنا، بعد ان تعددت وتنوعت المشارب السياسية للمهاجرين، في جو الحرية الذي يتمتع به في ديار الغربة.

 واقع سياسي سيؤثر دون شك سلبا على معدلات المشاركة الشعبية لصالح هذا التعديل الدستوري، زيادة على نتائج ما عرفته الحملة الرسمية من فتور هنا داخل البلاد وهي تعيش أسبوعها الأخير. فتور له علاقة بالغلق السياسي – الإعلامي الذي مارسه النظام السياسي، بمنع كل الأحزاب السياسية التي دعت إلى التصويت بلا على التعديلات الدستورية أو حتى من تحفظ منها وترك حرية التصويت لقواعده. ما حصل مع حركة مجتمع السلم التي منعت أكثر من مرة من تنظيم اللقاءات الشعبية التي خططت لها في أكثر من ولاية، يمكن أن يكون مؤشرا سياسيا مهما عن العقلية السياسية السائدة، وهو نفس الحال مع حركة العدالة والتنمية -عبد الله جبالله – ناهيك عن أحزاب التيار الديمقراطي، مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية التي لم يعد في مقدورها تنظيم أي نشاط سياسي خارج مقراتها، قبل حتى أن تقرر رفض التعديلات الدستورية كجزء من مسار سياسي رسمي، تعارضه بشكل كلي، ما جعلها غائبة تماما منذ شهور – سنوات بالنسبة للبعض، من أي حضور إعلامي رسمي.

غياب الرأي المخالف

الشطط الذي يمارسه الإعلام الرسمي والخاص في الدفاع عن التعديلات الدستورية، في غياب كلي لأي رأي مخالف مهما كان باهتا، زاد أكيد في منسوب الابتعاد الشعبي عن الحملة تأكيدا لما تخبرنا به سوسيولوجيا الانتخابات والاستفتاءات في الجزائر منذ الاستقلال.

سوسيولوجيا انتخابية تقول إن نسب المشاركة في هذا العرس الانتخابي الذي غاب عنه العريس – المواطن، ستكون شبه منعدمة تماما، في منطقة القبائل بالكثافة البشرية التي تميزها وبتاريخها السياسي المعارض الذي عبرت عنه بقوة في آخر انتخابات رئاسية كانون الأول/ديسمبر 2019 مشاركة ستكون هي الأخرى ضعيفة جدا في المدن الكبرى والمتوسطة التي يسكنها أغلبية الجزائريين في المناطق الشمالية – اثنين من ثلاثة من المواطنين. نفس المنطق الذي سنلاحظه عند المهاجرين الجزائريين في الخارج – في الدول الغربية بحضورهم الديموغرافي الكبير، وحرية الحركة التي تميزهم منذ انطلاق الحراك تحديدا.

يبقى ذلك القبول الذي يمكن توقعه من أبناء المناطق الريفية والصحراوية وحتى جزء من الهضاب العليا، كما جرت العادة في الجزائر، تأكيدا لنفس السوسيولوجيا الانتخابية التي تكلمنا عنها، التي تخبرنا من جهة أخرى أن الشباب عادة ما تميز سلوكهم الانتخابي بالمقاطعة والرفض كقاعدة عامة وهو نفس حال الفئات الوسطى، لنسجل نسب مشاركة معقولة لدى كبار السن وأصحاب المستوى التعليمي المتواضع، في مجتمع  شاب انتشر فيه التعليم بقوة بعد الاستقلال، تزيد فيه المعارضة لمشاريع النظام، كلما زادت الكثافة الديموغرافية كما هو حاصل في شمال البلاد، عكس المناطق الجنوبية، المعروفة بديموغرافيتها الضعيفة.

لا تمنع هذه الصورة التي وضعناها لحالة التصويت المتوقع على الدستور، اعتمادا على دراسات أنجزناها أو اطلعنا عليها، من القول إن هناك قوى سياسية رسمية عديدة ستدعو إلى التصويت على التعديلات، ستحاول تجنيد القوى الاجتماعية التي ما زالت مرتبطة بها بعد أزمة 2019 التي مرت بها وما زالت تعيشها. ستكون أحزاب المولاة على رأس هذه القوى السياسية التي تدعم التعديلات، كما فعلت مع كل الاقتراحات التي قدمها النظام السياسي في كل الأوقات حتى وقياداتها في السجن وقواعدها مشتتة.

بيروقراطية الدولة ستبقى هي الأخرى سندا قويا يمكن للنظام ان يعتمد عليها لدعم مشاريعه السياسية، كما هو حال التعديل الدستوري الحالي بكل الجبروت – والقدرة على الرشوة – التي تملكها بعض القوى السياسية والمالية داخل المدن الداخلية، يمكن عدها هي الأخرى ضمن هذا التحالف الاجتماعي -السياسي الموالي للنظام، رغم ما مسها من اضطراب نتيجة انطلاق حملة المحاكمات لكبار رؤوسها، مما قد يؤثر على فعالية تدخلها هذه المرة التي قد تحتاط أكثر وهي تقوم به.

بالطبع لا يجب ان ننسى المؤسسات الأمنية والعسكرية كدعامة سياسية قوية، هي التي استمرت في أداء نفس أدوارها القديمة التي كان المواطن الجزائري ينتظر ان تبتعد عنها، بعد التجربة الموغلة في التدخل في الشأن السياسي اليومي، التي قادها قائد الأركان السابق المتوفي قايد صالح، عبرت عنها المشاركة شبه اليومية لقائد الأركان الجديد في الدفاع عن التعديل الدستوري والحث على المشاركة الشعبية فيه كأي حزب سياسي بحيز إعلامي كبير، موقف يؤشر ان الأمل المعقود على ابتعاد ولو جزئي للمؤسسة العسكرية، عن أدوارها السياسية التقليدية غير وارد على الأمد القصير وحتى المتوسط ربما. الأزمة السياسية التي لم يخرج منها بتاتا النظام السياسي، قد تكون من الأسباب الرئيسية لهذا الاتجاه الذي سيبقى حاضرا ما دامت أزمة النظام قائمة، عكس ما طالب به الحراك الشعبي وهو ينادي بإبعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي، حفاظا عليها من الانغماس في لعبة سياسية لن تخرج منها سالمة والبلد يعيش حالة اضطراب، بالذهاب إلى مرحلة سياسية انتقالية ستكون المؤسسة للعسكرية على رأس المستفيدين منها كما أكدتها كل التجارب الدولية الناجحة في عمليات الانتقال السياسي، ستؤكد من خلالها على طابعها الوطني والجمهوري الذي يصر عليه الجزائريون ويسير في اتجاه بناء دولة مدنية، كانت على رأس مطالب الجزائريين عندما خرجوا في حراكهم الشعبي في 22 شباط/فبراير 2019.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية