اتصل بي منذ سنتين شاب من العائلة لكي يطلب مني خدمة في العاصمة التي زارها لتقديم ملف إداري للحصول على وظيفة بعد تخرجه من الجامعة. دهشتي كانت كبيرة عندما أخبرني هذا الشاب العشريني انه ذهب إلى ثكنة معروفة في أعالي العاصمة لوضع ملف توظيف لدى…. المخابرات!
قلت لنفسي إن هذا السلوك لا يمكن أن يقوم به من كان من جيلي أو من هو أكبر، كان يخاف من المرور أمام ثكنات المخابرات المنتشرة في أحياء المدينة، فما بالك أن يدق بنفسه على باب ثكنة للمخابرات لطلب منصب عمل، لم يتمكن من الحصول عليه في قطاعات أخرى؟ سلوك يعني أننا أمام تغيير جذري في نظرة المواطنين والشباب تحديدا للمؤسسة العسكرية، بكل فروعها، وصلت لغاية المخابرات التي كان يتكلم عنها الجزائريون بصيغة المبني للمجهول، عندما يغامرون بالحديث عنها وعن رجالها.
قيادات المخابرات التي لم يكن يحق للمواطنين التعرف عليهم في صور فوتوغرافية، كما حصل مع توفيق مدين، مدير المخابرات الأسبق لمدة ربع قرن، الذي هدد اليومية التي سمحت لنفسها بنشر صورة قديمة له كان وزير الدفاع السابق خالد نزار، قد نشرها سهوا في مذكراته.
نظرة جديدة إلى المؤسسة العسكرية تعكس تحولات عميقة يعيشها المجتمع نفسه وتعيشها هي كمؤسسة من الداخل، بعد انفتاحها على التحولات الإيجابية التي عاشها المجتمع الجزائري الذي كانت نتيجته إنتاج مؤسسة عسكرية وطنية الانتشار وشعبية المحتوى، ليس على مستوى قاعدة الجيش من جنود وصف ضباط، بل ضباط وضباط سامون كذلك. عكس ما هو حاصل في بعض الجيوش العربية التي أعادت إنتاج طبقية المجتمع داخل المؤسسة العسكرية. كما أعادت إنتاج الجهوية والطائفية بكل عيوبها التي انفجرت في وضح النهار عند خروج هذه الجيوش من ثكناتها لتقتيل المواطنين ودكهم بالبراميل، أثناء الأزمات السياسية والحروب الأهلية التي عاشتها المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، إذا اكتفينا بالمقارنة مع الحالة العربية ولم نعمم إلى بعض الحالات الأفريقية التي قد تشبه بعض الحالات العربية.
الجيش الجزائري الذي استفاد كثيرا من انفتاحه على التحولات الإيجابية التي عرفها المجتمع والتي كان على رأسها انتشار التعليم بما فيه التعليم العالي فقد استفادت المؤسسة العسكرية أكثر من الحزب السياسي من انتشار التعليم والتأهيل التقني، تماما كما كان الحال مع المؤسسة الأمنية ككل.
نظرة أفراد الجيش تحولت هي الأخرى، مع الوقت إلى المجتمع الكلي والشعب، كما يفضل ان ينادي به العسكري كل من هو غير عسكري. فقد اختفت نظرة الريبة التي ينظر بها إلى ما كان يسميه “المدني-السيفيل” بعد أن تقلصت نسبة العسكريين المحترفين وزادت نسبة شباب الخدمة المدنية وارتفع التعليم وتأنثت صفوف الجيش. تحول حصل بالتدريج مع توجه الأجيال الكبيرة من العسكريين المحترفين إلى التقاعد. فئات كبيرة في السن لم يعد لها حضور ديموغرافي مهم لا في قاعدة الجيش ولا في هرمه القيادي الأعلى، إذا استثنيا بعض الوجوه القليلة التي لم يتم تطبيق قانون التقاعد عليها كحالات استثنائية، ستغادر مواقعها بالضرورة عن قريب لأسباب بيولوجية.
نحن إذن أمام تحولات عميقة من الداخل، تمس المؤسسة العسكرية في علاقتها بمحيطها المجتمعي ورؤية المواطنين لها، فهل هذه المعطيات كافية لتفسير مواقف الجيش من الأزمة السياسية الحالية وهل يمكن أن تفيدنا هذه الاتجاهات الثقيلة في استشراف ما قد يحصل من تطورات على مستوى موقف قيادة الجيش بمناسبة هذا الحراك الشعبي الذي حول المواطنين إلى لاعب سياسي جماعي مركزي بعد طول غياب لا يزال يصر أمامها الجيش على احترام رؤية نصية وقانونية في التعامل معها، رؤية كانت حاضرة لديه كعقيدة على الدوام في التعامل مع المستجدات السياسية والأزمات التي يتسبب فيها التسيير السياسي.
فقد رفض الجيش ان يحكم مباشرة في 1992 عندما ألغي الدور الثاني من الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مفضلا تكوين مجلس أعلى للدولة لتسيير هذه المرحلة الانتقالية بالاعتماد على تفعيل المواد المتعلق بالمجلس الأعلى للأمن ليحكم هو من وراء الستار كما جرت العادة عنده، بعد اختياره لمدنيين كواجهة.
تشبث بالنصية الدستورية تحول بمناسبة الحراك الشعبي الذي تعيشه الجزائر حاليا إلى مأزق سياسي فعلي يمكن ان يؤثر سلبا على علاقات الجزائريين بالجيش إذا لم يتم الوصول إلى فرز حلول سريعة، بعد رفض المواطنين الجزائريين لكل الحلول السياسية التي اقترحتها قيادة الجيش حتى الآن. فقد رفض المواطنون بعد عاشر مسيرة على التوالي، الرئيس المقترح بن صالح ورئيس الوزراء نورالدين بدوي وما سمي بندوة التشاور والانتخابات الرئاسية وغيرها من اقتراحات قيادة الجيش الذي يبدو عليه تثاقل كبير في اتخاذ القرار ليس في صالح المؤسسة ولا لصالح البلد يعيش حالة استثنائية حلها لن يكون عن طريق مواد دستورية وضعت أصلا لتسيير حالة عادية.
تثاقل في صناعة القرار داخل قيادة الجيش قد يكون مرتبطا بضعف كاريزما من هم على رأس القيادة حاليا مقارنة بما كان موجودا في 1992 وبصعوبات في صناعة القرار داخل هذه المؤسسة التي ما زال يكتنفها الكثير من الغموض ولا يُعرف عنها وعلى رجالها إلا القليل جدا بما لا يساعد على استشراف القرارات والتوجهات.
قيادة الأركان التي كانت قد اختفت تماما بعد انقلاب قائدها العقيد طاهر زبيري في 1967 ضد وزير دفاعه هواري بومدين الذي سيطر كرئيس على المؤسسة العسكرية بالتعويل على المخابرات لتسيير البلد والمؤسسة العسكرية، لتعود هذه المؤسسة العسكرية التي نافستها مراكز قرار بيروقراطي كالأمانة العامة لوزارة الدفاع، بقوة في بداية التسعينيات عندما تولى قياداتها الفريق محمد العماري الذي اقيل من منصبه بمناسبة أزمة انتخابات 2004 الرئاسية. محمد العماري الذي سطع نجمه كأحد صقور الجيش أثناء فترة الحرب الأهلية، لم يتمكن رغم ذلك من الصمود في موقعه الذي اُقيل منه لصالح القائد الحالي لقيادة الأركان قايد صالح، من قبل الرئيس بوتفليقة الذي أقال لاحقا مدير المخابرات القوي محمد مدين 2015 في قرار غير مسبوق من قبل رئيس مدني عبر من خلاله الرئيس بوتفليقة على ثقة في النفس وقدرة على المناورة السياسية.
اقالات وتعيينات ما زالت آثارها قائمة لحد الساعة ونحن نستمع إلى خطاب قائد الأركان الحالي الذي اعتبرها في أكثر من خطاب محطة سياسية مهمة ما زالت تلقي بضلالها على المشهد السياسي الحالي، تعلق الأمر بالحراك الشعبي أو بتلك الحلول المقترحة للخروج من الأزمة السياسية الخانقة التي يعيشها النظام السياسي أو حتى بالفساد المستشري والحملة ضده التي تعيشها الجزائر بمناسبة الحراك.
حراك شعبي تحول إلى الفاعل السياسي الجماعي رقم واحد، عكس ما كان سائدا طول فترة ما بعد الاستقلال. لا يمكن لأي مؤسسة أو فرد أن يواجهه بدون تبعات سياسية كبيرة جدا قد تقضي نهائيا على تلك الصورة التي يحملها المواطن الجزائري إلى دولته الوطنية ومؤسساتها المركزية كمؤسسة الجيش ذاتها، لنكون بذلك أمام تاريخ سياسي لما بعد الحراك الشعبي وما قبل، يتم التأريخ به جزائريا.
حراك يمثل لحظة أخلاقية وسياسية جماعية من مصلحتنا كجزائريين أن نبني عليها مؤسسات نظامنا السياسي الجديد الذي نبتغيه لنا ولأبنائنا وليس التسويف أو الالتفاف على مطالبه.