■ رغم التطور الرهيب الذي طرأ على الفضاء الإخباري العربي في العقدين الأخيرين، وزيادة عدد المحطات الإخبارية المتخصصة باطراد مستمر، إلا أن بناء النشرة الإخبارية الفضائية لم يكتمل نموه بعد، فأهم ما ينقص نشرات الأخبار التلفزيونية اليوم هو التعليق الإخباري.
من المعروف أن أشكال الكتابة الصحافية التي نشاهدها اليوم في نشرات الأخبار التلفزيونية مقتبسة من الصحافة المكتوبة. ولهذا ما يزال يطلق عليها أكاديمياً اسم «أشكال الكتابة الصحافية» وليس أشكال الكتابة التلفزيونية، إذ أننا نرى الخبر البسيط والتقرير الإخباري والبورتريه والريبورتاج والمقابلة الصحافية في النشرات الأخبارية التلفزيونية، كما رأيناها في الصحيفة من قبل. أما شكل الكتابة الصحافية الذي ما يزال غائباً عن نشرات الأخبار التلفزيونية العربية إلى اليوم، فهو التعليق الإخباري. وقد يتصور بعضهم أن التعليق الإخباري لا مكان له في نشرات الأخبار التلفزيونية، لأنه يحمل رأياً صريحاً وموقفاً واضحاً من قضية ما، في حين من المفترض أن تكون نشرة الأخبار التلفزيونية «موضوعية» خالية من الآراء والمواقف والأحكام. فما الحاجة إلى التعليق الإخباري في نشرة الأخبار التلفزيونية؟
إن الحاجة اليوم إلى إدراج التعليق الإخباري في نشرة الأخبار التلفزيونية لا يقل أهمية عن الحاجة إلى إدراح إي صنف من أصناف الكتابة الصحافية الأخرى. فأشكال الكتابة الصحافية جاءت لتعبر عما يريد الصحافيون التعبير عنه بأشكال كتابية متنوعة. فلا يمكن للصحافيين التعبير عن كل ما يريدون التعبير عنه بأسلوب كتابة واحد. فعندما يريدون نشر خبر بسيط، ينشرونه من دون تفاصيل وخلفيات عن الحدث، وإن كان الخبر مهماً زادوا عليه معلومات تفصيلية وخلفيات تاريخية فيصبح تقريراً إخبارياً. وإن أرادوا زيادة في وصفه حولوه إلى ريبورتاج، وإن كان الخبر يدور حول شخصية مهمة حولوه إلى بورتريه وهكذا. والتعليق الإخباري جاء ليعبر عن وجهة نظر الصحيفة أو وجهة نظر كاتب صحافي ما عن حدث معين. فلا الصحيفة تدفع القارئ إلى تبني رأيها ولا الكاتب الصحافي، بل تشير الصحيفة بوضوح الى أن هذا تعليق إخباري خاص بها، كما أنها تبرز اسم الكاتب الصحافي الذي يرغب بالتعبير عن رأيه، وتضع تعليقه في صفحة الرأي فيها. فما العيب من إدراج التعليق الإخباري في نشرة الأخبار التلفزيونية إن عُومل المعاملة ذاتها؟
إن الحاجة إلى التعليق الإخباري واضحة عند متابعة ودراسة اللغة الإعلامية المستخدمة في التقارير الإخبارية، إذ أنها في معظمها لم تعد لغة تقريرية إخبارية خالصة كما يجب عليها أن تكون، بل أضحت لغة سردية ـ إنشائية، رأي الكاتب فيها واضح، وهي لغة مليئة بالمحسنات اللغوية التي غالباً ما تحمل أكثر من معنى ولا يفهمها المشاهد بسهولة ويسر، فإن أراد العاملون في نشرات الأخبار الفضائية إبراز رأي معين عن حدث مهم، ما عليهم إلا الكف عن «تخريب» التقرير الإخباري بإدخال اللغة السردية ـ الإنشائية عليه، وتكليف أحد الكتاب بإعداد تعليق إخباري عنه ومن ثم بثه مسجلاً في نشرة الأخبار، مع التأكيد على أنه تعليق إخباري خاص بكاتبه. ومن المستحسن الإشارة إلى ذلك عبر عرض عبارة على الشاشة قبل بث التعليق مكتوب فيها «تعليق إخباري: التعليق يعبر عن رأي المعلق فقط»، أو أي عبارة مشابهة، تتنصل فيها المحطة من رأي الكاتب. وبعد انتهاء المعلق من قراءة تعليقه، الذي يتعين أن لا تتجاوز مدته الدقيقة ونصف الدقيقة، يعلق المذيع بقوله: «كان هذا تعليق الكاتب فلان الفلاني من صحيفة كذا عن الموضوع العلاني» على سبيل المثال.
إن إدراج التعليق الإخباري في نشرة الأخبار التلفزيونية بهذه الصورة سيخدمها من عدة أوجه:
أولاً: ستجد المحطة في التعليق الإخباري متسعاً لها لتعبر به عن رأيها بالأحداث بصورة غير مباشرة، وعن رأي المعلق بصورة مباشرة من دون الإساءة إلى حياديتها وصدقيتها أمام المشاهد.
ثانيا: التعبير عن الرأي والمواقف والأحكام بصراحة سيميز باقي أشكال الكتابة الصحافية الموضوعية الأخرى مثل التقرير الإخباري ويبرز حياديتها بوضوح، عملاً بالقول «باتضادها تُعرف الأشياء».
ثالثاً: ستكف المحطة (أو يتعين عليها أن تكف) عن استخدام الأسلوب السردي ـ الإنشائي في تقاريرها لتوفر فسحة لها في التعليق الإخباري من دون الإضرار بحياديتها.
رابعاً: يسمح التعليق الإخباري لمعلقين مختلفين يمثلون جهات مختلفة ولهم مواقف وآراء مختلفة بالتعبير عن آرائهم في الأحداث المهمة. كما أن تعدد المعلقين ومواقفهم يرفع بلا شك من مستوى جودة نشرة الأخبار.
خامساً: تنوع الأشخاص المعلقين على الأحداث المهمة يُظهر المحطة التلفزيونية بمظهر المحايد والحريص على إعطاء المجال للجميع للتعبير عن آرائهم بصورة حضارية.
سادساً: إدراج التعليق الإخباري يزيد من تنوع أشكال الكتابة الصحافية في نشرة الأخبار، فيرفع بذلك من جودتها، إذ ان التنوع في أشكال الكتابة الصحافية يعد بعداً أساسياً من أبعاد الجودة في وسال الإعلام.
إن التطور في الفضاء الإخباري العربي يقضي إدراج التعليق الإخباري في نشرة الأخبار الفضائية، إذ به سيخطو ـ بلا شك ـ الإعلام الإخباري خطوة إلى الأمام نحو الكمال، فهل سنشاهد التعليق الإخباري قريباً في نشرات الأخبار الفضائية؟
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز شاهين