التغطية الإعلامية لحراك الشارع الجزائري بين إرث التراكمات وضغوط السلطة وحساب المصالح

محمد بن زيان
حجم الخط
1

الحراك الذي تشهده الجزائر منذ الشهر الماضي، لم يكن مرتبطا فقط برفض العهدة الخامسة، بل حمل توجها يستهدف المنظومة بكل مكوناتها وتمظهراتها وتجسداتها، وهو ما حملته الشعارات المردّدة ومنها التي اختزلت ما يمكن قوله عن الصحافة هو صرخة: أين الصحافة؟ التي رددتها المسيرات احتجاجا على التعتيم والحجب.

كما أن الحراك تجاوز ما كان يتوقعه المتابعون، ولم يكن أغلب من تحدثوا عن غضب الشارع المتنامي، يتوقع حراكا بهذا الحجم وبهذا التنظيم. وواجه الإعلام تحديا في التعاطي مع حراك وظّف الإعلام البديل المتجاوز لرتابة المتابعة، والمخترق للحجب المتعمد من طرف مؤسسات إعلامية عمومية وخاصة مرتبطة بدوائر داخل منظومة الحكم وما يتصل بها من قوى مالية أو ما يعبّر عنها بالأوليغارشية التي تنامى نفوذها في الزمن البوتفليقي.

ولا يمكن الحديث عن كيفية التعاطي الإعلامي مع الحدث، بدون استيعاب واقع الممارسة الإعلامية في ظل احتكار السلطة للإعلان الموظف لإخضاع الصحافة، وفي خضم الأحداث وبسبب تغطية عادية وظفت السلطة مجدّدا ورقة الإعلان المحتكر لعقاب من خرجوا عن الخط وغطوا الحراك، وهو ما جرى مع مجموعة “الشروق” رغم موالاة صاحبها، وجريدة “البلاد” التي تحسب على التيار الإخواني.

كما أن الجزائر عرفت عقب الانفتاح الذي تلا أحداث تشرين الأول/أكتوبر 1988 إرهاصات تشكل تجربة إعلامية واعدة، لكن التحول التراجيدي الذي ميّز تسعينيات القرن الماضي أثر تأثيرات عميقة. فإضافة إلى عشرات الصحافيين الذين تعرضوا لمسلسل الاغتيالات وواجهت المهنة تحديات، ونتيجة هشاشة النخب الثقافية والسياسية وضعف أطر التواصل بين الشعب والسلطة، تحولت الصحف إلى مؤد لكل تلك الأدوار، ولذلك ما يسوّغ ويبرر بالنظر لتلك الفترة، لكن أثره على المهنة تواصل ليضاف إلى وقوع المجموعات الإعلامية في قبضة أطراف لها حساباتها وارتباطاتها. ذلك ما جعل الإعلام في قبضة عبيد المنزل بتعبير مالكوم إكس، والإعلام الخاص والمزعوم عمومي في الغرق معا. العمومي يتمادى في اقتراف الخيانة العمومية أما الخاص فرهينة من خانوا رسالة شهداء المهنة ومن اغتالوا الحلم الذي تشكل عقب تشرين الأول/أكتوبر 1988.

قبل تشرين الأول/أكتوبر المذكور وخلاله وبعده حراك الصحافيين المتمرد على تنظيم المادة 120 وحراك الأطباء والمحامين هو الذي صاغ ديناميكية قوّضها أحفاد القراصنة.

جدلية العبد والسيد التي طرحها هيغل والتي عبر عنها شعريا المتنبي في هجاء كافور وعبيد المنزل الذين تحدث عنهم مالكوم إكس كل ذلك حاضر في شبكات من يهيمنون على المنظومات الإعلامية والثقافية والجامعية لهذا تتكثف الكارثة ولهذا يحس الشعب بالعزلة واليتم في الإعلام العمومي خصوصا، لأنه ممول من المال العمومي ولأنه ملكية عمومية تتحقق الخيانة العمومية بدل الخدمة العمومية. والإعلام العمومي كما ذكر الوزير الأسبق للإعلام عبد العزيز رحابي من المفروض أن يكون المحرك لكل المنظومة الإعلامية، لكنه مغلق ومنغلق، وهو ما أكده تعاطيه مع الحراك في بدايته بتوظيف عبارات يشار إليها بـ”خطاب الخشب” مستنسخة من قاموس ساسة النظام، عبارات مشحونة بما يعبّر عنه رحابي بالقراءة الأنثروبولوجية الاستعمارية ويقصد النظر إلى الشعب كقاصر وغير مؤهل للتحرك احتجاجا على الوضع.

 صحيفة عمومية في عددها الصادر في اليوم التالي لمسيرة 22 شباط/فبراير كان موضوع صفحتها الأولى عن أجبان الكابا، وعمود عددها بعنوان “الجزائر رائدة”.

أما الصحف الخاصة فتباينت معالجاتها تبعا لارتباطات بعضها، وأيضا لتدفق الشارع بما صدم وأربك. ولعل ما أفرزه الحدث مجدّدا، هو التحدي الذي يواجه الصحافة راهنا في رصد الخبر نظرا لمرونة تدفق الأحداث والصور في وسائط التواصل الاجتماعي والتحدي لا يتعلق بنقل أخبار يعلمها من في الشارع، بل في القدرة على تحليل وقراءة المؤشرات والاستشراف وهو ما تنبهت له صحف اعتمدت على محاورة مختصين ومتابعين.

ولعل الثمرة التي أفرزها الحراك هي الهزة التي عرفها الوسط الإعلامي، وتحرك المنتمين لبعض المؤسسات العمومية رفضا للقيود المفروضة. وكانت المفاجأة في البداية لما ورد في برقية لوكالة الأنباء الجزائرية عن رفض العهدة الخامسة، وهو ما لم يحضر في ما كتبته الصحف عقب مسيرة 22 شباط/فبراير وكان ذلك مفاجئا لأن الوكالة تعتبر جهازا رسميا فائق التحفظ.

وبتأثير الحراك عبّر صحافيو الإذاعة والتلفزيون عن غضبهم من حصرهم في موقع الدعاية للنظام بدل تقديم الخدمة الإعلامية العمومية. وبعد وقفات وجه عمال مؤسستي الإذاعة والتلفزيون العموميتين 7 اذار/مارس الجاري رسالة إلى مديري المؤسستين، ومما ورد فيها: “نعتقد أن للجزائريين كامل الحق في الوصول إلى المعلومة الصحيحة والتغطية الوطنية للأحداث دون تضليل أو تشويه للحقائق”. و”نرفض تماما أن يكون الصحافيون الذين يخاطبون المستمعين والمشاهدين مكرهين على خدمة جهة على حساب أخرى ضمن التغطية غير الموازية”. وسجلت استقالات من بينها استقالة نادية منداسي مذيعة أخبار “كنال ألجيري” باللغة الفرنسية.

ومع المد الذي صدم وتجاوز التوقعات، تمت محاولات الاحتواء والالتفاف والحديث في بعض المنابر الإعلامية بصيغ فضفاضة هي نفسها المستعملة من طرف عناصر النظام، فالصحف العمومية وبعض الخاصة تحدثت عن مطالب التغيير والإصلاح مع حجب المطلب الحقيقي المتعلق برفض الولاية الخامسة. وبعض الصحف الرافضة للعهدة، أثارت معارك جانبية مرتبطة بتصفية حسابات خاصة أو خدمة أجندات محاور وعصب هي من صلب النظام نفسه. وبعض المنابر اعتمدت الانتقائية في التعاطي والتغطية والقراءة والتحليل، وهو ما سجله الكاتب أحمد شنيقي ـ وهو إعلامي مخضرم ـ عن الانتقائية التي تعتمدها بعض الصحف المصنفة كبرى في رصد المواقف والآراء، وقصد بذلك جريدة تصدر بالفرنسية نشرت موضوعا عن تصريحات بعض الكتاب في الصحف الفرنسية عن الأحداث، مع حجب مواقف آخرين، ورفض نشر ما يخالف توجهها.

وانتقد الإعلامي علي جري الرقابة التي تعرض لها حديثه لقناة “الحياة” وهي جزء من مؤسسة تصدر جريدة وتتبنى موقفا يدعو للاحتكام للصندوق ـ رغم تهافت مخرجات ذلك في الحالة الجزائرية والتيقن بأن المسار الانتخابي مجرد عملية إجرائية بنتائج محضرة مسبقا. وكتب في صفحته: “لقد مسني المقص عندما تكلمت عن الجيش من منطلق تعيينه للرؤساء منذ الاستقلال إلى غاية تعيين بوتفليقة” وأضاف: “أندد بهذا التصرف اللامهني الذي يضرب في العمق حرية التعبير والصحافة”.

وغابت التغطية الإعلامية للقنوات الجزائرية الخاصة بشكل لافت وإن حاولت التدارك في بعض الأحيان، لكن الاحتجاجات حضرت في المتابعات الصحافية الدولية والعربية رغم غلق السلطة للمجال أمام منح اعتمادات للراغبين في التغطية والمتابعة.

وتفاوتت المعالجة تبعا لارتباطات المؤسسات الصحافية وتوجهاتها، والملاحظات الأولية التي رصدت، تتمثل في الآتي:

استمرت محورية الصحافة الأجنبية في معالجة وتغطية الحدث الوطني، وارتبط الأمر بتفضيل النظام للصحافي الأجنبي ومنحه السبق في كل ما يتصل بالشأن الجزائري. وكانت المنابر الأجنبية هي المصدر للوطنية. وفي الحراك الحالي، كان العنوان الافتتاحي لجريدة وطنية تعتبر من الكبار، موضوعا لجريدة “لوفيغارو” الفرنسية. كما أن الصحافة الأجنبية هي التي انتقلت للمستشفى السويسري الذي يعالج فيه الرئيس.

والأمر يشمل كل ما يتعلق بالشأن الجزائري فملفات سوناطراك أثارتها الصحافة الإيطالية ..الخ.

وحملت بعض المتابعات والتعليقات مواقف مرتبطة باتجاهات ومحاور الصراع في المحيط الإقليمي. فبعض المحسوبين على محور ما يسمى بالممانعة تبنوا الدفاع عن بوتفليقة ووجهوا رسائل للشعب بغية تجنب المنزلقات وقارب آخرون الوضع بمعطيات خاطئة ونمطية.

 وبدت التغطية محتشمة ثم مع استمرار الحراك، بدأت تتكثف، وهناك متابعات يومية في بعض المواقع والقنوات التي لها اهتمام بالشأن المغاربي.

وتبقى الصحافة الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي هي الأساس في ظل غياب استراتيجية وحس اتصاليين عند النظام في الجزائر، وفي ظل وضع المنظومة الإعلامية الوطنية الهش.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية