الجزائر: التعاطي الإعلامي مع الحملة الانتخابية مرتبك

محمد بن زيان
حجم الخط
0

حملة انتخابية تلتبس بأجواء سرديات العبث، ومعالجة إعلامية مرتبكة لحدث بلا إحداثيات.

حملة صورية لمترشحين واجهتهم صيحات الرفض فأقاموا تجمعات محاطة بحراسة مشددة ورافقت كل تجمع حملة اعتقالات وتعرض بعض صحافيين في وهران إلى المنع من تغطية تجمع عز الدين ميهوبي، كما تم توقيف آخرين أثناء تجمع عبد العزيز بلعيد. وغابت صور المترشحين عن الأماكن المخصصة لها. والحملة ينشطها خمسة كلهم من المنظومة نفسها ويصدرون خطابا متماثلا، وبالتالي هم نسخ مكررة لا تتيح بلورة مواجهة بدائل ولا تنشيط نقاش يبدع ديناميكية سياسية وإعلامية.

وهذه الوضعية انعكست على المعالجة الإعلامية التي أدركها الارتباك فتعاطت مع الحدث بدون إحداثيات. والمعالجة مرتبطة بالسياق العام.

الدكتور بومدين بوزيد، الذي أصدر كتابا عن الحراك، كتب في تعليق على صفحته في فيسبوك: “مُنذ إعلان موعد انتخابات 12/12 تَشهد شَوارعنا وإعلامنا وما يسمّى بـ”الطّبقة السّياسيّة” وأيضاً الحَملة الانتخابية استفتاء ثُنائياً-شِقاقياً بين المؤيّدين للانتخابات والرّافضين لها، فهي لكِلا الطّرفين لحظة انتصار أو هزيمة، ولم تكن “المقاطَعة” يوماً ذات تأثير سياسي في تاريخ الدّول العربية لأن نتائج الانتخابات مَحسومة سَلفاً، لكنّها في الجزائر اليوم وفي ظِلّ الحراك الشّعبي الذي أصبح “حَراكين” تُعتبر “لا للانتخابات” القصد منها منع مكسب شَرعيّة يبحث عنها النّظام أمام هَشاشة بعض مؤسّسّاته واستمرار “أصْحاب الجُمَع” في احتلال الشّارع والفضاء العامّ لأشهر قادمة وهي معارضة شعبيّة غير حزبيّة مُقلقة مهما كان حجْمها ومَسارها؟

تُرى هل هذا الاستفتاء الذي يُجيد صِناعة مُعجمٍ يتمدّد فيه كلّ صفات الخيانة والتخوين والتشكيك يحمل معنى السّياسة كتفاوض وفُرصٍ وحريّات وانتصار على الخوف من المجهول؟”.

وما ذكره الباحث بوزيد ينطبق على تعاطي المنابر الإعلامية التي لا تستوعب الاختلاف وتسوق للطرح الأحادي حتى وهي ترفع شعار مواجهة الأحادية. فهناك منابر لا تحتضن سوى آراء المؤيدين للمسار الانتخابي وهناك من تحتضن المعارضين وهناك من تحاول الرقص على الحبلين بخطاب مزدوج كخطابات بعض المترشحين التي تنوه بالحراك وتتهمه أيضا بأنه محرك من أعداء البلد.

وحتى بعض الكتاب والأكاديميين يسوقون لطرح يذهب إلى أن الحراك مخترق ومحرك من محاور لا تريد الخير للبلد.

 والآلية الانتخابية في الجزائر كما كتب بومدين بوزيد: “منذ التّسعينات ليست آلية ديمقراطية ولكنّها سُلوك مُواجَهة الخَوف والخَطر سواء أكان داخليا أو خارجياً وهي حالة تجعلنا دوماً يَفلتُ منّا المستقبل ونعيش ماضياً، وحتى واقعنا فهو يمضي “نحو الماضي” لأن الماضي هو دوماً المتحكّم فينا، والنوفمبرية أو الباديسية بَدل أن تُصبح نوراً أمامنا وتحريراً جديداً ومثالاً على التّغيير والاجتهاد تصبح انكفاءً وحمايةً وشرعيّةً في صراع يَخسر فيه الجميع “المستقبل” والتحوّل نحو الأفضل، كما هي أيضاً “خِطاب المظلومية” انتقامٌ تاريخي تمنع بعض أطياف المعارضة من التحرّر والرؤية إلى المستقبل”.

آلية يصاحبها خطاب يفصح عن ارتباك وتخبط، إفصاحا حملته تصريحات وزير الداخلية الذي اتهم من في الحراك بالخيانة ووصفهم بالمثلية.

وتلك الآلية يتم تفعيلها عبر منابر إعلامية، يعيد بعضها اجترار إنشاء نمطي وقصور مزمن في استيعاب المتغيرات وتمثل الحراك.

ويمكن أن نرصد إجمالا مواقف ثلاثة في المعالجة الإعلامية للحملة الانتخابية:

ـ موقف متبني للخيار الانتخابي بآلياته الحالية ومنتقد للرافضين.

ـ موقف مرتبك ومتخبط يحاول تحقيق رضا كل الاتجاهات.

ـ موقف حاسم في رفضه ومتوافق مع الحراك.

ومن الإنصاف أن لا ننتظر معالجة إعلامية نوعية لحملة مفتقدة للحرارة ولخطابات انتخابية نمطية، ولغياب تمثيل المترشحين لمختلف الاتجاهات، وانتماء الخمسة للنظام. ولقد اعتمدت بعض الصحف على تحيين تقليد ترّسخ في صحف جزائرية وهو منتدى يجمع المترشح مع الصحافيين والمهتمين.

وتنشر بعض المنابر خصوصا الصادرة بالفرنسية تحاليل وآراء بعض الأكاديميين والمثقفين.

وتنوعت رهانات الصحف المؤيدة والمتبنية للخيار الانتخابي، فصار لكل مترشح منابر تدعمه، ودخلت بعضها في خصام مع مترشح.

معالجة الصحف والقنوات المختلفة للحملة الانتخابية الحالية تتم في أجواء مشحونة بغضب الشارع المشهر في مواجهة المؤسسات الإعلامية التي غابت وبعضها تموقع ضد الحراك. وفي مواجهة ذلك كانت مواقع التواصل الاجتماعي وتسجيلات الهواتف الذكية سلاح شارع أبدع إعلامه البديل والمضاد وتنظم في بعض المدن معارض لصور الحراك.

ومن الهتافات التي تترد في مسيرات الحراك المستمر منذ 22 شباط/فبراير هتاف التنديد بالصحافة التي لم تكن في غالبية مكوناتها في مستوى الحدث. ولذلك حيثياته المرتبطة بما تراكم من إضعاف للإعلام وفرض هيمنة مؤثرة على الخط الافتتاحي، هيمنة تتجسد خصوصا في الإشهار المحتكر والموزع حسب الولاءات والارتباطات الزبائنية. عناوين تعرضت للتوقيف في سنة 2014 بسبب معارضتها للعهدة الرابعة. وخلال شهور الحراك تعرض بعض الصحافيين إلى ضغوط من إدارات مؤسساتهم لفرض حصار على ما يشهده الشارع، وباستثناء عناوين قليلة، فإن الغالبية لا تواكب الحدث ومنها من يشن حملات تشويه. ومن غرائب المشهد أن القنوات المتناسلة لا تعتبر جزائرية قانونا، فهي تشتغل بتراخيص كقنوات أجنبية، ولم تتبلور معالم تنظيم الصحافة الإلكترونية، ويستمر احتكار الإشهار في خنق الصحف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية