إنّ الثقافة العربية بكل ما لها من تاريخ نهضوي وامتداد تنويري تنطوي على مفارقة الانشطار بين مركز وهامش، وهي مفارقة ليست وليدة اليوم؛ بل هي نتاج فعل نهضوي بدأت ممارسته منذ مطلع القرن الماضي ثم سرعان ما تحول إلى منظومة ثقافية رسمية عامة كابحة وبطريركية. هذا إلى جانب أنها تجسدت قبل ذلك كله كسلطة متخيلة تفرض تأثيرها وتمارس صلاحياتها لا على الوعي الفكري المتجسد حسب؛ بل على المخيال أيضا. ونعني بالسلطة المتخيلة القوة الثقافية التي تتحكم في الأفراد والجماعات بصورة لا واعية لكنها فاعلة، وتغور جينالوجيا في العقل الباطن الجمعي كأنماط سيكولوجية بالمفهوم اليونغي ونماذج تعسفية بالمفهوم البورديوي. وهو ما يوطد هيمنتها على المجموع على اختلاف مكوناته وانتماءاته وكياناته وطوائفه وتحزباته.
والسمة الدالة والمرئية على وجود هذه السلطة هي النزعة البطريركية التي كلما كان المجتمع عميق التجذر في التاريخ وله امتداد جغرافي واسع، كان الامتثال للبطريركية أكثر فاعلية وكان الانجذاب للمركزية أكثر قوة ورمزية. بمعنى أن العلاقة بين السلطة المتخيلة والنزوع البطريركي هي علاقة استقرار وتلازم قوي، محصلتها الثبات والاستحواذ بفحولية التفوق وذكورية الاستعلاء اللتين بهما يتوسل إلى فرض التقليد والسير على المنوال خشية التغيير واجتنابا لمفاجآته.
ومهما كان تاريخ المجتمع وأين كانت جغرافيته؛ فإن عدد المثقفين وغير المثقفين الخاضعين لهذه السلطة وذاك النزوع عادة ما يكون أقل بكثير من اللاخاضعين. ومع ذلك تكون القلة هي صاحبة القوة بسبب ما يمنحها المركز من هيبة وفاعلية، هي صورة واقعية للسلطة المتخيلة.
وانطلاقا من فاعلية هذه السلطة التي تكتسب أهميتها من عاملية الجذب للعناصر المثقفة وغير المثقفة تتوكد لنا التراتبية المجتمعية التي فيها المركز هو قمة الهرم، والهامش قاعدته. وخطورة هذه التراتبية لا تقتصر على الثقافة حسب؛ بل تشمل كل ميادين المجتمع الذي غالبا ما يرتهن تطوره ويتوقف مصيره على مثقفي المركز الذين يتحدد دورهم في المحافظة على رسوخ المركز ثباتاً على ما هو قائم. يكون التغيير مرهوناً بمثقفي الهامش الذين إذا اتحدوا وتحركوا كانوا قادرين على خلخلة القاعدة التي معها يتخلخل المركز، وتتضعضع نمطية بطريركيته فتتحرك سواكن العقل ويتغير الوعي ويسير المجتمع سيراً لا تتحكم فيه الأقلية بالأغلبية، بل العكس ستكون الأغلبية هي الموجهة لدفة المجتمع والمتحكمة بسياسة الأقلية، متحملة عبء التغيير بكل صعوباته ووزر ويلاته. وهذا نادر الحصول في التاريخ إذ قد لا تستوعب الأغلبية التي أصبحت هي أداة التغيير أهمية دورها، فتفقد زمام المبادرة وتضيع من يديها فرصة التغيير كما حصل في ثورات الربيع العربي.
وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الاحتمال بالتغيير الثقافي انطلاقا من الهامش سيبقى قويا كلما بالغت البطريركية في إهمال الهامش قاصدة الإبقاء على حركة المجتمع التاريخية ثابتة في مكانها لتفعل النماذج الثقافية فعلها الراسخ في الحياة.
ومن أمثلة التغيير المنطلق من الهامش ما مرّ به الواقع العربي من ثورات قادتها الجماهير العربية من أجل التحرير والاستقلال خلال القرن الماضي، وعلى أثرها شهدت الحياة العربية تغييرات جذرية على مستوى السياسة والدفاع والتعليم والصحة والمرأة وغيرها، بدءاً من مرحلة النهضة التي جاءت في مرحلة انتقالية من حكم إلى حكم مما جعل المثقفين قريبين من مركز الفكر والسياسة، فاستطاعوا أن يلعبوا دورا أكثر فعالية في المجتمع من الدور الذي يلعبه المثقفون اليوم، إلى ما بعد نكسة حزيران التي فيها اندحر المركز والهامش معا ثم انزوى الهامش معزولا مع مرحلة التطبيع والعولمة في الربع الأخير من القرن العشرين، ثم عاد الهامش إلى الواجهة بثورات سميت بالربيع العربي، لكنَّ بُعدَ مثقفي الهامش عن قيادة تلك الثورات جعل المركز يلعب دوراً كبيراً في إفشالها.
وعلى الرغم من أن النمطية واللاتغيير تبعتان من تبعات السياسة الكولونيالية التي بسببها ترسخت الصورة البطريركية في بلداننا العربية؛ فإن مرحلتنا الحالية تقتضي من المثقف الإفادة من أدبيات ما بعد الكولونيالية من أجل تغيير مجالات الحياة كلها، من أنماط التفكير والممارسة إلى أساليب التداول الخطابي للغة وطرائق البناء، فتختفي تلك الصورة السلبية للمثقف الخانع والنرجسي النهَّاز للفرص والمتذبذب والفوضوي الذي يعلِّق على شماعة الواقع أخطاءه مبرراً انكساراته وإخفاقاته.
بيد أن المؤكد تماما أن ثقافة المركز البطريركية ستظل لها السيادة وهي تمارس دورها الاتباعي للسياسة الاستعمارية. وهذه التبعية هي دليل تباعد عن الحركة العالمية التي أخذت تتمرد بقوة على أي تجذر أبوي يريد مصادرة الآخر أو إلغاءه.
وما من سبيل أمام الفرد العربي لتجاوز الاتباعية والتخلص من سلطوية الوصاية، أو على الأقل زحزحة رسوخها، إلا بـ(الثقافة) بوصفها المادة الأولية التي منها تتشكل البنية المجتمعية أصلا، وعليها يتوقف نماء المجتمع وتطوره.
وبسبب هذه الأهمية التي تنطوي عليها الفاعلية الثقافية تغدو خطورتها على المركز ومنظومته البطريركية كبيرة، لذا تضع في طريق المثقفين المغريات التي بها تستقطبهم لصالحها مستحوذة على قدراتهم بينما تضع العراقيل أمام الرافضين منهم محاولة كبح لا نمطيتهم وردع دوافع التغيير داخلهم وبطرق شتى، منها تجاهل عطاءاتهم النوعية في مقابل الاهتمام بغيرهم ممن لا يملكون ما عند أولئك المثقفين من الوعي والمعرفية، أو بتغييب أدوارهم المجتمعية ومعاداة توجهاتهم اللاتقليدية، أو بتسويف مشاريعهم والتنصل عن دعمها. وقد يصل الأمر إلى درجة تسفيه جهود هؤلاء أما بتخوينهم أو بفرض العقوبات عليهم أو بالمطاردة والمقاضاة وربما التصفية.
وشتان ما بين فعل ثقافي لا نمطي، الغاية منه التغيير وفعل منمذج معتاد، الغاية منه الإبقاء على واقع الحال كما هو جموداً وتحجراً. ومن هنا يتوكد لنا أن ركود الواقع العربي ليس سببه العموم الشعبي الذي لا حول له ولا قوة؛ وإنما السبب منظومته المركزية وأمراضها المزمنة المتمثلة في التفرد والتسلط والاستحواذ.
ولا يغيب عن بالنا أن البطريركية المهيمنة على المجتمع بالعموم هي التي تغيِّب باستمرار أموميته التي هي عادة ما تتجسد في الفئات المحرومة والمقصية كالنساء والأطفال والعجزة وأصحاب العاهات وغيرهم، الذين يشكلون قاعدة جماهيرية غالبة وكبيرة.
وهذا يدل على أن الهامش يمتلك ما يمتلكه المركز من الأهلية لكن هذه الأهلية معطلة ومهملة، الأمر الذي يقتضي توفر عناصر مثقفة فاعلة تقدح في الهامش الشعلة التي بها تستثمر طاقاته ومواهبه. والانتليجنسيا هي وحدها المؤهلة لأن تحول وعيها إلى شرارة تقدح في الجماهير جذوة الاتقاد، فتقوم بفعلها الحقيقي في التغيير متقدمة إلى الأمام.
وبخلاف هذا التصور تكون نظرية “التغيير المدمر” هي المتحققة، كما ذهب إلى ذلك بعض المفكرين ومنهم هشام شرابي في دراسته “المجتمع العربي” ولا يعني التعبير عن البطريركية بأنها مستحدثة أنها صارت ترفض الرسوخ وتبحث عن اللانمطية؛ بل هي تظل بمثابة الأبوية النظامية المتجذرة رسوخاً ونمطية. وهو ما قامت عليه أطروحة شرابي في شرح التناقض في البنية المجتمعية العربية وهيكلية التراتب في العلاقات الحياتية الداخلية، بدءاً من أعلى هرم تمثله السلطة السياسة إلى أصغر وحدة تتشكل منها القاعدة، التي هي الأسرة.
كاتبة عراقية