التفاف جماهيري ورسمي واسع في قطر على حملة دعم اللغة العربية ومسؤول: “هي أمننا الثقافي”

سليمان حاج إبراهيم 
حجم الخط
2

الدوحة- “القدس العربي”: تتوسع دائرة الحملة الشعبية والرسمية في قطر دعماً للغة العربية، واعتبارهاً عنصراً حيوياً من أمن البلد القومي، والتأكيد على ضرورة ترسيخها في المجتمع القطري.

وكشف الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، وهو وزير دولة بدرجة نائب رئيس وزراء، في حديث مع “القدس العربي” أن الجميع مدرك لأهمية الحملة التي أطلقها في وقت سابق للدفاع عن اللغة العربية وصونها وتمكينها في قطر، وهي تلقى رواجاً واسعاً على كافة المستويات.

وشدد في مجلسه الذي حضره عدد من المثقفين والكتاب والإعلاميين والمسؤولين من دول إسلامية، أن الرهان حالياً هو أن تكون اللغة العربية “أمننا الثقافي”.

وحضر الجلسة النائب الأول لوزير الثقافة في جمهورية أذربيجان، والذي تزامنت زيارته مع احتفالات بلاده بمرور 880 سنة على ميلاد الشاعر الكبير نظامي كنجوي، وهو واحد من أبرز رموز النهضة في الشرق. وكشف الكواري وهو رئيس مكتبة قطر الوطنية أيضا، أن المسؤولين الأذريين اكتشفوا أن العديد من المخطوطات الأصلية والنادرة لشاعرهم الوطني تحتفظ مكتبة قطر الوطنية بنسخ منها.

وحول قضية اللغة العربية وتمكينها في قطر، يؤكد الدكتور الكواري الذي شغل من قبل منصب وزير الثقافة والفنون والتراث لسنوات، كما عمل سفيرا لدولة قطر لدى فرنسا والولايات المتحدة واليونسكو والأمم المتحدة، على ضرورة تكاتف الجميع من أجل الحملة.

واستطرد قائلاً: “كنتُ مبتهجاً حين علمت أنّ مجلس الشّورى جعل من اللغة العربيّة والمحافظة عليها من أولى بنوده، خصوصاً مع دعوته لحضور الجلسة الأولى والمشاركة فيها مع عبد العزيز بن عبد اللّه السبيعي وزير التربية الأسبق وأحد العارفين لهذه اللغة والمدركين لأهميتها والمسخّرين كلّ جهدهم للمحافظة عليها وتعزيز مكانتها”.

وكشف الكواري الذي قلده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، وشاح حمد بن خليفة، تقديرا لعطائه ودوره في خدمة البلاد، وعلى تمثيله المشرّف لدولة قطر في منابر الثقافة الدولية، كشف أن مجلس الشورى نظر  في تفعيل قانون (7) لعام 2019 والمتعلّق بحماية اللغة العربية في بداية دورته. وشدد أن هذا الوقت الذي خصصه مجلس الشورى القطري للغة العربية، جاء بالرغم من كثرة المهمات على جدول أعمال المجلس، ممّا يدل وبشكل قاطع على إدراكه لأهمية اللغة العربيّة كعامل رئيسي في المحافظة على “أمننا الثقافي”.

وتحدث الدكتور الكواري عن تفاصيل من رؤيته للموضوع والتي أبرزها في مقال نشر في صحيفة الشرق القطرية.

وتتضمن الرؤية بعض القضايا ذات العلاقة باللغة العربيّة في قطر والتي يرى أنها مهمة في هذه الآونة، ويعزّز ذلك تفاعل النخبة الثقافيّة مع توجّهات الدولة الرائدة في حماية اللغة العربية.

واعتبر أن اللغة العربية ليست شأناً خاصاً بالتشريعات، فهي في نظره قضيّة مجتمعيّة، تؤمن بها الدّولة مؤازرة بإرادة شعبيّة في السّعي لحمايتها، وهي ليست شأناً متحفيّاً يعود إلى زهْو بالماضي المجيد لأمّة ما وإنّما هي شأن وطني مرتبط بأمننا الثقافي.

وكشف الدكتور الكواري أن المجتمع الخليجي يمر بتحدٍّ كبيرٍ للمحافظة على انتمائه العربي، وشدد أنّ حجر الرّحى في المحافظة “على أمننا الثقافي” هو اللغة العربيّة.

واستطرد أن “الانفتاح الاقتصادي سمح باستقطاب العمالة من جنسيّات مختلفة، ورافقه انتشار للغات الأجنبيّة، وبقدر ما يعدُّ ذلك سمةً من سمات التنوع الثقافي، فإنّ هذه اللغات أضحت تنافس اللغة الأم، وفي كثيرٍ من الأحيان تتغلّب عليها، ونلاحظ هيمنة اللغة الإنجليزيّة في أكثر من مجال، وحتّى في مستوى التداول اليومي في الحياة العامّة، وهذا ما يعبّر عن مأزق حقيقي ينبغي الانتباه إليه، ووضع خطط لمواجهته”.

وأضاف الدكتور الكواري وهو مرشح قطر السابق لرئاسة منظمة اليونيسكو أنه: “علينا أنْ نعيَ بأنّ الهويّة اللغويّة جزء مهم من الهويّة الوطنيّة، فاللغة عامل مباشر في بناء الهويّة لأي مجتمع إنساني، لأنّ اللّغة ليست أداة للتعبير فحسب، ولا شأناً ظرفيّاً للتواصل مع الشّعوب، بلْ هيَ مسألة أمن قومي يساعد على الاستقرار النفسي والاجتماعي لكلّ أفراد الوطن الواحد.

وقال الكواري في مقاله المنشور في الصحيفة القطرية، “إنّ اللغة هي لسانُ الهويّة، لذلك فهي ليست شأناً فرديّاً، بل شأن وطني وقومي، وإنّنا نستدلّ على انتماء أيّ شخص من خلال تبيّن لغته، فتمييز الهويّات يسهل من خلال معرفة لغة المتكلّم”.

ويشدد “أنّ الصلة الجوهريّة بين اللغة والهويّة غير ذات اهتمام لشرائح اجتماعيّة واسعة في أيّامنا، عكس ما كان عليه الأمر في الزمن الاستعماري حيثُ كان الدفاع عن اللغة العربيّة جزءاً من مواجهة محاولات الاستعمار في طمس الهويّة، ونعتقد أنّ بناء النهضة والتنمية للمجتمعات العربيّة هو معركة جديدة لا يُمكن أن تُخاضَ بعيدًا عن القضيّة اللغويّة”. وأضاف قائلاً: “إنّ التحديات التي نواجهها في مجتمعنا بالذّات تجعلنا أمام تهديدات كثيرَة تُضاعف منْ مسؤوليّتنا في المحافظة على اللغة العربيّة واعتبارها صمّام أمان لتفكيرنا وزادنا المعرفي وتصوّراتنا المستقبليّة بشأن تقدّم مجتمعنا”.

ويعتبر أنه يجب أن “نضع في أذهاننا أنّ القضيّة اللغويّة مسألة استراتيجيّة لا تمسُّ قطاعاً دونَ آخر، وهي لا تقتصر في قطر عن مطلب التّداول في الدّوائر الرسميّة أو الإعلاميّة، وإنّما تشمل كلّ القطاعات، فهذه اللغة التي عمّرت حوالي سبعة عشر قرنًا وهي محتفظة بنظامها الصوتي والصرفي والنحوي، لن تكونَ مجرّد وسيلة تواصل، بلْ هي كيانٌ قائم الذّات لا تُعرّف الهويّة دونه، وإن أضاعه العرب فقد أضاعوا هويّتهم التي بها يتميّزون عن سائر الأمم”.

من أجل أفق جديد للغة العربية

وحول الخطوات العملية لصون اللغة العربية، يؤكد الدكتور الكواري “أنه في قطر نمتلك الإرادة السياسيّة الكافية والقوانين الملائمة لتكون وضعيّة اللغة العربيّة أفضل ممّا هي عليه”.

وقدم الكواري بعضاً من التوصيات “التي من شأنها تطوير مكانة اللغة العربية، حتى يكون تشخصينا ونقدنا مجدياً، مثل تفعيل القانون(7) لعام 2019 بتنفيذه وتحديد جهة تتابع هذا التنفيذ”. ويضيف أيضاً: “أن يكون الاهتمام باللغة العربيّة من أولويّات السّاسة، لأنّ القضيّة اللغويّة مسألة سياسيّة قبلَ أنْ تكون قضيّة ثقافيّة، ولا سبيلَ إلى النهوض باللُّغة العربيّة إلاّ بوضع سياسة لغويّة وخطط لتنفيذها من خلال البرامج، حيث تتعلّق السياسة اللّغويّة بدعم مكانة اللغة العربيّة من خلال سنّ القوانين ومن خلال إنشاء مؤسسات لحمايتها”.

ويشدد الدكتور الكواري على “إلزام المدارس الأجنبيّة بتخصيص حصص كافية لتدريس اللّغة العربيّة لطلابها، والسّعي إلى الإعلاء من شأن اللغة العربيّة في التداول اليومي وفي التعليم وتشجيع المبادرات الثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة والإعلاميّة والمشاركة في تمويلها من قبل الهيئات ذات الصّلة. كما يرى أنه من الجيد “تطوير الوعي اللغوي لدى الإعلاميين من خلال إصدار “الدليل اللغوي” وتكثيف برامج التدريب لتحقيق الكفاية اللغويّة، والتأكيد على دور الإعلام والمؤسسات الثقافيّة في أدائها وفي التوعية بأهمية اللغة العربيّة.

كما اعتبر أن مراكز الدراسات والجامعات تتحمل دوراً كبيراً في تسليط الأضواء على اللغة العربيّة وتساهم في اقتراح الوسائل لتعزيز مكانتها.

ويختتم وزير الدولة القطري وهو بدرجة نائب رئيس الوزراء أن “احترامنا للغة العربيّة يكسبنا احترام الآخرين لنا، وكلّما تشبّثنا بهذه اللّغة استطعنا المحافظة على هويّتنا التي لا تتعارض مع انفتاحنا على القيم المشتركة، بحيثُ يصبح الإنسان العربي مواطناً كونيّاً باستخدامه للغته وليس بهجرها، فكلّ الشّعوب تحتفي بلغتها لأنّها علامةٌ فارقة على تمسّكها بخصوصيّتها دونَ إنكار اندماجها في ما هو مشترك في الثقافة الإنسانيّة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية