التناص آلية التحليل النفسي لأبطال «دفاتر الوراق»

«من الوهم أن نعتقد أن العمل الأدبي له وجود مستقل، أنه يظهر مندمجا داخل مجال أدبي ممتلئ بالأعمال السابقة» انطلاقا من هذه المقولة لتودوروف يمكننا تعريف النص الأدبي، بأنه توالد لنصوص سابقة ونصوص حاضرة، لننتج في الأخير النص الحالي. فامتزاج النصوص ما هو إلا آلية من آليات التجديد التي تساعد الكاتب على إبراز مهارته في المزج بين ما يخزنه من قراءات، والنص الذي هو بصدد العمل عليه، فيعطي بذلك صورة عن مدى الإبداع والخلق لديه وعدم التقيد بالنصوص السابقة.
من بين الأعمال التي اشتغل صاحبها على هذه الآلية رواية «دفاتر الوراق» للكاتب الأردني جلال برجس، الحاصلة على البوكر 2021. عالج برجس في روايته التي تجاوزت 360 صفحة، تقرحات المجتمع الأردني، فداس بقوة على جرح متقيح تغطيه قشرة السياسة الواهمة التي تزين المجتمع. لم يهيمن صوت البطل الواحد على الرواية، بل تعددت الشخصيات لترسم لنا فسيفساء من المجتمع.
ركز الكاتب على الحالة النفسية للأبطال إبراهيم الوراق، الذي يعيش فصاما حادا منذ بداية الرواية حتى آخرها، إذ رافقه صوت داخلي، أو كائن يعيش داخل بطنه يتعاظم مع تقدم الأحداث، فكلما تأزمت وضعية الوراق، زاد من سيطرته «فجأة دبت حركة في بطني ورأيته ينتفخ شيئا فشيئا، إلى أن صار كبطن امرأة حامل في شهرها التاسع». ليلى فتاة الملجأ ونموذج للأطفال مجهولي النسب، تعرضت لانتهاكات كثيرة، جسدية من طرف المشرفة، ثم تحرش سائق التاكسي في أول تواصل خارجي لها مع المجتمع، وتتالت بعدها المضايقات لينتهي بها المطاف في منزل مهجور هي وبقية أفراد الملجأ. ناردا الصحافية التي تقاطع مصيرها مع مصير إبراهيم في مناسبات كثيرة، أولها عندما قرر كلاهما الانتحار في المكان نفسه، وأخيرا عندما علم بالحقيقة التي تربطها بوالده جاد الله.
وظف الكاتب بشكل متقن قراءاته، فلم تكن مجرد حشو، بل كانت العنصر الأساسي الذي اعتمده في تبيان مهارته في الدمج بين مكتسباته الأدبية وتواتر الأحداث في الرواية. جعل الكاتب للبطل هبة إلهية تمكنه من تقليد من حوله بشكل متقن، بدأ الأمر مع الجيران وأساتذته في المدرسة، ووصل إلى الشخصيات التي تترك أثرا في قراءاته «كان أبوك محتارا إلى أي طبيب سيذهب ويخبره عن ولعه الغريب في التقمص». ومن هنا تبدأ رحلة إبراهيم للانتقام ممن كانوا السبب في معاناته ومعاناة من يحيطون به. لم يكن الاعتماد على شخصيات روايات عربية وعالمية اعتباطا، بل أدرجه الكاتب تحت ما يسمى بظاهرة التناص. والمقصود به العلاقة الخارجية التي تنشأ بين نصه الخاص intertextualit استعمل الكاتب التفاعل النصي، أو ما يسمى بنصوص سابقيه، أو كما عرفها رولان بارت «بأنه تبادل نصوص مع أشلاء نصوص أخرى، دارت أو تدور في فلك نص يعتبر مركزا وفي نهاية الأمر تتحد معه».
استدعى الكاتب شخصيات ميزت روايات عربية وعالمية، ليخوض بها غمار معارك حديثة، انطلاقا من هذه الفكرة بنى جلال برجس العلاقة بين الشخصيات التي استدعاها من قراءاته وبطله، لكي تخدم خططه الانتقامية. من الواضح أن الكاتب متأثر بشكل كبير بنجيب محفوظ، فكان الافتتاح والختام له، في البداية حضر سعيد مهران بطل رواية «اللص والكلاب» «أخذ وجه سعيد مهران ينبثق من سماء ذاكرتي، لحظة تركيز من تلك التي كانت تداهمني إثر كل شخصية روائية أغرم بها، وراحت عضلات وجهي تتحرك، وعظامي تتجهز لهيئة غير هيئتي». أما النهاية فكانت لأحمد عبد الجواد بطل الثلاثية، وبينهما مرّ كل من كازيمودو بطل «أحدب نوتردام» الدكتور زيفاكو، ثم مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» الذي أجهز على البطل.

مثّل التناص الآلية الأهم التي اشتغل عليها جلال برجس في روايته، فعرفنا بشكل غير مباشر عن ميولاته الأدبية من الأدب العربي والعالمي، ناقلا لنا اختلاجات أبطاله والاضطرابات النفسية التي يعانون منها، من خلال إعمال مشرط التحليل النفسي في كل شخصية.

استغلال الجانب النفسي للشخصيات التي تقمصها إبراهيم الوراق، ساعدت في تبلور فكرة التناص، فالشخصيات التي استدعاها الكاتب ما هي إلا انعكاس للعقد النفسية التي تراكمت داخل البطل. فالصوت الباطني هو المحرض، لتطفو هذه العقد خارجا، مستمدا منها ستارا يتخفى خلفها. انطلاقا من التحليل النفسي لفرويد تمكن من ربط العلاقة بين إبراهيم الوراق والشخصيات التي تقمصها خلال سرقاته. استعمِل مصطلح آلية الدفاع النفسي لتبرير مجموعة من السلوكيات التي تعيد توازن الأنا بسبب الكثير من الضغوطات، تبلورت هذه الآلية مع سعيد مهران بطل «اللص والكلاب» الذي معه انطلقت مجموعة السرقات، فالرابط المشترك بين الوراق وبطل رواية نجيب محفوظ تمثل في إلقاء اللوم على الآخر، كما لو أن البطل خال من الأخطاء، وإيجاد حجة مقبولة لمواصلة السير في الموضوع نفسه الذي هو بصدد القيام به، حتى إن كان فعلا غير أخلاقي، السرقة باعتبارها فعلا بطوليا، بما أنها من البنوك والفيلات لفائدة الفقراء المشردين.
أما بالنسبة للأبطال الذين مثلوا دور المنقذ فهما، الدكتور زيفاكو، والمقصود به ابن الله الحي أو يسوع الذي ضحى بنفسه من أجل شعبه، وكازيمودو ابن الخطيئة المنبوذ من الجميع، الذي ضحى من أجل حبيبته، ووقف وجها لوجه أمام رجل الدين، ورجل السياسة على حد سواء. كذلك هو الامر بالنسبة لإبراهيم الوراق فقد لعب دور المنقذ، عندما قرر السرقة من أجل أطفال الملجأ، لكي يوفر لهم بيتا عوضا عن المكان الذين يلجؤون له ليلا.
مثّل أحمد عبد الجواد بطل ثلاثية نجيب محفوظ، ما يسمى بالبطل الإشكالي الذي تحكمه التناقضات، شخصية تعيش حياتين مختلفتين، كذلك الأمر بالنسبة لإبراهيم الوراق، فقد برز هذا التناقض من خلال الانفصام الذي يعيشه، الأول شخص مكبل بالخوف والخنوع، والثاني إبراهيم الثائر الذي خطط لمجموعة من السرقات وجرائم القتل. مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» رمز للانطوائية وعدم الاندماج داخل المجتمع الإنكليزي، والمجتمع السوداني بعد عودته من إنكلترا، تقاطعت نهاية مصطفى سعيد وإبراهيم الوراق فكلاهما اختار الانتحار من فوق أحد الجسور الكبيرة في المدينة، في محاولة أخيرة لجلب الانتباه.
«إننا بحاجة إلى الخيال كي نواجه تلك الفظاعات التي تفرضها علينا الأشياء» في محاولة لتجاوز إخفاقاتهم، التجأ أبطال الرواية إلى تدوين كل ما عايشوه في دفاتر كانت لهم بمثابة المهرب من الواقع. فكل أسرار الأبطال كانت مكتوبة حتى بعد أن تم القبض على إبراهيم الوراق والزج به داخل المصح النفسي.
مثّل التناص الآلية الأهم التي اشتغل عليها جلال برجس في روايته، فعرفنا بشكل غير مباشر عن ميولاته الأدبية من الأدب العربي والعالمي، ناقلا لنا اختلاجات أبطاله والاضطرابات النفسية التي يعانون منها، من خلال إعمال مشرط التحليل النفسي في كل شخصية. لم يعمل برجس على تبيان الحالة النفسية التي يعيشها أبطاله فقط، بل ركّز على مواضيع أخرى أولاها الأهمية نفسها، ومن أهمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيشها بلده.

كاتبة تونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية