تدور أحداث رواية «معزوفة اليوم السابع» للروائي الأردني جلال برجس في مدينة افتراضية تُدعى «مدينة الجد الأول»، التي تعاني من تفاوت وانقسامات بين سكانها. وثمة صراع طبقي بين المدينة ومخيم الغجر على أطرافها الذي يعيش فيه باختو، الشخصية الرئيسية، وهو عامل نظافة يتمتع بشغف للموسيقى والرقص، ويحب القراءة والتعلم، على الرغم من تحفظات والده شاندور الذي يرى في القراءة والانفتاح على المدينة خطرا على الهوية الغجرية، ويجد باختو نفسه في صراع مستمر مع الواقع المرير الذي يعيشه الغجر. فيما تحكم المدينة طبقة نخبوية تمنع الغجر من دخولها إلا لأداء وظائف متدنية، وتُظهر الرواية كيف تسعى القوى العميقة المسيطرة إلى الحفاظ على امتيازاتها عبر تهميش بعض الفئات وممارسة الخداع.
تشهد المدينة تفشي وباء غامض، يفقد المصابون به القدرة على رؤية انعكاساتهم في المرايا، ما يدفعهم إلى الجنون والانتحار. يتضح لاحقا أنّ الخلاص من هذا الوباء يكمن في مخطوط قديم وناي سحري تركهما الجد الأول، وكأنهما رمزان للحكمة القديمة. ومن خلال رحلة مليئة بالتحديات والصعوبات، يتمكن باختو، بمساعدة توليب المصورة الفوتوغرافية ونوّار المغني الشعبي المعتزل، من العثور على الناي وتحرير المدينة من لعنتها التي حلت بها.
ثنائية المركز والهامش
تعتمد الرواية على ثنائية واضحة بين المركز «مدينة الجد الأول» بما تمثله من ثراء ورفاهية وخدمات وامتيازات، والهامش المتمثل في «مخيم الغجر» بما يمثله من فقر وحرمان من كل مقومات الحياة والخدمات الأساسية. فالمدينة تستأثر بالموارد والخدمات وتمنع الغجر من الاستفادة منها، ما يؤدي إلى تعمق الشرخ بين المدينة والمخيم، وتزايد سخط المهمَّشين. لا يُسمح للغجر بدخول المدينة إلا للقيام بأعمال دنيا مثل تنظيف الشوارع، أو العمل في الدعارة أو الخضوع للعمليات الجراحية عند الضرورة. هذا التمييز المتعمد يثير النقمة والغضب لدى الغجر، الذين يرون أنفسهم ضحايا ظلم تاريخي، حيث تُحرمهم المدينة الأم من حقهم الطبيعي في العيش الكريم.
تُثير الرواية تساؤلا جوهريا حول سبب هذا التمييز، ويبدو أنَّ الإجابة تكمن في رغبة الطبقة الحاكمة في إبقاء الغجر في مستوى معيشي متدنٍ، لضمان سهولة استغلالهم. وتعكس هذه العلاقة بين المركز والهامش واقعا اجتماعيا مألوفا في العديد من المجتمعات، حيث يُستخدم التمييز الاقتصادي والاجتماعي كأداة للسيطرة. كما يشعر عوام أهل المدينة – ظاهريا- أنهم الأعلى والأفضل، وأصحاب السلطة والتحكم في مصائر الناس.
البون الكبير بين المدينة والهامش ليس فقط ماديا، بل أيضا ثقافيا واجتماعيا. حتى لو سمح للغجر بالإقامة في المدينة، فإنَّ الكلفة المالية المرتفعة والتمييز الاجتماعي، يقفان عائقا أمام تحقيق هذه الإمكانية. ومن هنا، يبدو أنَّ المدينة تتطلب من الغجر دفع «ضريبة» مقابل البقاء فيها، وهي ضريبة لا يمكن للكثيرين منهم تحملها.
ومن المفارقات أنّ الغجر، على الرغم من حرمانهم من الموارد والخدمات والوظائف وأسباب العيش الكريم، يعيشون حياة نابضة بالحيوية، متصالحون مع أنفسهم، بينما تعاني المدينة من وباء غريب، وكأنَّ للمدينة ضريبتها التي تدفعها مقابل ترفها وفسادها، وأنَّ الحياة البسيطة في الهامش قد تكون أكثر صحة وسلاما من حياة الترف والصراع في المركز.
الفن جسر للتواصل
تلعب الموسيقى والفن والتصوير دورا محوريا في الرواية كوسيلة لكسر الحواجز الاجتماعية والثقافية والطبقية. ويبرز هذا المفهوم من خلال العلاقة بين باختو، الذي يعشق الموسيقى ويرقص على أنغامها بعفوية وتلقائية أثناء كنسه للشارع، ويعزف على الناي. هذه العفوية والتلقائية في التعبير الفني تجعله يلتقي بتوليب، المصورة الفوتوغرافية التي تبحث عن الجمال والإنسانية في لقطاتها، ونوّار المغني الشعبي المعتزل. يجتمع الثلاثة رغم اختلافاتهم بسبب إيمانهم بقوة الجمال والفن والمشتركات الإنسانية في التقريب بين البشر.
يمثل الفن في الرواية عنصرا للتجسير بين الهامش والمركز، حيث يظهر أنّ التغيير لا يمكن أن يحدث إلا بتعاون الفئات المختلفة. فكما يحتاج الهامش إلى دعم أبناء المدينة، تحتاج المدينة إلى روح الإبداع التي يتمتع بها المهمَّشون. وباختو هنا، بصفته قائد التغيير، لم يكن ليحقق نجاحه لولا الدعم الذي وجده من توليب ونوّار، اللذين يمثلان أبناء المركز. هذا التعاون يؤكد أنَّ التغيير المنشود في المجتمع يتطلب حاضنة داعمة من أبناء المركز، الذين يؤمنون بضرورة الإصلاح وتعديل المسار. والفن بالإضافة إلى كونه أداة ترفيه، فهو رمز لإمكانية التعايش والانصهار الثقافي والتواصل والالتقاء بين الطبقات، أيا كانت الاختلافات بينها، بصفته مشتركا إنسانيا، ويأتي كنموذج لمئات المشتركات الإنسانية التي تصلح لتأسيس حياة مشتركة بين الناس مهما كانت الاختلافات بينهم، ومن السفه والحمق أن يتمسك البشر بما يُفرّق ويُشتت ويمزّق الروابط الإنسانية، ويتجاهلون ما يجمع ويُؤلف.
حكمة الأسلاف
تُشير الرواية إلى أنّ الحلول للأزمات الحديثة قد تكون كامنة في حكمة الأسلاف. فالجد الأول، لبُعد نظره، ورؤيته المستقبلية، وتوقعه لما سيحدث من تفرّق وصراع وأوبئة لنسله، ترك مخطوطا بوصاياه ونايا، ولكنه لم يتركهما بين أيديهم، بل حفظهما في أماكن لا يصل إليها إلا من يستطيع أن يكون المُخلّص والمنقذ، الذي لا بُدَّ أن يتجشم الصعاب حتى يصل إليهما، وكانت من نصيب باختو الذي عانى الأمرين حتى وصل إلى قمة الجبل، وكاد يهلك في سبيل ذلك، حتى وجد الناي أخيرا الذي كان سببا في خلاص أهل المدينة من لعنة المرايا. أي أنَّ الحكمة لا تُعطى بسهولة، بل يجب على المرء أن يُثبت استحقاقه لها من خلال الصبر والمثابرة والمخاطرة.
تلعب شخصية شاندور، والد باختو، دورا رمزيا مهما؛ فهو حكيم الغجر، ويتسلم إدارة المدينة بعد سقوط سلطتها الفاسدة، ممثلا حكمة الهامش وقدرته على قيادة التغيير. وتعكس هذه الفكرة توجها شائعا في الأدب، حيث يأتي الخلاص من الخارج، من أولئك الذين لم يتلوثوا بالفساد الداخلي.
تحمل الرواية رسالة إنسانية عميقة تدعو إلى إعادة النظر في علاقاتنا الاجتماعية والسياسية، والتفكير في عواقب التمييز الاجتماعي والجشع والاستحواذ. من خلال مرض المرايا، تحذر الرواية من العمى المجازي الذي يصيب المجتمعات المنغلقة على ذاتها، حيث يؤدي الانفصال عن القيم الأصيلة إلى الدمار. لكن الرواية بالإضافة إلى أنها تقدم نقدا لاذعا للأنظمة الاجتماعية والسياسية، التي تعمّق الفوارق بين البشر، وتحذر من مستقبل أسود إن بقيت البشرية في غيها وعماها وأنانيتها ورغبتها في السيطرة والاستحواذ، فهي تبشر بالأمل أيضا، حيث يظهر أنَّ الخلاص ممكن إذا ما اتبع الناس تعاليم الحكمة القديمة وانصاعوا إلى ضمائرهم وفطرتهم، وسعوا للبحث عن القيم المشتركة بدلا من التركيز على الاختلافات.
وتمثل شخصية باختو نموذجا للبطل الذي يأتي من الهامش ليحقق التغيير، ما يؤكد أنّ التحولات العظيمة تبدأ من الأفراد العاديين الذين يملكون الإيمان بقوة الخير والجمال. وكأنَّ الخلاص للمدينة لا يكون إلا على أيدٍ من خارجها لم تتلوث بفسادها وأمراضها ولعنتها. وهذا ما يثبته التاريخ، فمعظم الثورات قادها أبناء الهامش، سواء الهامش من خارج المدينة، أو الهامش من داخل المدينة، حيث الأحياء المهملة التي تفتقر إلى كل شيء.
وبعد؛ فإنَّ «معزوفة اليوم السابع» لجلال برجس رواية ذات بعد إنساني، تفيض بالقلق الوجودي، تتساءل عن المصير والمآلات والمستقبل في ظل التغيرات السلبية المتسارعة التي تطال البشر ومشاعرهم وقيمهم واهتماماتهم وأولوياتهم وأفكارهم، وانحراف البشرية عن فطرتها وإنسانيتها، وتصرخ بصوت مدوٍ «إلى أين نتجه، وإلى أي هاوية تأخذنا هذه الحضارة المسمومة؟!». ومع أنَّ الرواية مُتخيلة، إلا أنّها مرآة تعكس واقعا اجتماعيا مريرا، حيث يُستبعد البعض من الحياة الكريمة بسبب انتمائهم العرقي أو الطبقي. وبذكاء سردي، يستخدم جلال برجس الموسيقى، والفن، وحكمة الأسلاف، ليخلق عالما رمزيا مُتخيلا، يحتمل تأويلات مفتوحة، ويحمل إسقاطات عميقة على مجتمعاتنا المعاصرة في أي مكان. وتبقى الرسالة الأهم للرواية أنّ الأمل يمكن أن يولد حتى من قلب الألم، تماما كما تنبثق الموسيقى من الناي، وكما تشرق الشمس على المدينة بعد زوال لعنتها.
كاتب أردني