التناص في ديوان «يا هذا تكلم لأراك» لصلاح بوسريف

التناص في اللغة مأخوذ من مادة «نص»، ونص الحديث إليه: أي رفعه، والنصّ: الإسناد إلى الرئيس الأكبر والتوقيف والتعيين على شيء ما، وانتصّ: انقبض وانتصب وارتفع، ونصنصه: حركه وقلقله، والبعير أثبت ركبتيه على الأرض، ونصيص القوم: عدهم، والنَّصّة: العصفورة، والنُّصّة: الخصلة من الشعر أو الشعر الذي يقع على وجهها من مقدم رأسها. وجاءت كلمة «التناص» في لسان العرب بمعنى الاتصال، حيث يقال: هذه الفلاة تناص أرض كذا وتواصيها لتتصل بها. وفي معجم «تاج العروس» تفيد الانقباض والازدحام، فانتص الرجل انقبض وتناصى القوم ازدحموا .
وفي الاصطلاح نجد التناص مأخوذ من مفهوم النص الذي يعني «مدونة حديث كلامي ذي وظائف متعددة» نظراً لاختلاف الاتجاهات المعرفية والنظرية والمنهاجية، التي عرّفت المفهوم، أما المفهوم الذي يهمنا «التناص» فقد حدده باحثون كثيرون مثل كريستيفا وأرّفي ولورانت ورفاتير، لكنهم لم يصوغوا تعريفاً جامعاً له، ولذلك فهو فسيفساء من نصوص أخرى، أدمجت في نص بتقنيات مختلفة، وهو ممتص لها مما يجعلها من عندياته وبتصييرها منسجمة مع فضاء بنائه ومقاصده، وهو محول لتلك النصوص بتمطيطها أو تكثيفها بقصد مناقضة خصائصها ودلالتها، أو بهدف تعضيدها؛ أي أن التناص هو تعالق نصوص مع نص حدثٍ بكيفيات مختلفة. ولأجل الوقوف على عناصر التناص في تجربة شعرية ما، لا بدّ من الانتباه لبعض المفاهيم القريبة من التناص والتمييز في ما بينها، وهي: المعارضة والسرقة والمناقضة؛ فالمعارضة هي محاكاة عمل أدبي آخر من باب الإعجاب والاقتداء، والسرقة هي النقل والاقتراض مع إخفاء المسروق، أما المناقضة فهي سلك طريقين مختلفين والالتقاء عند نقطة معينة .
القارئ لأعمال صلاح بوسريف، يلاحظ أنها تتميز بالثراء والتنوع والانفتاح على مختلف المعارف المرتبطة بالإنسان والملامسة لهمومه، فهو الشاعر والناقد والمفكر الذي احترف الكتابة وجمع من خلالها بين النقد (التأمل) والشعر (الإبداع) والتفكير (هموم الإنسان العربي)، فبخصوص الجانب النقدي اهتم بالحداثة الشعرية كثيرا، إلى جانب دراسة الشفاهي والكتابي وخصائص الكتابة الإبداعية العربية، وبالنسبة للجانب الفكري فقد كتب في قضايا الدين وواقع المثقف المغربي، وأما الجانب الإبداعي الشعري (وهو الذي يهمنا) فقد عرفت تجربته بالغزارة والكثافة والثقافة الواسعة، فقد أصدر سبعة عشر ديواناً شعريا، وجمع ديوانين؛ وهذا يدل على حجم مقروئه واهتمامه البالغ بالشعر وكتابته. ولعل آخر إصدار لصلاح بوسريف هو ديوانه «ياااا هذا تكلم لأراك»، وقد أُنجز بين مدينة المحمدية المغربية ومدينة إسطنبول ومرقد مولانا جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، على هضبة الأناضول في مدينة قونيا في تركيا، خلال السنوات 2015 ـ 2017؛ وهو ديوان من 450 صفحة، صدر عن «فضاءات» للنشر والتوزيع في عمان سنة 2018.
وفي الديوان تجربة صوفية عاشها الشاعر وسافر لأجلها إلى مرقد كلّ من مولانا جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، وهو يحوي الكثير من معاني التصوف والرحيل إلى العالم الآخر والالتقاء بنقطة التقاء الكون هنا في هذا العالم، فمن خلال العنوان نجده يستقي مقولةً خالدةً في التاريخ، هي «تكلم لأراك»، ويُشتهر أنها للفيلسوف الإغريقي العريق «سقراط»، لكن الشاعر – الأكاديمي والناقد – يؤكد أنها لجلال الدين الرومي، أحد أعظم المتصوفة في التاريخ البشري على الإطلاق.
ومن خلال غلاف الديوان، نجد صورة إيحائية لرقصة الدراويش، الرقصة الشهيرة التي تشير إلى نقطة تناغم الكون ودورانه. والديوان كله حافل بحوارات مع نصوص أخرى كثيرة ومتنوعة، ما بين التاريخ والفلسفة والتصوف، خاصة التصوف، الذي يراه الشاعر موضوعاً مهما في هذا العصر، بل هو الموضوع الأهم، عند كل الديانات. ويبدو أن مقوم التناص يفرض نفسه في الديوان المتناول أكثر من باقي العناصر، فإن كان الشاعر يركز على الجانب الجمالي المرتبط بالشكل واللغة من جهة، والانفتاح على المكون الصوفي في تأسيس وعي شعري يحاور الإنسان على امتداد الزمان والمكان من جهة أخرى، فإننا نلاحظ منذ البداية حوار النصوص في ما بينها، حيث يفرض هذا المفهوم نفسه مقوما أسلوبيا وبنيويا ومركزيا في كل المتن الشعري الذي يقترحه الديوان، الأمر الذي يغري باعتماد تقنية التناص مدخلا محتملا إلى عالم الديوان كله، ولذلك ينبغي على المتلقي أن يكون واسع الثقافة بالشعر والجوانب المعرفية المتلاقحة معه، حتى يفهم نص صلاح بوسريف والنصوص التي يحاورها أو يستفيد منها في بناء خطابه، إذا كان التناص قانونا جوهريا بالنسبة للشعر الحديث كما تقول جوليا كرستيفا في كتابها «علم النص».

التناص في تجربة صلاح بوسريف يأخذ شكلا وطابعا صوفيا في الجزء الأكبر من توظيفاته، حيث تميل اللغة بشكل واسع لمحاورة اللغة الصوفية.

والملاحظ أن التناص في تجربة صلاح بوسريف يأخذ شكلا وطابعا صوفيا في الجزء الأكبر من توظيفاته، حيث تميل اللغة بشكل واسع لمحاورة اللغة الصوفية (لغة فريد الدين العطار وجلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي)، حيث تستدعيها وتجعلها ضمن نسيجها الداخلي، الأمر الذي يمنح التعبير جمالية خاصة من حيث البناء العام، أو الجانب الدلالي. إن لغة بوسريف لغة أهل الله المقبلين عليه، لا بلسانه بل بلسان رموز التصوف في الذاكرة الإسلامية.
ولأجل الوقوف على أهم مرتكزات التناص في ديوان «يا هذا تكلم كي أراك»، نورد لائحة نشير فيها إلى تلك المواقع التي يحاورها الشاعر، وهي: ابن الأثير، كتابه: الكامل في التاريخ – أبو يزيد البسطامي – شعر محيي الدين بن عربي – القرآن الكريم، سورة النساء وسورة الذاريات وسورة الزمر وسورة يس وسورة الأعراف – فريد الدين العطار – شمس الدين التبريزي – الكتاب المقدس، المزمور الأول والثاني والعاشر والحادي عشر والعشرون والأربعون ـ التاريخ ـ النفري – مولانا جلال الدين الرومي ـ المولويون – عبد الرحمن الجامي. ومن خلال ما قدمناه نلاحظ أن الشاعر انفتح – وبشكل كبير ـ على نصوص صوفية عربية وأعجمية، التي تأسست بدورها من خلال نصوص أكبر هي النصوص الدينية ( القرآن الكريم ـ الكتاب المقدس «الإنجيل» )، الشيء الذي يثبت صحة ما قدمناه في البداية، وهو أن النصوص تحاور بعضها في الديوان بشكل لافت، فعلى سبيل المثال تقدم العتبات دلالة كبيرة على هذا الحوار. يورد الشاعر في مطلع ديوانه قولتين، إحداهما لجلال الدين الرومي، هي (حررني من الكلام، فأنا صامت يا برهان)، وأخرى لمحيي الدين بن عربي، يقول فيها (أنت غمامة على نفسك فاعرف نفسك)، ومطالع أخرى يبدأ بها قصائده، ومن سمات التناص عنده حوار القصائد مع بعضها داخل الديوان، فعلى سبيل المثال نجد القصيدة الثانية المعنونة بـ» طائر تبريز تشمل على مقطع اسمه «الصوت» ومقطعا آخر يرد عليه مباشرة اسمه «الصدى»، وذلك ثلاث مرات في القصيدة.
كما أن العناوين التي اختارها الشاعر عبارة عن نصوص صغرى تدخلنا إلى عالم النص الأكبر، ومنها: حيث لا أريد ـ طائر تبريز ـ الطريق إلى قونية طريق بعد الطريق ـ أسماء أخرى قمر آخر ـ لا شيء بعدي إلا هو ـ هشيم العالم ـ عم تبحث في جيبي – بئر في الخلاء – خمرة على السجاد ـ يا حضرت مولانا ـ على قبر الرومي؛ ولعل العنوان هو الرمز السيميائي الأول الذي يشهره النص الشعري في وجه القارئ، فيرسم بذلك الانطباع في ذهنه، وفي الديوان المتناول، يخرج العنوان عن دائرته البيضاء التي لا تكاد تبين لتتلبس دلالته بمعان جديدة قد تكون على طرفي نقيض مع المدى الأول الموحي بالبراءة والحياد، الشيء الذي يلزم النظر إلى العنوان في علاقته المتشابكة التي ينسجها بشكل خفي مع فضاء القصيدة بشكل خاص، ومع فضاء الديوان بشكل عام.
والملاحظ أن الحقل الدلالي المؤتلف الذي تصيغه المجموعة الشعرية ليس تناصا واحدا، إنما هو مجموعة من المرتكزات والأنظمة الإشارية التي تساهم في ترابط الديوان وتلاحم أجزائه. وإذا كان الناقد المغربي محمد مفتاح يرى أن اشتغال التناص يكون عبر التمطيط من خلال الشرح والاستعارة والتكرار والشكل الدرامي وأيقونية الكتابة والأناكرام والباراكرام من جهة، أو عبر الإيجاز البلاغي من جهة أخرى؛ فإن صلاح بوسريف في هذه التجربة قد زاوج بين الآليتين، نظرا لاعتنائه بجمالية الجانب الكتابي في الشعر، وهو ما سماه بعض الباحثين «إبداعية الكتابة». وأخيرا، نقول إن ديوان صلاح بوسريف «ياااا هذا تكلم لأراك» تجاوز للرسم العادي واستشراف لأفق جمالي جديد.

٭ باحث مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية