نواكشوط –”القدس العربي”: تمتاز منطقة غرب افريقيا عن غيرها من مناطق العالم بنشاط قديم قدم البشرية هو التنقيب اليدوي عن الذهب في السهول والبحيرات الذهبية.
وقد تطور هذا النشاط على مر السنين في عدة مجتمعات بينها المجتمعات المعروفة عبر التاريخ بنشاطها التنقيبي عن المعدن النفيس.
ويؤكد تقرير صادر منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي عن منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية “أن إنتاج دول مالي وبوركينافاسو والنيجر من الذهب الخالص يتراوح بين 15 و85 طنا وهو ما يبلغ رقم أعمال قدره 50 طنا للسنة أي ما يعادل 50 في المئة من الإنتاج الصناعي للذهب المسجل بطريقة شرعية في عام 2017.
ويمثل هذا الإنتاج الذي يجري تصدير غالبه بصورة غير شرعية، ما قيمته 2.02 مليار دولار.
وتشير دراسة أعدت مؤخرا عبر سلسلة بحوث ميدانية “أن إنتاج الذهب بالطريقة التقليدية في دولة النيجر، يشكل موردا أساسيا أهم بكثير مما تشتهر به هذه الدولة من موارد كاليورانيوم، كما أنه يشكل عماد اقتصادات كل من مالي وبوركينافاسو”.
ويتجلى تطور إنتاج الذهب في هذه الدول الثلاث بتزايد أعداد مواقع إنتاجه.
ومع صعوبة الحصول على أرقام دقيقة، فقد أحصى المعهد الوطني البوركينابي للإحصاء والديموغرافيا ما بين 500 و700 موقع للبحث عن الذهب في بوركينافاسو وحدها، بينما يبلغ عدد مواقع التنقيب في جمهورية مالي ما بين 300 و350 موقع إنتاج.
وحسب تقديرات حديثة فإن قطاع إنتاج الذهب في غرب افريقيا، يشغل أكثر من مليون شخص بينهم 400 ألف في مالي و450 ألف في النيجر، و200 ألف في جمهورية بوركينافاسو، وتؤكد التقديرات أن 6100000 شخص يعتمدون على هذا القطاع من أصل سكان يبلغ مجموعهم في الدول الثلاث 60 مليون نسمة. وخارج البلدان الثلاثة فإن نشاط التنقيب التقليدي عن الذهب يتطور بشكل واسع في دول أخرى بينها جمهورية كوديفوار التي أحصي فيها 185 موقعا سريا عام 2016 صدرت حوالي 22 طنا بطرق غير نظامية.
وفي جمهورية غانا ثاني أكبر مصدر للذهب في افريقيا، فإن ثلث إنتاج الذهب مصدره مواقع التنقيب التقليدية وفقا لما أكدته الرابطة الوطنية الغانية لصغار المنجمين.
ويؤكد تقرير منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية أنه “بالإضافة لما ينجم عن النشاط التنقيبي التقليدي عن الذهب من عمليات تهريب، فإن هذا النشاط مكمن لمشاكل لا حصر لها، مثل مخاطر الرشوة والتصريحات الكاذبة وتبييض الأموال وعدم سداد الضرائب، وتطور الممارسات المخلة بالأخلاق مثل تشغيل الأطفال والدعارة والتحرش الجنسي، والأشغال الشاقة، وغير ذلك من التأثيرات المضرة”.
ويشير تقرير المنظمة “إلى أن عدد الأطفال العاملين في مواقع التنقيب عن الذهب في بوركينافاسو ومالي والنيجر يتجاوز مئة ألف طفل”.
وإذا كان تقرير منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية مقتصرا على الدول الثلاث آنفة الذكر، فإن المشاكل المذكورة تنضاف إلى أخرى بينها الخسائر البشرية والابتزازات والرقابة غير الشرعية لعمليات الاستغلال وهي ممارسات يمكن أن تنتقل عدواها إلى دول أخرى.
ولنشاط التنقيب التقليدي عن الذهب تأثيرات مضرة أخرى من أشدها خطرا تلويث البيئة.
وبينما يفرض القانون على الشركات المنقبة، إنجاز دراسات عن التأثير البيئي والاجتماعي، تتهرب مواقع التنقيب التقليدي عن الذهب من الالتزامات التي يفرضها النظام.
وفي غانا شنت الحكومة حربا على التنقيب غير الشرعي عن الذهب حماية لنقاط الماء وللغابات من الانقراض.
ومهما قيل عن التنقيب التقليدي عن الذهب، فإنه يظل مع ذلك مصدرا هاما للتنمية الاقتصادية المحلية في المناطق الريفية النائية؛ فعلى سبيل المثال، حسب منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية، فإن التنقيب التقليدي يفتح فرصا كبيرة للسكان في منطقة شمال النيجر وهي منطقة معزولة من الناحية الاقتصادية كما أنها من الناحية التنموية مشلولة بسبب التدهور الأمني المحيط بها.
والملاحظ أن معظم المنقبين التقليديين في دول غرب افريقيا هم من فئة الشباب الساعين لحل مشاكلهم المالية وهو ما يجعل نشاط التنقيب يساهم بشكل إيجابي في امتصاص بطالة الشباب.
ولنشاط التنقيب على المستوى الوطني إسهام كبير، في دفع عجلة الاقتصاد كما هو الحال في جمهورية السودان التي أصبحت بفعل التنقيب التقليدي عن الذهب، ثالث منتج للذهب على الصعيد الدولي متقدمة على جمهورية مالي التي يمثل إنتاج المعدن النفيس حاليا 70 في المئة من صادراتها مقابل 10 في المئة فقط سنة 2011.
وتؤكد معلومات مستقاة من وزارة المعادن السودانية أن إنتاج السودان من الذهب بلغ عام 2015 حوالي 81 طنا بينها نسبة 85 في المئة عائدة لقطاع الاستغلال التقليدي للذهب.
ويقول مجدي حسن ياسين وزير المالية السوداني “إن الذهب عوض السودان عن خسائرها في القطاع النفطي حيث بلغ ريعه ملياري دولار عام 2014 وهو ما مكن السودان من إعادة توطين العملات الصعبة”.
وبالنظر لعدم الاستغناء عن قطاع الاستغلال التقليدي الحيوي والخطير معا، فإن الجهود مبذولة على مستوى عدة دول لتشريعه وإخضاعه للنظم القانونية.
وترى منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية، أن من اللازم الاتفاق على مقاربة إقليمية لتسيير الموارد المعدنية الذهبية توائم بين حجم التصدير ومعدلات الضرائب، وتشجع على التوجه نحو الاستغلال المشروع للمناجم.
وتؤكد المنظمة على ضرورة القيام بدراسات مالية على المستوى الإقليمي لإيجاد حلول بناءة تمكن من شرعنة نشاط التنقيب التقليدي عن الذهب ودمجه في الدورة الاقتصادية للدول التي يمارس فيها هذا النشاط على نطاق واسع.
وفي انتظار إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل هذا القطاع العصي تصنيفه، فقد شهدت أسعار الذهب تعافيا بعض الشيء، حيث وصل سعر أونصة الذهب إلى 1220 دولارا وهو سعر لم تصل إليه منذ أواخر تموز/يوليو الماضي؛ فليتواصل الاندفاع نحو العصر الذهبي.