التنمية البشرية الحجر الأساسي في بناء المجتمع المدني

فؤاد الصباغ
حجم الخط
0

إن المتغيرات العالمية أوحت لنا اليوم بأن العالم أصبح معولما مثل قرية صغيرة بحيث أضحت التكنولوجيات الحديثة متواجدة في أبسط جزئيات حياتنا اليومية. فالتقنيات الرقمية أصبحت تتطور بشكل سريع وعبر أجيال إلكترونية مختلفة ومتنوعة لا حدود ولا حصر لها وأبرز دليل على ذلك تزايد تلك الاستخدامات عبر تطبيقات الهواتف الذكية وأيضا منصات التعليم عن بعد مثل تطبيقات زووم وموديل. فلا يمكن اليوم بأي حال من الأحوال الإنكار بأن تلك الأدوات الرقمية يمكن فصلها عن أعمالنا واتصالاتنا اليومية السمعية والبصرية نظرا لتسهيلات المعاملات والمبادلات والسرعة الفائقة والجودة العالية لايصال المعلومات. ففي هذا السياق تعتبر تلك التكنولوجيات الحديثة نعمة لدى العديد من الأشخاص بحيث وظفتها مباشرة في إطار الاستخدامات الصحيحة كعنصر إيجابي فعال وداعم جدي من أجل تطوير المواهب الذاتية أو تكوين الموارد البشرية ووضعها على الطريق الصحيح. فهنا يكمن مربط الفرس بحيث أصبح نشاط المجتمع المدني بأغلب الدول المتقدمة جزءا لا يتجزأ في صنع القرار السياسي والاقتصادي وصوتا مسموعا محليا ودوليا وذلك عبر طرح أفكار ومقترحات بناءة يمكن وضعها على طاولة المناقشات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالدبلوماسية في مفهومها اللفظي تعني الدبلوم أو الرسالة لصاحب القيادة والريادة بحيث تستلزم منه إجباريا الأناقة واللباقة والاقناع بالأفعال لا بالأقوال فقط. فالتكوين والتدريب الدبلوماسي لم يعد حكرا فقط على الدولة بل أصبحن اليوم المنظمات غير الحكومية توفر التدريب والتكوين اللازم وأضحت تحظى برعاية وحماية من المنظمات الإقليمية والعالمية. ففي ظروف هذه الجائحة بسبب فيروس كورونا التجأت تلك المنظمات غير الحكومية نحو الفضاءات الرقمية من أجل تقديم الدعم الوافي والكافي لمتطوعي المجتمع المدني. ويتركز التدريب الدبلوماسي داخل تلك المنظمات على تكوين أجيال قادرة على تحمل المسؤولية الكاملة لا داخل مجتمعها فحسب بل تتجاوزها لتشمل التعامل المباشر مع الفضاء الخارجي والمساهمة الإيجابية في دعم قطاع التجارة والاستثمار ببلدانهم.

التنمية البشرية

تعتبر التنمية البشرية الحجر الأساسي في بناء مكونات المجتمع المدني بحيث تعتمد على آليات لتطوير الذات وتحديد المكتسبات الشخصية وتسخيرها في الاتجاه الصحيح. فتأطير الموارد البشرية ينطلق عبر تحديد المواهب والقدرات لكل شخص وفقا لرغباته واهتماماته في مجال معين يتماشى مع التكوين والتدريب عن بعد المخصص له. فهنا تعتبر المرحلة الأولى هامة جدا وهي تتمثل في توزيع الاختصاصات لمن يرغب في التكوين الدبلوماسي المستمر وذلك في شتى المجالات منها الاقتصادية، القانونية، الأدبية، السياسية، الثقافية وغيرها. أما المرحلة الثانية فتكمن في تحديد القدرات والانطلاق في التكوين والتدريب عبر مراحل ومحاور.
أخيرا المرحلة الثالثة تتمثل في المتابعة والإختبار الختامي بعد تلقي المتدربين تدريبا عن بعد خلال مدة معينة بتلك المنظمات غير الحكومية. فالتنمية البشرية تعتبر مهمة خاصة في المجال الدبلوماسي غير الحكومي لأنها هي التي تصنع قادة المستقبل وتكونهم أكاديميا وعلميا حتى تنضج داخل مجتمعها وتتعلم حسن التعامل وربط قنوات إتصال محلية ودولية مع المبادرة بطرح أفكار ومقترحات تفيد الصالح العام وتساهم إيجابيا في دفع عجلة التنمية الاقتصادية.

التنمية المستدامة والحوكمة الرشيدة

فالتكوين الدبلوماسي عن بعد لم يقتصر فقط على التنمية البشرية بل تجاوزها ليشمل التنمية المستدامة منها الحفاظ علي بيئة سليمة وخالية من السموم وذلك من خلال تنظيم ورشات عمل ومؤتمرات دولية تحت رعاية منظمات أصدقاء البيئة. فالتنمية المستدامة تعني مفهوم التوازن بين البيئة ورأس المال وأيضا اعتماد التكنولوجيات النظيفة كبديل رئيسي والتي تعتبر في حد ذاتها المستقبل الواعد والصاعد وتساهم إيجابيا في سد الفجوة الرقمية. إن التنمية المستدامة تعتبر العمود الفقري للاقتصاديات الوطنية بحيث يمثل الرهان علي الاقتصاد الأخضر والرقمي نواة دعم حقيقي وتحفيز جدي للاستثمار وتقوية القطاع الخاص. كذلك تساهم المؤتمرات العالمية عن بعد في تعزيز عمليات مكافحة الفساد الإداري والمالي داخل الإدارات الحكومية أو الخاصة وتقود بالنتيجة إلى إرساء الحوكمة الرشيدة داخل مجتمعات متحضرة تصون الحريات الفردية وتحافظ على المكتسبات الوطنية. إذ تحققت العديد من النتائج الإيجابية في هذا المضمار بحيث أضحت منظمات المجتمع المدني غير الحكومية بمثابة الجدار العازل داخل مجتمعاتها قادرة بدورها للتصدي الحازم وذلك بفضح وكشف عمليات الرشوة وتبييض الأموال أو التهرب الضريبي والمحسوبية للرأي العام.

إرساء السلم

إن ما شهدته أغلب دول العالم خلال العشرية الماضية من ثورات اجتماعية منها بما سمي بالربيع العربي في أغلب الدول العربية واحتجاجات السترات الصفراء بفرنسا وفي بريطانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، يعتبر تغييرا جذريا في العلاقات بين الدولة والمواطن خاصة من جانب تزايد السخط والتذمر الاجتماعي على أوضاعهم الاجتماعية التعيسة ومطالبتهم بتحقيق العدالة الاجتماعية ورحيل السلط. كذلك الاحتقان الشعبي ومسيرات الاحتجاجات الأمريكية بسبب العنصرية بين البيض والسود وتزايد نسب الجريمة داخل المجتمع جعلت منظمات غير الحكومية ناشطة أكثر فأكثر وذلك بسعيها من أجل إرساء السلم الاقتصادي، السياسي والاجتماعي. فانتشار فيروس كورونا داخل تلك المجتمعات لم يقف عائقا لذلك النشاط الدبلوماسي القوي لأن التكنولوجيات الحديثة ساهمت إيجابيا في سهولة الولوج إلى منصات تجمع الجميع في منابر حوار وتقديم أفكار ومقترحات وتوجيهها إلى حكوماتهم مباشرة للحد من الأزمة الاجتماعية الخانقة. بالإضافة إلى ذلك يعتبر التكوين والتدريب الدبلوماسي عن بعد داعما أساسيا لاستمرارية الكفاح الاجتماعي حتى الحصول على الحقوق الكاملة ونصرة القضايا العادلة وتحقيق التنمية الشاملة. فتلك المنظمات غير الحكومية توفر اليوم التكوين والتدريب اللازم عن بعد لجميع المتطوعين الراغبين في مساعدة ضحايا الحروب داخل بؤر عدم الاستقرار من خلال توجيههم بتقديم المعونة والملابس وأبسط مستلزمات الحياة. إجمالا يعتبر التكوين الدبلوماسي عن بعد ثروة وطنية تساهم في الحد من تحقير العباد وتدمير البلاد بحيث أضحت المنظمات غير الحكومية مؤخرا جزءا لا يتجزأ من أجل تحقيق أهداف منظمات على غرار الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية