برامج التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030: بين الأزمات والإصلاحات الهيكلية لدول شمال أفريقيا

فؤاد الصباغ
حجم الخط
0

تعتبر أحداث العشرية الماضية في مجملها ذات تأثيرات سلبية عميقة على الاقتصاديات الوطنية لدول شمال أفريقيا التي ما زالت تعاني من الأمرين من تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وهشاشة هيكلية ومؤسساتية. إذ تسببت الاضطرابات الاجتماعية في تعطيل دواليب تلك الدول بالكامل وأضرت مباشرة بميزانيتها العمومية والتي ما زالت إلى يومنا هذا تتخبط في تفاقم عجزها وتراكم أزماتها. كما ارتفعت نسبة المديونية وتعطلت الإنتاجية العامة ما تسبب بالنتيجة في كبح عجلة التنمية الاقتصادية التي أضحت مؤخرا مثل البطة العرجاء. أما الجدير بالذكر فيتمثل في تعطل البرامج الإصلاحية والمخططات التنموية الإستراتيجية خاصة في ظل تداعيات فيروس كورونا إلى تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية على الأمن الغذائي.

في خضم تلك الأحداث التي تعتبر في مجملها عوائق لتحقيق التنمية ولها تأثيرات مباشرة على الأوضاع الاجتماعية أضحت أغلب تلك الدول تعاني من ضعف مؤسساتي ومن عدم القدرة علي التحكم في مديونيتها والتجائها المستمر للاقتراض من صندوق النقد الدولي بشروط مجحفة. بالتالي أضحت تلك الأزمات المتراكمة تشكل تعطيلا شاملا للنشاط الأممي من أجل تحفيز اقتصاديات تلك البلدان على تنفيذ هدف التنمية المستدامة مع سنة 2030. ومصطلح النمو الاقتصادي يعني تراكم الثروة الوطنية السنوية أو بالأحرى الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الذي يتحقق خلال فترة سنة كاملة من الإنتاج. بالنتيجة تعتبر تلك النسب المنخفضة جدا على مستوى النمو الاقتصادي بتلك الدول ضعيفة ولم تحقق الطموحات المستقبلية المرجوة وأيضا لها تأثيرات مباشرة على التشغيل بحيث من المنظور الاقتصادي كل ارتفاع في نسب النمو يخلق فرص شغل جديدة. أيضا يعتبر ارتفاع نسب التضخم المالي المرافق لذلك الانخفاض في النمو عامل سلبيا إضافيا بحيث تساهم في ارتفاع الأسعار للمواد الغذائية وتزيد من نسبة الاحتقان الشعبي للطبقات الفقيرة. أما الأضرار الإضافية فكانت على مستوى المبادلات التجارية بحيث اختل الفارق بين الصادرات والواردات لتتضاعف بالنتيجة نسب العجز في الميزان التجاري، ما انعكس سلبا على الناتج المحلي الإجمالي. بالإضافة إلى ذلك انهيار العملات المحلية لبعض الدول مقابل سلة العملات الأجنبية منها بالأساس الدولار واليورو. بالنتيجة كانت مجمل تلك الاضطرابات على غرار الاحتجاجات الشعبية، التوترات الدولية خاصة الحرب الأوكرانية الروسية وتراكم العجز في الميزان التجاري والمالي لها نتائج سلبية على مستوى برامج التنمية المستدامة الاقتصادية بدول شمال أفريقيا. إذ كبحت في هذا السياق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وذلك بسبب تدهور التصنيف الائتماني من قبل أكبر وكالات التصنيف الدولية منها وكالة موديز وفيتش الأمريكيتين وذلك عبر وضع نظرة مستقبلية استشرافية سلبية في بعض الدول خاصة منها تونس بحيث ساهمت بدورها في خلق مناخ من عدم الاستقرار لدى رجال المال والأعمال المحليين أو الأجانب. كما أنه باعتبار أن رأس المال جبان وفقا لمنظور السوق الاقتصادية الرأسمالية الحرة شهدت أغلب تلك الدول خروجا مفاجئا لبعض رؤوس الأموال ما تسبب في ركود اقتصادي وانكماش مالي على مستوى الادخار والاستثمار. بالتالي كانت التنمية الاقتصادية المستدامة عرجاء طيلة عشرية كاملة بحيث لم تحقق تلك الدول التوازن بين الإنتاج وخلق بيئة نظيفة وسليمة تتماشى مع برنامج الأمم المتحدة لسنة 2030. كما أن الاقتصاد الأخضر لم يحظ بالتطبيق الفعلي في صلب بعض تلك الاقتصاديات نظرا لتراكم الاضطرابات الاجتماعية وأيضا بسبب استمرار أزمة الحرب الأوكرانية-الروسية والتي تسببت بدورها في بروز أزمة غذاء عالمي نظرا لأن الدولتين تعتبران سلة الحبوب العالمية باعتبارهما مصدر إنتاج ضخم وتصدير إلى أغلب دول شمال أفريقيا. فالأهداف 17 للتنمية المستدامة الخاصة بالأمم المتحدة تتطلب تضافر جهود القطاع العام للحكومات ومؤسساتها والقطاع الخاص والشركات، والجمعيات ومكونات المجتمع المدني لتسريع المشاركة في التنفيذ وخلق الابتكار خلال السبع سنوات المقبلة والمتبقية على الموعد لتك الرؤية الاستشرافية لاقتصاد عالمي جديد يوازي بين الإنتاج والبيئة ونظام مالي دولي جديد مستدام.
وتعتبر التنمية المستدامة اليوم رهانا أمميا ومن أبرز الملفات الدولية التي تحرص كل دولة من تلك الدول على تحقيق أهدافها منها دعم القطاع الخاص خاصة تلك المشاريع ذات المردودية العالية والصديقة للبيئة أو عن طريق تحويل التكنولوجيا النظيفة الحديثة من الدول المتقدمة إليها وذلك من أجل الإسراع بتقليص الفجوة الرقمية بين دول الشمال والجنوب.

تباطؤ الإصلاحات

الأحداث الدولية من حروب وتوترات زادت من الأمور تعقيدا عبر آلية وضع السبب على المسبب أو الدخول في مستنقع تعجز تلك الدول عن الخروج منها وذلك بدون إيجاد حلول جذرية دائمة لها والتي تسببت اليوم في أضرار جسيمة لتلك الاقتصاديات الوطنية وخاصة من جانب ارتهانها إلى المؤسسات المالية الدولية. ففي المقابل أصبحت بعض تلك الدول تتحمل الجزء الكبير من ذلك العبء في العجز نظرا للدور الذي يلعبه البنك المركزي باعتباره بنك البنوك والمزود الرئيسي للسيولة المالية اللازمة في الأسواق المالية. إذ تعتبر القروض الخارجية من قبل صندوق النقد الدولي من أجل إجراء إصلاحات هيكلية عميقة في مجملها ذات طابع ترقيعي لعجز ميزانيات بعض تلك الدول وليس لتخصيصها للاستثمار ودعم القطاع الخاص.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية