يرجع مفهوم الرأسمال الرمزي إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو كتحصيل يجمع كل أنواع الرسملة الأخرى كالرأسمال الاجتماعي والاقتصادي والرأسمال الثقافي. وهذا المفهوم ليس بجديد، فقد عرفته الفلسفة الإغريقية وربطه أفلاطون بالناموس الذي هو القانون الأساس في أي فعل اجتماعي والهايبتوس الذي هو فعل لا عقلاني وعامل وهم، يسوّغ لنا ملامح الحياة الاجتماعية ويجعلها طبيعية.
وباستثمار الرأسمال الثقافي نتمكن من تأدية أدوارنا المجتمعية التي بها نتجاوز حالات النفي والتهميش والإقصاء، منتجين ثروة رمزية تنفع الهوامش مثلما تنفع المراكز، ملغين هرمية الثقافة وأبراجها العاجية، مستبدلين إياها بفضاء أرحب متعدد الأبعاد تتجلى فيه الثقافة كتنوع مجتمعي رأسمالي وباستراتيجيات تعيد عملية الإنتاج واضعة الأفراد والمجموع في حسبانها. وهذا ما يضمن لأفراد المجتمع الواحد حقوقهم، كالحق في التربية والتعليم والصحة والانتخاب والتوظيف والضمان الاجتماعي.
ولأن مفهوم الرأسمال الثقافي يحيل على المعارف المكتسبة والإنجازات المادية، هو شامل لكي شيء بما فيها رأسمال الاسم العائلي أو اللقب الذي يمكنه أن يكثِّف رمزيا كل الممتلكات المادية والمعنوية المتراكمة والموروثة. ويرتهن استثمار الرأسمال الثقافي برمزية تمثيله في إستراتيجيات يتم رسمها أو التخطيط لها، ثم انتهاجها كخط شروع عملي على المدى البعيد.
ولعل أكثر المجتمعات امتلاكا لهذا الرأسمال الشعوب العريقة التي لها تاريخ ضارب في القدم، بيد أن هذه الشعوب ما زالت لا تعرف كيف تستثمر ما لديها من التنوع الثقافي وغير عارفة أن الارتجاع في الثقافة حاصل ما دامت الترسبات الثقافية موجودة وأنها تنتقل جينالوجيا عبر الأجيال، محددة مسار الثقافة ضمن المجتمع الواحد.
وهذا ما يجعل الدول الكبرى تحسب لهذه الشعوب ألف حساب، محاولة بشتى الوسائل الحؤول دون تمتعها بهذا النوع من الاستثمار. وفي مقدمة هذه الشعوب الشعب العربي الذي تُرسم لتفرقته وتفككه شتى السياسات. ولو تمكن شعبنا العربي من استثمار ما يملكه من رأسمال ثقافي كبير لاستطاع مواجهة تلك السياسات ولعله يحقق الغلبة على الإمبريالية الثقافية ومساراتها الداخلة تحت باب النظام العالمي الجديد.
وبالتغلب على الإمبريالية الثقافية تذوب ظاهرة التأمرك أو الأمركة وتتضاءل قدراتها في الاخضاع والتسيد وتتضعضع خططها الساعية إلى اذلال الشعوب وجعلها تابعة لثقافتها.
وبإيمان الشعوب بحقها في استثمار رأسمالها الثقافي لا تعود الثقافة العولمية هي المحرك، بل سيغدو غناها الثقافي وعراقته وتنوعه هو رأسمالها الرمزي الذي به ستتحقق متطلبات التبادل الحر وستقدر على تدويل نفسها بالشكل الذي به يصبح الإنتاج الثقافي متأصلا في المجموع بلا مركزية، ومتأتيًا من أرض محايدة بلا قطبية أو انحيازية. وهذا ما حاولت إتباعه بعض الدول النامية عقب الحرب الباردة وإن كان على المستوى السياسي فقط، فشكلت حركة عالمية هي حركة دول عدم الانحياز وقد اتخذت قرارات ومواقف مستقلة وموحدة إزاء المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي.
ولا نفع في استثمار الرأسمال الثقافي ما لم يرافقه تمثيل رمزي مما سماه أرمان ماتلار بَقْرَطة الثقافة. ويقوم هذا المفهوم على التقارب أو القرابة الذي به تتم مناهضة الامبريالية الثقافية. ومفاد هذا التمثيل أن “بيروقراطية الفن.. تعبر عن القرابة العميقة بين كل الأنظمة الاجتماعية المتعايشة في العالم على قاعدة الحفظ الانتقائي وإعادة إنتاج الماضي”. وبذلك تتحقق للشعوب فرادتها وفي الوقت نفسه ستتعاون مع غيرها من الشعوب الأخرى، كما ستنتفي حاجتها إلى القطبية والمركزية والهيمنة والأحادية ولا تعود سيادتها قائمة على الاتباع بالمعنى الامبريالي، وإنما هي سيادة قائمة على التكافؤ والتوازي والمضاهاة.
وما دامت الامبريالية الثقافية مخفقة إن لم نقل عاجزة عن تحقيق التعايش الذي به يتحقق السلام بين الشعوب قاطبة، فلا غرابة اذن أن يكون التقارب والتداخل والاندماج سمات مميزة للعصر القادم. ولقد استشرف الفرنسي بيير بيارنيس المستقبل فوجد أن القرن الواحد والعشرين لن يكون أمريكيا بل سيكون متعدد الأقطاب ومتعدد اللغات كالقرون الماضية.
وتعد الثورة التي قادها الزعيم التركي اتاتورك تمثيلا من تمثيلات الاستثمار للرأسمال الثقافي التي احتج بها بيير بيارنيس مؤكدا أنها لم تكن مجرد ثورة سياسية، وإنما هي ثورة ثقافية جذرية كسرت النظام الاقتصادي للدين وألغت هيمنة رأس المال الأجنبي وغيرت الأبجدية العربية والتقويم والعادات والتقاليد ومنعت بعض التقاليد المتجذرة عرفيا ودينيا كتعدد الزوجات، وفرضت طريقة جديدة في الملبس والعادات، ومثَّل بمدينة اسطنبول التي هي اليوم مثال على ما تقدم بسبب ما تشهده هذه المدينة من تعايش ثقافي بين عالمين علماني متحرر وإسلامي متدين.
ومن الانتقادات التي توجه إلى المجتمع الغربي الرأسمالي تمثيلاته الثقافية القائمة على التعالي والهيمنة والتي صيّرته مجتمعا يتحرى المراقبة الشاملة ويفرط في استعمال أجهزة الكشف البيومترية، وهذا الأمر كما يرى ماتلار سيوصل هذا المجتمع إلى التناقض، لأن النظام الجديد لا يقوم إلا على إحلال الأمن والإخلال به معا، منتقدا تحت عنوان لافت هو (فقدان الذاكرة والعودة إلى خانة الانطلاق) الولايات المتحدة الأمريكية لأنها نسيت حربها في فيتنام وغامرت بدخول العراق.
ولا يخفى أن الإقرار بالتنوع الثقافي هو الذي يحوّل صدام الحضارات إلى حوار الحضارات، ويجعل الثقافة بمثابة حاضنة تضم في جنباتها فاعلين جددا، يمتلكون مقومات متطورة ويتمتعون بسمات اجتماعية وثقافية وتاريخية وتكنولوجية تمكنهم من إعادة إنتاج المعارف وإنماء التدويل للإبداع انعتاقا من ضغوط الاستغلال للرأسمال البشري، وتخلصا من تبعات الاحتكار للرأسمال الاقتصادي الذي عادة ما يوجه لأغراض ربحية، وتحصنا أيضا من الانغلاق على الرأسمال الاجتماعي وسلبياته التي تتسبب في تحجيم فاعليته، مع تجنب الانحياز لرأسمال عقائدي يخدم طائفة أو ديانة مغلقا الباب بوجه من يخالفه من طوائف أو ديانات أخرى.
ولا سبيل لأي مشروع تنويري ينفض غبار التعالي ويسعى إلى التحاور والتعادل؛ إلا بإحلال الثقافة بمعناها الرحب محل النزعة المحلية الضيقة واستبدال النظرة الأحادية بنظرة اندماجية تلغي النخبوية وتنبذ التقوقع حول الذات، هذا التقوقع الذي سيجعل كل ما لدينا من رأسمال ثقافي مجمدا غير مستثمر، فضلا عن بقاء فكرة التخويف من الآخر والارتياب به حاضرة في أذهاننا دوما.
ولعل في مقدمة ما ينبغي أن نعمله على طريق استثمار رأسمالنا الثقافي هو مساندة بعضنا بعضا بصورة متكافئة تؤمن بالتعدد وتنبذ التفرقة وتتحاشى الفوضى والاتكالية وتقر باللامركزية، مع الايمان بسيادة الفعل الجماعي بلا هرمية. وقبل ذلك كله السعي إلى تمثيل الهامش الثقافي الذي له النصيب الأوفر من رأسمالنا الثقافي واستثمار هذا الهامش يعني الارتقاء المجتمعي الذي فيه تتقلص المسافة بين ما هو متعال ونخبوي ورسمي وبين ما هو شعبي وتابع ومغلوب من خلال إستراتيجية انفتاحية متحررة تنتقل بأفراد المجتمع الواحد من محبس الانتماء الثقافي المنغلق إلى فضاء التغاير الثقافي المنفتح ضمن أفق إنساني كوني عابر للخصوصيات والهويات واللهجات والمناطقيات.
* كاتبة عراقية