تفعيل المتخيل الفني يقود بطبيعة الحال إلى الإثراء والتنوع، وتأصيل المشهد المراد عكسه على جدار اللوحة، وفق إمكانية سائرة نحو تأصيل العمل وزيادة فعاليته في العطاء البصري. فاللوحة في هذا المسعى تكون حمّالة أوجه إزاء القراءة البصرية، لأنها تعتمد على ممكنات قادرة فنياً وموضوعياً على تحقيق التوازن البصري. فليس ثمة ثابت إزاء المتحرك الملازم للسطح، واستقباله للمتغيّر الذي يثري بقية المكونات في اللوحة، من أجل الإثراء المرتبط أساساً بالمتخيّل الفني ـ كما ذكرنا ـ لأن الفنان يُعطي مساحة أكثر لممارسة استغلال السطح وملئه بما هو مكمّل للبعض والكُل. هناك تآزر بين الأجزاء والكليات، لأنها تخضع لمبدأ ثابت ومتحرك في آن واحد، ونقصد به المتخيّل والسعي لملء الفجوات على السطح، بما يُغني المعنى. والفنان مصطفى جاسم يراعي هذا المبدأ الفني، فلوحاته تزخر بالتنوع والإثراء في استعمالات المفردات، لأن القاعدة التي يتعامل بها تعطيه فعل إنتاج ما يمتلك خاصية الإبداع الفني. وهذا يشمل الخطوط والرموز وتآلف الألوان.
ويظهر اهتمام الفنان بالطبيعة ومعالمها الدالة على إمكانية تحقيق (الأسطرة) في المشهد، فبيئة الريف مثلاً تمتلك هذه الخاصية منذ وعى الإنسان ما حوله واستغله لصالح التعبير باللوحة والخطوط والنحت على الجدران، لذا نجد ثمة خصائص تنتجها اللوحات نحاول الوقوف عندها. فالأسطورة في النص تخضع للاستجابة لما تركه الموروث لنا من صور فاعلة ومؤثرة في الوجدان، كذلك ما يكتنف الواقع من حراك يرقى إلى الأُسطورة، بمعنى أن الفنان يعبر الأُسطورة لتحقيق تصوراته، كما كان الفنان الأول يتعامل مع واقعه، مثل ما هي بقية المُعينات للنص البصري، الذي يتكئ على جملة رموز وأشكال تنتمي إلى هذا التصور. وهذا الفعل الفني ما ننعته بالأسطرة، أي ملء النموذج الفني بمناخ الأُسطورة ليرتقي به نحو مصاف التعبير البليغ. كذلك كان تآزر الوحدات داخل اللوحة يُتيح للمتلقي وضع النظرة الأكثر عمقاً على عمق آخر، لذا ستكون قراءتنا للوحات الفنان منطلقة من هذه الاستعمالات الفنية.
ففي مجال الملامح التي تتحلى بها النماذج، سواء كانت بشرية (البورتريه) أو طبيعية كالأشجار والنخيل والأنهار وسعة السماء. هذه المواضع المحيطة بالفنان تنعكس على مخيلته بشكل ذاتي، وتُسهم في الصعود بالواقع المُشاهد في اتجاه موضعه في الفن. بمعنى التوجه الفني الذي يسعى لإغناء النص بالوحدات والرموز كما ذكرنا. وهي الخاصية التي تحلى بها الفنانون جميعاً، وجاسم واحد منهم، ساعدته رؤيته للأشياء على وضع لمسات الخيال، وهي صفة بليغة تُغني النص التشكيلي. فالملامح في هذا الضرب من العطاء يرتقي بالواقع لدرجة التنبيه إلى ما وراء المُشاهَد.. تماماً كما يفعل النص اللغوي من بيّنات غنية.

إن التوفر على حالة عكس للسحرية في المشهد متأتية من خلق ديكور يُساهم في تصعيد بنية الخيال الصاعد في اللوحة، وهذا يشمل مفردات اللوحة وخلفيتها من خلال وضع الرموز في المكان المناسب لها، بحيث يُساعدها على التعبير المناسب والراسخ، وتسليط الضوء والإشراق على مكوناتها. يكون هذا الثراء منعكساً من خلال الرموز والأشكال الهندسية والحيوات الأُخرى، التي ساعدت على التنوع وتسخير هذه الأشكال لاستكمال سردية اللوحة فنياً، فدون هذه السردية تتوقف عطاءات اللوحة وتستقر على حال ساكن لا حياة فيه، بينما نجد الفنان باستعملاته الذكية قريبا من متحقق الفن. ولعل التركيز على الملامح على الهيئة، كالوجه في البورتريه أكد قراءتنا، خاصة السمات على وجوه الأطفال وسعة فرحهم عبر المتحقق البسيط في حياتهم البسيطة.
إن نظرة الفنان للملامح لا تستقر على حال نموذج ثابت، بل إنه يُعطي مساحة أوسع للانتماء إلى الإنسانية، فنماذجه مرتبطة بالواقع، سواء كان شرقياً أو غربياً. إنها ملامح الإنسانية، والإنسان واحد من متحقق البشرية وأصالتها. ولم يكتف الفنان لعكس الملامح عند الإنسان، بل تعدى ذلك في اتجاه الحيوان كالحصان مثلاً، الذي أُشبع دراسة ورسماً ونحتاً. لكن ما نتوفر عليه في لوحة الفنان؛ كونه يُضفي خاصية جديدة عند الحيوان، وهي خاصية التأمل والتفكر في الأشياء، فكانت حركة الرأس والعينين توحيان بالحذر وأخذ الحيطة، بمعنى تواصل عقل الحيوان بما يُشاهد، وخلق نوع من التردد، وهو سلوك بشري خالص. وقد شكّل مشهد البورتريه وجوها شعبية منحدرة من الريف، حاملة لملامح الكد والتعب والتفاؤل الذاتي، المتأتي من رسوخ الشخصية وسط البيئة تلك وعمق قناعاتهم. فالنموذج الشعبي منحنا خلاصة مهمة لدراسة الظاهرة النفسية المنعكسة على وحدات الوجه، وقد تجسد هذا المرمى في تأثير الفعل ورد الفعل على بورتريه مثّل صرخة فتاة اعتنى الفنان من خلالها بانعكاسات تجسدت في الملامح المنفعلة، نحو تصعيد وتيرة ما تسببه الصرخة من آثار على الوجه، بما يوازي ما يعتمل في الذت البشرية المتمثلة في الفتاة.
بنية اللون وسماته
إن استعمال اللون طغى على رسم الملامح، لما يدخره من طاقة معبرة. الفنان يتعامل مع اللون بتلقائية ساعدته على وضع خاصية الاتزان على تقارب وتجاور مدروس. وهي في معظمها ألوان مشرقة تعكس داخل الإنسان وهو ينعم ببيئة وارفة الجمال. لا يعتمد الفنان في استعمال اللون إلا بالقدر الذي يساعد على تمثّل الظاهرة، أو الحالة النفسية للنموذج، حتى لو كان مشهدا بيئيا، أو مكانا أثيرا، بحمولاته، لأنه يعكس دلالة اللون وتآزره مع بقية الألوان في صنع جمالية اللوحة. وهذا يتعكس على المشاهد في الريفية، حيث تغتني اللوحة بجملة خصائص فنية في تآلف الألوان ونقل مقتنيات البيئة إلى مقتنيات اللوحة، فالسحر الذي يأخذ بواقع البيئة ساعد الفنان على تصعيد وتيرة خاصية الجمال في اللوحة. وهو اختيار مدروس لتآلف الألوان مع بعضها. إن مصطفى جاسم يسعى إلى تحقيق كمال لوحته بما يأخذ به من المستلزمات الفنية ذات الرؤية الواسعة والراسخة فنياً وموضوعياً.
كاتب عراقي