غزة ـ «القدس العربي»: يتضح بشكل جلي أن التحركات التي ينفذها مسؤولو الإدارة الأمريكية، وحديثهم عن تسويات جديدة ومقترحات بخصوص التهدئة، راجعة إلى أمور لها علاقة بالانتخابات الرئاسية التي تطرق الأبواب، بدون أن يكون لها أثر حقيقي على أرض الواقع، وذلك بعد أن أغرق رئيس حكومة الاحتلال كامل عملية الوساطة في وحل الحرب المستعرة.
وكان واضحا ذلك، من عدم قدرة الإدارة الأمريكية، ووزير خارجيتها أنتوني بلينكن، على طرح الخطة الجديدة التي جرى الترويج لها خلال الأيام الماضية والقائمة حسب ما نشر على «أفكار جديدة» تقرب الآراء ما بين حكومة الاحتلال وحركة حماس من أجل البدء في تنفيذ أولى خطوات صفقة التهدئة.
فبعد جملة من التصريحات التي نسب لمسؤولين في الإدارة الأمريكية، حول نية واشنطن طرح خطة حديدة لتنفيذ بنود التهدئة، تقارب ما بين مطالب حركة حماس وتخفف من حدة شروط نتنياهو، اكتفت إدارة الرئيس جو بايدن، بدلا من عقد لقاء مفاوضات جديد يجمع حماس وإسرائيل بحضور باقي الوسطاء، بإرسال وزير خارجيتها بلينكن للمنطقة، للحديث بشكل غير عملي عن التهدئة وإمكانية عقدها، وأن ما يعتريها فقط عدد قليل من نقاط الخلاف، بعد حسب زعمه، بعد إنجاز تفاهمات على 15 بندا.
وقبيل وصول بلينكن كشفت مصادر أمريكية لشبكة «سي ان ان» أن مستشاري الأمن القومي للرئيس جو بايدن، ليست لديهم خطط وشيكة لتقديم اقتراح محدث بشأن مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في غزة، وقد دلل ذلك بشكل قاطع على أن الوساطة الهادفة لوقف الحرب على غزة التي تقترب من إنهاء عامها الأول «توقفت بشكل خطير» وفق الشبكة الأمريكية.
جاء ذلك بعد أن تحدث بعض المسؤولين الأمريكيين بانه تم الانتهاء مما يسمى بـ«اقتراح الجسر» لعرضه على بايدن للموافقة عليه قبل مشاركته مع الوسطاء الآخرين الأطراف في محادثات وقف إطلاق النار، مثل مصر وقطر، وأن مستشاري بايدن يريدون أولا أن يتأكدوا من استعداد حماس في النهاية إلى قول «نعم» على مثل هذه الاتفاقية المعدلة، رغم أنهم لا يعتقدون أن تلك الرغبة موجودة، ووفقا للتقرير الأمريكي، فإنه على الرغم من أشهر من العمل الجاد، هناك تشكك متزايد داخل الإدارة حول إمكانية إبرام صفقة قبل نهاية ولاية بايدن في كانون الثاني/يناير المقبل.
وفي دلالة على ذلك رفض المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي، قبل أيام تحديد موعد لجاهزية ما يسمى بـ«اقتراح الجسر» لكنه أكد أن الإدارة تعمل «بجدية» لإحراز تقدم.
وكانت الخطة حسب ما كشف تعتمد على أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً شديدة على الوسطاء مصر وقطر، من أجل الضغط على حماس لكي تكون مرنة.
لكن بدا واضحا أن الإدارة الأمريكية نفسها لم تستطع أن تمارس أي ضغط على إسرائيل، لسحب شروطها التي تعيق المفاوضات.
رفض الوجود الإسرائيلي
على الحدود
ولذلك لم يتحدث بلينكن الذي وصل إلى المنطقة وزار القاهرة أحد وسطاء التهدئة، والتقى فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية بدر عبد العاطي، بشكل صريح عن قرب طرح الخطة، ولا عن قرب التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة ووقف الحرب التي تشنها إسرائيل، وذلك لمعرفته بأن أي خطة ستطرح لن تكون قابلة للتنفيذ في هذا الوقت، بسبب شروط رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكررة والتي يرفض فيها الانسحاب من محوري «فيلادلفيا ونتساريم».
فوزير الخارجية الأمريكي اكتفى خلال زيارته للقاهرة، بالحديث عن عموميات فقط بشأن هذا الملف، وبدا أن هدفه فقط موجه للناخب الأمريكي الذي يريد نهاية للحرب، ويربط صوته الانتخابي بمن يقدر على فعل هذا الأمر.
وفي زيارته العاشرة للمنطقة منذ أن بدأت الحرب على غزة، قال بلينكن، أن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة هو «أفضل وسيلة لمنع المزيد من التصعيد في الشرق الأوسط» ورأى أن «حل القضايا المتبقية في اتفاق وقف إطلاق النار المقترح في غزة مسألة إرادة سياسية أكثر من أي شيء آخر» داعيا جميع الأطراف إلى التوقف عن اتخاذ أي خطوات تؤدي إلى تدهور الوضع بالمنطقة، لافتا إلى أنه ناقش مع نظيره المصري الخطط المتعلقة باليوم التالي لوقف إطلاق النار في غزة، لكن بدون أن يقدم الخطة الأمريكية التي كانت سترى النور خلال زيارته للمنطقة، ما يؤكد على فشل الجهود الأمريكية الأخيرة في التأثير على حكومة اليمين الإسرائيلية التي يترأسها نتنياهو.
وفي دلالة على عدم الرضا على الموقف الإسرائيلي الذي لا يزال يضع الشروط التي تطيل أمد الحرب، وتفشل كل الجهود الرامية للتوصل إلى تهدئة، والمتمثلة في استمرار احتلال محوري «فيلادلفيا ونتساريم» أكد الوزير المصري بدر عبد العاطي عقب لقاء بلينكن أن التصعيد قد يؤدي إلى مزيد من تدهور الموقف في المنطقة، وشدد على ضرورة العمل على إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني ووقف إطلاق النار وإتمام صفقة التبادل، كما شدد على رفض مصر لأي تعديلات على قواعد ما قبل 7 أكتوبر المتعلقة بأمن الحدود مع غزة وتشغيل معبر رفح من الجانب الفلسطيني، وكان بذلك يرد على شروط رئيس وزراء دولة الاحتلال.
كما اعتبر أن أي تصعيد بما في ذلك تفجيرات لبنان «يؤخر ويضع عقبات أمام اتفاق وقف إطلاق النار في غزة» في إشارة إلى تصعيد إسرائيل الأخير على لبنان.
ولذلك فقد ذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية، نقلا عن مصادر مطلعة، أنه رغم الحديث عن تطور يجري في اتجاه التهدئة خلف الكواليس، إلا أن «التشاؤم يسود في أوساط الوسطاء بسبب تعنت نتنياهو ومواقفه». في المقابل، وبشكل يؤكد استمرار حكومة اليمين في تصعيد الحرب على غزة، وعملها بكل الطرق إفشال كل تحركات التهدئة، لم تقم هذه الحكومة بالاستجابة لكل مطالبات الوسطاء للانسحاب من قطاع غزة في حال التوصل إلى تهدئة، وتحديدا من المحورين.
مقترح «الممر الآمن»
وفي دلالة على ذلك، واصلت سياساتها الرامية للقفز عن خطة التهدئة الأمريكية، حيث كشفت إذاعة «كان» العبرية، أن الحكومة قدمت إلى الولايات المتحدة الأمريكية مقترحا جديدا للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بغزة.
وحسب ما كشف يتضمن المقترح إطلاق سراح جميع المختطفين مرة واحدة، والسماح لقائد حماس يحيى السنوار ومن يريد الخروج معه عبر «ممر آمن» من قطاع غزة، وإطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين، ونزع سلاح القطاع، وتطبيق اتفاق سلام شامل مع إيجاد آلية سيطرة أخرى في غزة ونهاية الحرب.
ونقلت الإذاعة عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله «في ضوء الصعوبات التي تواجهها المفاوضات والوقت الذي يمر ويشكل خطراَ على حياة المختطفين (الأسرى) هدفنا اقتراح خطة ثانوية (الخطة ب) من شأنها اختصار المراحل وكل العقبات والسماح بصفقة أسرع يمكن أن تحدث إذا خرج السنوار وتنتهى الحرب، هذا سيسمح لنا بتحقيق أهداف الحرب وقيادة حماس في غزة ستغادر القطاع إلى مكان آمن».
ولم تتضمن الخطة أي حديث عن الانسحاب من قطاع غزة، وخاصة محوري «فيلادلفيا ونتساريم» وترافق ذلك وبشكل يدلل على نوايا الإبقاء على الحرب، مع شروع قوات الاحتلال خلال أيام الأسبوع الماضي، بعمليات نسف كبيرة طالت مربعات ومنازل ومناطق تقع على طرفي المحورين، ومن المؤكد أن لا يلاقي قبولا من حركة حماس التي تطلب بأن يجري تنفيذ متقرح الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي اعلن عنه في نهاية شهر ايار/مايو الماضي.
وسجلت عدة عمليات نسف على جانبي «محور نتساريم» من الجهة الشمالية مع مدينة غزة، والجنوبية مع وسط القطاع، بهدف توسيع نطاق المحور الذي يمتد من مستوطنة «بئيري» على الحدود الشرقية لوسط القطاع، حتى شاطئ بحر منطقة الزهراء غربا.
وجاء ذلك خلال توغل جيش الاحتلال على أطراف حي الزيتون بمدينة غزة، ودخولها من جديد بلدة الزهراء شمال المنطقة الوسطى.
في الموازاة سجلت أيضا عمليات نسف لمباني سكنية كثيرة تقع قرب الحدود الفاصلة مع مصر والمعروفة باسم «محور فيلادلفيا».
وترافق ذلك مع تصعيد عمليات التوغل البري في رفح وقرب الحدود مع «محور نتساريم» وتنفيذ جيش الاحتلال سلسلة مجازر دامية، طالت العديد من مناطق قطاع غزة، وتحديدا شمال القطاع، حيث تعرضت عدة بلوكات سكنية لعمليات تهجير قسري، مع بدء جيش الاحتلال عملية عسكرية هناك، وعلى الأطراف الجنوبية الشرقية لمدينة غزة، وعلى أطراف المناطق الشمالية الشرقية لوسط القطاع، وفي كافة مناطق مدينة رفح.
خطط عسكرية لإدامة الاحتلال
ولم تكتف قوات الاحتلال بذلك، بل قامت بارتكاب سلسلة مجازر دامية، تمثلت في نسف منازل ومربعات سكنية فوق رؤوس ساكنيها، وكذلك قصف عدة مراكز إيواء في مدارس نازحين وفي مناطق الخيام، لتوقع خلالها عشرات الضحايا بينهم أطفال ونساء.
وكان أكبر دليل على نوايا الاحتلال باستمرار الحرب ضد غزة، ليس فقط تصعيدها الدامي على جبهة لبنان، وهو أمر يؤخر أي جهود رامية للتهدئة في غزة، بل من خلال الكشف عن عودة وحدة الاحتياط الخامسة المنبثقة عن «الفرقة 252» للقتال في غزة للمرة الثانية منذ بدء الحرب، وهذه الوحدة كانت قد نشطت سابقا لمدة شهرين في بيت حانون وعدد من الأحياء الواقعة وسط قطاع غزة.
وفي هذا السياق، قال وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت، إن تل أبيب في بداية مرحلة جديدة من الحرب، وتقوم بتحويل القوات والموارد والطاقة نحو الشمال، وأضاف وهو يتحدث رغم ذلك عن بقاء الحرب والهجمات ضد غزة «لم ننس المختطفين (الأسرى الإسرائيليين في غزة) والمهمات في الجنوب (الحرب على غزة) وهذا واجبنا ونقوم به في ذات الوقت» وقال منذرا «نحن في بداية مرحلة جديدة من الحرب، وهذا يتطلب منا الشجاعة والتصميم والمثابرة، ومن المهم جدا القيام بالأشياء بالتعاون الوثيق بين جميع المنظمات وعلى جميع المستويات».
وترافق ذلك مع كشف هيئة البث الإسرائيلية، عن قيام جيش الاحتلال بدمج جنود من سلاح البحرية، كجنود مشاة للمشاركة في العمليات العسكرية ضد غزة، بسبب نقص الجنود، وذكرت أن الجيش بدأ بإنشاء كتيبة جديدة في فرقة المشاة 96 لدمج جنود سلاح البحرية فيها بعد خضوعهم للتدريب. وتدلل مجمل التطورات التي قامت بها دولة الاحتلال وجيشها على الأرض في قطاع غزة، أنها لا تزال ماضية في شروط نتنياهو التي ترفضها حركة حماس، وتحول دون انهاء الحرب، وفي مقدمتها البقاء في محوري «فيلادلفيا ونتساريم» وهو أمر لم تعد ترفضه حركة حماس بمفردها، بعد إعلان مصر بشكل واضح رفضها أي وجود إسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب ما بينها وبين الحدود الفاصلة عن قطاع غزة.
وفي هذا السياق، كشف النقاب أن الرؤية التي عكفت الإدارة الأمريكية على تقديمها من دون أن تنجح، لا تتضمن حلولا حقيقية للعقبات التي أعاقت المفاوضات السابقة، كما لا تقدم أي التزام بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة مصر.
ولذلك نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن كبار المسؤولين الأمريكيين، قولهم إنهم لا يتوقعون أن تتوصل إسرائيل وحماس إلى اتفاق قبل نهاية ولاية الرئيس جو بايدن.
وجاء ذلك في ظل رفض نتنياهو للانسحاب رغم أن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي، دحضوا ادعاءات نتنياهو بشأن «محور فيلادلفيا» وأكدوا أن جميع الأنفاق التي أقامتها حماس تحت المحور لم تكن نشطة خلال السنوات السبع الماضية ولم يتم تهريب أي ذخيرة عبرها، خلافا لما يزعم به نتنياهو من أجل الإبقاء على الحرب.
غير أن هناك متشددين يمينيين يساندون خطط استمرار الحرب، حيث كشف النقاب عن قيام27 وزيرا ونائبا إسرائيليا، لإعلان شمال غزة «منطقة عسكرية» وضرورة إخلائها من الفلسطينيين، ومنع دخول المساعدات الإنسانية إليها، ضمن خطة أعدها جنرالات سابقون لاحتلال تلك المناطق واستيطانها.
وجاءت مطالب هؤلاء في رسالة وجهت إلى نتنياهو في خضم التصعيد العسكري المستمر ضد غزة بحجج محاربة حماس، واعتبروا أن هذه الاحتلال يأتي في سياق استراتيجية عسكرية.
والجدير ذكره أنه تم إطلاق هذه الرسالة من قبل منتدى يُدعى «منتدى القادة والمحاربين في الاحتياط» وتم الترويج لها في «الكنيست» من قبل عضو الكنيست عن حزب الليكود، أفياحاي بورون، وتشمل ما تعرف بـ «خطة الجنرالات» التي حظيت بدعم عدد من الجنرالات المتقاعدين، أربع مراحل، أولها نقل السكان المدنيين في شمال غزة إلى جنوب القطاع من «محور نتساريم» وفرض حصار على الجزء الشمالي من قطاع غزة وإعلانه «منطقة عسكرية مغلقة» ومنع إيصال المساعدات إلى المنطقة؛ وتطبيق إجراءات مماثلة في مناطق أخرى من قطاع غزة.
رد حماس
والجدير ذكره، أن عضو المكتب السياسي لحركة حماس حسام بدران، قال إن حركته لا تعول على زيارة بلينكن، موضحًا أن التوصل لاتفاق يقتضي ضغطاً أمريكيا جادا على نتنياهو.
وشدد بدران في تصريحات صحافية على أن نتنياهو هو من يعطل الاتفاق «كونه لم يعطِ موافقة واضحة حول نقاط الاتفاق» مشيراً إلى أن نتنياهو يضع شروطاً تعجيزية عمداً لتخريب أي فرصة للتوصل إلى اتفاق.
وقال «قضية الأسرى بالغة الأهمية، وهي إكرام للشعب الفلسطيني بنضاله ضد المحتل» مؤكداً أن عقد صفقة تبادل مع الاحتلال حق الأسرى الفلسطينيين في رقبة المقاومة، وشدد في ذات الوقت على أن الاحتلال يمثل خطرا على العرب وعلى كل المنطقة.
أما القيادي في حركة حماس أسامة حمدان، فقد اتهم الولايات المتحدة، بأنها لا تبذل جهودا كافية لإجبار نتنياهو على وقف الحرب، ولا تضع حدا لإراقة الدماء، وقال «بل تحاول أن تبرر تملص الجانب الإسرائيلي من أي التزام».
وقد أكدت حركة حماس كذلك على لسان القيادي هاشم قاسم، على موقفها الواضح من المفاوضات، والمتجاوب مع كافة المبادرات بما يحقق مصالح الشعب الفلسطيني، وحرصها على الوصول إلى وقف دائم للعدوان وانسحاب كامل من القطاع، وحرية عودة النازحين إلى أماكن سكناهم، وإعمار ما دمره الاحتلال، وصولاً إلى صفقة حقيقية لتبادل الأسرى.
وحمل القيادي في حماس نتنياهو وحكومته «الفاشية» مسؤولية تعطيل مسار المفاوضات، بإصراره على وضع شروط جديدة معطّلة للاتفاق، وقال إن الأمر بات معروفاً للجميع بمن فيهم الوسطاء.