التونسية حياة الرايس في «بغداد وقد انتصف الليل فيها»: كتابة الذات وتشكيل الهوية الفردية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في إطار الانطلاق من النظريات الأدبية، نجد مقاربة السيرة الذاتية تأثرت إلى حد بعيد، من خلال طبيعة هذه النظريات والجدل المستمر بينها، فهناك نظريات تنطلق من التحديد التاريخي الصارم، فتفرّق في ذلك الإطار بين الراوية والرواية السيرية وكتابة المذكرات واليوميات. ويبدو مصطلح (كتابة الذات) جامعا لأشكال كتابية كثيرة تتمحور كلها حول الذات، بكل ما توجبه من وجود ذات متعينة ومحددة من خلال التشابه المعقود والمستمر بين البطل المتخيل والواقعي، حيث يطل فاعلاً ومشيراً إلى كل الأشكال السردية التي تهتم بهذا المنحى، سواء كانت الرواية أو السيرة الذاتية أو روايات السيرة الذاتية، أو المذكرات أو اليوميات.


كتابة الذات: سرد تصاعدي وذاكرة منفتحة
بداية من المفتتح المأخوذ من إيزابيل اللندي يتعين الهدف من كتابة السيرة الذاتية أو الرواية السيرية «بغداد وقد انتصف الليل فيها» للكاتبة حياة الرايس، حيث تنطلق من الحدث الجلل الذي يجعل مقاربة الحياة قبل ذلك الحدث مختلفة عن مقاربتها بعده، لأنه حدث فارق، شكل الانتقال من سياق إلى سياق، حتى لو كان الفارق بين البيئيتين ليس كبيرا، فإن مجرد الحركة ومعايشة أناس آخرين يتحركون وفق سياقات سياسية وثقافية مختلفة يؤدي بالضرورة إلى مساءلة المستقر والمعهود، ومن ثم إلى زلزلته.
هذا الحدث المهم- الهبوط إلى بغداد في منتصف الليل- يصبح فارقا بين عالمين، ويصبح الخط الفاصل بين زمن ماض سابق، وزمن آني – السرد التصاعدي – منفتح على المستقبل، وقد كان لتلك البداية في هذه الرواية السيرية التأثير الأهم في تشكيل بنية العمل في تجليه موزعا بين سرد تصاعدي وانفتاح على الماضي للكشف عن المكونات الأساسية للذات ولطبيعتها، وللكشف عن ملامح هذه الذات الفريدة التي ترى في طريقها ثمة مغايرة تستحق أن تصبح نسقا بات جاهزا لتقديمه للآخر، بما يحمله من خصوصية مقاربة للحياة والوجود.
ويبدو أثر المغايرة أو الاختلاف واضحا في النتيجة التي يتركها هذا الوعي المشكّل بالتدريج على صاحبة السيرة، فقد تغيّرت الروح، وكأن فيروسا أصابها مثلما يتجذر الفن أو تشكل الموهبة روح الفنان أو المبدع، تقول الكاتبة في نهاية روايتها: «كنت أشعر أن الذي هاجر وخرج لسنوات عديدة من بلده لن يعود إليها أبدا بروحه كما كان، وإن عاد بجسده، ولم تعد تقنعني حدود تونس».
ولهذا يجد القارئ تعددا في التبريرات لهذا الانتقال بين الرغبة في دراسة الأدب العربي ببغداد وفرض دراسة الأدب الفرنسي بتونس، ولكن هذا السبب يخفت وميضه بالتدريج، حيث يدرك القارئ أن الانتقال لم يكن إلا ذريعة للتحقق، والبحث عن ملامح صورة متخيلة للذات، وكأن هناك ندّاهة تجعل هذه الحركة استجابة لقوة عليا لإضفاء نوع من ملامح التميز والمغايرة. تتشكل هذه المغايرة – على حد تعبير نص الرواية –  في إطار»نظرة مشحونة مجنونة بحب المغامرة والسفر.. والشغف بمصير جديد أحسب أنني سأصنعه بيدي غير الذي كتب لي وولدت ونشأت عليه».
يكشف عن فاعلية ذلك الحدث والتحول منطق التكرار الدوري في الصفحات الأولى لعنوان الرواية «بغداد وقد انتصف الليل فيها» للإشارة إلى قيمة الحدث، وأنه لا يمكن استجلاء ملامحه ونتائجه في إطار توجه وحيد للكشف، وإنما يحتاج- لعظم تأثيره وحجم هذا التأثير حتى لو كان بابا لحلم متوار. تكشف عن ذلك أيضا الغنائية التي توقف حركة السرد في البداية، فيتجلى السرد وكأنه حركة من الثبات لاستجلاء ملامح اللحظة، والثبات هنا مشدود للغة الشعرية المجنحة للإشارة إلى لحظة الميلاد، لحظة الوعي ومباشرة الحياة دون وصاية خارجية زاعقة، فكأن اللغة الشعرية المجنحة بالإضافة إلى تداخل عوالم بغداد بين القديم والحديث وانفتاحها دون رابط تدعونا للوقوف لمعاينة جلال اللحظة التي تمرّ بها الذات، فكل الأحداث القادمة مرتبطة بها ومشدودة إليها.
في ظل الآلية الفاعلة الخاصة بالسرد التصاعدي والذاكرة المندفعة إلى الماضي تشكل إيقاع الكتابة، فليس هناك حركة للإمام دائما فهناك حركة مثيرة لاستعادة الماضي وتقديمه جنبا إلى جنب مع الحاضر. فالاهتمام الأساسي في الرواية السيرية مشدود إلى الذات، فالحديث عن الأب المغاير في نظرته وكرهه للفرنسيين وحبه للعروبة والإسلام، وكذلك الحديث عن الأم في نهجها المؤيد للخروج من شرنقة النساء للبعد عن هيمنة الرجال، والانفتاح على بغداد بعد القطيعة حتى عام 1977 بسبب حزب البعث الاشتراكي الممنوع بتونس، كلها جزئيات لا يتم التوجه إليها لذاتها، وإنما لدورها في تشكيل الذات، وفي تحديد طبيعة الحركة والتوجه، لأن سلوك الأب والأم بالإضافة إلى السياق العام يأتي في هذا الإطار وكأنه انتخاب للتهيئة والتشكيل الخاصين بالذات.
يأتي تصوير القسيم الأنثوي في لحظات كسر الإيقاع التصاعدي الذي تمت هيكلته وفق توجيه فني لافت، فجميع النساء قدمن بشكل إيجابي كاشفا عن القدرة على الفعل والعطاء والإحساس بالذات والشعور بقيمة الوجود المغاير بعيدا عن سطوة النسق، وذلك للإشارة إلى الذات صاحبة السيرة وطبيعة التدرج في الخروج، فدورها سبقته أدوار أخرى، وهي كذلك بثقلها الفاعل لم تنبت من فراغ، فقد كانت نتيجة لمقدمات، ولتشكيل خاص، ففي لحظتها الزمنية تجمعت كل هذه الأدوار وأخذت شكلها النهائي من خصوصية التجربة الحياتية المعيشة.
فإيقاع الحركة الزمني في هذه الرواية السيرية ليس خطيا، وإنما يخضع لحركة المعنى المشدودة لبناء عالم الذات الذي تتداخل فيه العوالم وتتحرك بحرية داخل الذهن بسبب ما تثيره المواقف من ارتدادات زمنية، فالزمن لا ينمو بشكل تراتبي، وإنما متقطع، فبعد تحرك السرد للأمام ترتد حركة المعنى في جزئيات كاملة للكشف عن طبيعة الوجود السابق للذات وعن ارتهاناتها وسياقاتها.
في آخر جملة في الرواية التي تكشف بشكل فيه نبوءة عن جزء ثان للعمل في إطار الرحلة إلى فرنسا يجد القارئ نفسه مضطرا لإعادة معاينة العمل مرة أخرى، ويقفز إلى الذهن سؤال هل كان الرحيل إلى بغداد مقصدا من البداية؟ أم يظل وفق معاينة الجملة الأخيرة وإيقاع حضورها في صفحات الرواية بوصفها فكرة مجرد تكوين وتهيئة وتشكيل لرحيل أكبر ظل متواريا داخل الذات يمنع ظهوره سطوة حضور الأب؟
حركة الذات المغايرة تنطلق من البحث عن المعرفة والبعد عن اليقين بقيمة ما لدي والاستنامة إليه، تقول الرواية: «هل كان القدر مستعجلا جدا عندما رمى بي في بغداد بينما كنت أريد باريس. ما أصعب أن تعيش في بلد وتحلم ببلد آخر. وهذه ليست المرة الأولى التي يغربني فيها قدري عن حلمي».

الوعي المغاير: الهوية الذاتية
لماذا يكتب الأديب أو أي شخص سيرته الذاتية؟ يكتبها بالضرورة لأسباب عديدة، منها منطق الكشف عن حياة لها أهميتها يمكن أن تتحول إلى نسق يتمّ تقليده، وتتم من خلاله والسير على هداه صناعة القوة النفسية للآخرين والأخريات لتذويب وتقليل الصعوبات، بوصف هذه السيرة تشكل منهجا تغلب على كل الصعوبات والظروف الضاغطة المحيطة.
ومنها – أيضا- منطق تثبيت طبقة معرفية مرتبطة بالوعي الفردي، خاصة أن هذه الرواية السيرية تركز على تلك المساحة الزمنية من العمر المرتبطة باكتناز الوعي واكتسابه. فتثبيت الطبقة المعرفية بلحظتها وسياقاتها الحضارية لوعي خاص ربما يكون لها الوجود المهم في ظل سيرة ذاتية لا تخرق مواضعة اجتماعية أو ثقافية، وإنما تُبنى بالتدرج على الممكنات والمتاح بمساعدة المحيطين الذين يملكون وعيا حادا ولافتا وسابقا على زمنهم. وتصبح قيمة هؤلاء في السعي نحو تحقيق الذات انطلاقا من وعي خاص لا يركن إلى المتاح، ولا يتشبث بالقيود والانضواء- مثل الأخريات- في مسارب جاهزة للحركة. إن ما تقدمه هذه الرواية السيرية وعي آني لحظة الكتابة، وهو مختلف بالضرورة عن الوعي الملازم للحظة معايشة التجربة والمرور بها.  فكل ما نقوم به – في لحظة المرور بالتجربة- لا نعرف له مبررا واضحا كافيا لتفسير لماذا هذا التوجه دون غيره؟ ويظل هذا السؤال أمام أعيننا مقلقا بالرغم من حدوثه في فترات سابقة. ويظل في معرض دائم أمامنا للوصول إلى سبب أو تبرير.
فالقارئ في الرواية السيرية «بغداد وقد انتصف الليل فيها» أمام محاولة لتشييد وعي مغاير يبنى على وعي قديم لإعادة التأمل والتفسير، ولإعادة تأمل الخيارات التي تمت على هذا النحو في وقت سابق، زمن لم يكن يعطي لهذه الأسئلة ذلك البراح من التجلي والمعرفة، ولم تكن الذات صاحبة السيرة لديها القدرة على تقديم إجابات، هي- فقط- تقوم بالاختيار ضمن تأسيس وتكوين داخلي مشدود لخيار دون آخر.
يمارس فعل الكتابة للوصول إلى هذا الهدف نوعا من التوجيه السردي المبكر بداية من تشكيل السياق الأسري المحيط والسياق العام الأكبر، سواء في تونس أو في بغداد، ومن خلال هذا التوجيه السردي يتمّ التركيز على جزئيات محددة لتشكيل الهوية والحفاظ على ملامح أيقونتها، وبالمثل يتمّ تغييب جزئيات أخرى أو من خلال تركها غير مكتملة ناقصة حيث تصبح مصدر تساؤل.
فللوصول إلى هوية ذاتية فردية لها ملامح تجعلها شبيهة بالنمط انطلاقا من خصوصيتها تفرض الذات حضورها من البداية بوصفها المحرّك لجزئيات الكون الروائي، وذلك من خلال فعل التوجيه السردي لتأسيس وعي الذات المغاير في مقاربة العالم، بداية من الخروج عن النسق النوعي الجنسي (البيولوجي) على مدى صفحات الرواية.
ولا ينفصل تأسيس الهوية الذاتية الفردية عن التعلق بنماذج فاعلة لها ملمح أسطوري تحاول الذات الانتساب إليها والارتباط بأطرها الدلالية فشهر زاد من خلال فعل (الحكي والسرد) زلزلت التراتبية بين الفاعل والمنفعل، والتابع والمتبوع، وجلجامش في بحثه عن الخلود، وعشتار في انبعاثها المستمر، كلها جزئيات منفتحة على الفاعلية والخلود والاستمرار للتوازي مع الكتابة أو الإبداع بوصفه نسقا خالدا تمّ اختياره في مقابل المتحلل والمتلاشي: «كنت أتشبث بالحرف وأتسلح به لأقوى على تجاوز ذات مهددة بالذوبان الكامل في الآخر، كنت أجاهد للامتلاء بمشروع آخر، لكي لا أنتهي عند حدود الزواج والإنجاب، كنت خائفة حد الهوس أن يأخذني الزواج والأولاد من الكتابة».
فعل التغييب السلبي الكاشف عن وجود فجوات يتجلى لافتا في إطار فوبيا المراقبة في جزئيتي الانتماء إلى الحزب، ومصير علاقة الحب التي جمعتها بالشاب المسئول عنها، فكأن الرواية تمارس تغييبا متعمدا لجزئيات خاصة للمحافظة على نصاعة النمط المشدود كليا للكتابة وارتهاناتها الموضوعية المثالية، وبحثها المستمر عن سلطة نموذج متخيل يرتبط بالأفكار الكبرى مثل الخير والحب والجمال والعدل.

حياة الرايس: «بغداد وقد انتصف الليل فيها»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2021
264 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية