ربما ستنتمي 2018 في سجلات التاريخ إلى مجموعة الأزمنة المظلمة التي استحكمت بحياة بشر هذا العصر وفاقمت شعورهم بالعجز والعبثيّة في مواجهة تقلبات السياسة وانبعاث الوحوش إلى ساحة الواقع، بعد أن كدنا نصدّق حكاية عودتها دون رجعة إلى أسفار الأساطير القديمة. لكن هذا العام عند مؤرخي الحياة الثقافيّة وصناعة التلفزيون في الغرب تحديداً بداية من نشرات الأخبار إلى البرامج الوثائقيّة وانتهاء بالمسلسلات سيكتب نجماً مضيئاً شهد عدة تحولات نوعيّة في طبيعة تعاطي الصناعة عموماً مع جمهورها وتعافي قدرتها على إعادة استقطابه من جديد على نحو سيُثري من دون شك محتوى منتجات تلك الصناعة الإعلاميّة كما شكلها الفنيّ في قادم الأيام.
نشرات الأخبار: المجد لعدونا ترامب
كانت القنوات الإخباريّة الرئيسة في الغرب مثل “سي أن أن” و”أم أس أن بي سي”، كما بيوتات الصحافة الكبرى مثيلات “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” قد فقدت ثقة الجمهور وإقباله معاً بعد موجة فضائح نشر الأخبار الكاذبة والتقارير الملفقة والمنحازة أيديولوجياً لمصلحة الحكام النيو- ليبراليين، لا سيّما خلال مرحلة التحضير لانتخابات الرئاسة الأمريكيّة 2016، لدرجة أن بعض تلك المؤسسات بدأ فعلياً بالتفكير في إعادة اختراع ذاتها لأجل استعادة بعض من مجدها السابق. لكن فوز دونالد ترامب بالمنصب غيّر قواعد اللعبة برمّتها. إذ رغم الحرب الشّاملة التي شنّها الرئيس الجديد على ذات البيوتات متهماً إياها بترويج أخبار ملفقة عنه وعن أعوانه فإنها استعادت شيئاً فشيئاً ومن حيث لم تتوقع إقبال الجمهور مجدداً – وإن لم تستعد ثقته بعد – للتمتع الفضوليّ بتراشق مبتذل أحياناً وغير مسبوق بين طرفي النخبة الأمريكيّة، ليُسجلّ عام 2018 أعلى معدلات نسب استقطاب الجمهور إلى التلفزيونات الأمريكية منذ خمس سنوات، وهو تماماً ما حصل في بريطانيا أيضاً التي فقدت البرامج الإخباريّة والسياسيّة على شاشاتها التلفزيونية ملايين كاملة من متابعيها بالنظر إلى انعدام ثقة الجمهور بالمحتوى المقدّم، ولم تبدأ نسبياً بالتعافي (لناحية الإقبال لا الثقة) إلا عند احتدام الجدال مجدداً نهاية 2018 حول مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي (أو ما يعرف بالبريكست) ومواجهات زعيم المعارضة العماليّة جيريمي كوربن مع رئيسة الوزراء تيريزا ماي العلنيّة تحت قبة البرلمان البريطاني، كما في ألمانيا وفرنسا التي استعادت تلفزيوناتها ولو مؤقتاً بعضاً من جمهورها فقط بعد اهتزاز الاستقرار السياسي فيهما، وإن بقي ذلك محصوراً في فئة المشاهدين كبار السن فحسب دون الشبان.
في عالم الوثائقيات: غلبة السياسة
2018 عام ذهبيّ بالنسبة إلى صناعة الوثائقيات عموماً إذ شهد توظيفاً علنياً وبميزانيات ضخمة للأفلام الوثائقيّة التلفزيونيّة في الصراعات السياسيّة ومن مختلف الأطراف، ليختتمها مايكل مور عميد الصناعة الوثائقيّة الجليل بفيلمه الجديد فهرنهيت تسعة نوفمبر (Fahrenheit 11/9) الذي شنّ فيه هجوماً لاذعاً على عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بوصفه البيئة التي أنتجت للأمريكيين (والعالم) دونالد ترامب. لكن التحوّل الأهم الذي انتهت إليه صناعة الوثائقيّات نتيجة تسرّب صراعات السياسة إليها كان تكَرُّسَ نموذج الفيلم الوثائقي التلفزيوني الطويل وتحوله إلى مصدر دخل تجاريّ جزيل الربح بالنظر إلى قدرة بعضها الفائقة على استقطاب جمهور كثيف سواء إلى شاشات التلفزيونات أو منصات التوزيع على الإنترنت (نيتفليكس وشقيقاتها) أو حتى إلى دور السينما. وقد أعطى تكرّس هذا النموذج الشجاعة لصانعي أفلام كثراً لإنتاج أعمال تتراقص على الحدّ الفاصل بين الدّراما والوثائقي حققت نجاحات مرموقة فتحت شهيّة آخرين على الولوج من ذات البوابة لإعادة تقديم السرديات التاريخيّة وفق أهوائهم – مثل مسلسل التاج (The Crown) الذي يقدّم نوعاً من سرديّة رسميّة لحياة ملكة بريطانيا الحاليّة وسيلحقه قريباً (جوزفين ونابليون) البريطاني – الفرنسي المشترك المنتظر إطلاقه ربيع 2019.
في الدراما: المحتوى قبل الشكل دائماً
لم تعد المسلسلات الدرامية بقادرة على مجاراة التشويق والإثارة والغرائبيات التي تقدّمها الأحداث اليوميّة لدرجة أن موسم بيت من ورق الأخير (House of Cards – 2018) عن أجواء نخبة السلطة الأمريكيّة في واشنطن – والذي كان في موسمه الأوّل وراء تأسيس سمعة وانتشار منصة البث الرقمي للأعمال الفنيّة نيتفليكس –فقد القدرة على استقطاب المشاهدين بعد أن أصبحت الأحداث التي نسجها محضُ الخيال شديدة السّذاجة في موازاة تقلبات تلفزيون الواقع الذي يقدّمه دونالد ترامب الرّجل البرتقالي المُنتخب لقيادة دولة العالم الأعظم وحاشيته المفككة الأوصال.
الاستثناء كان بريطانيّاً بامتياز من خلال “الحارس الشخصي” (Bodyguard الموسم الأوّل – 2018) الذي نجح عبر حبكة معقدّة باستعادة ما يزيد عن 10 ملايين بريطاني من نيتفليكس وشقيقاتها ليتسمروا مجدداً أمام الشاشات التلفزيونيّة مساء كل أحد شهرين متتالين لمتابعة انعطافات ملابسات اغتيال وزيرة داخليّة بريطانيّة، هذا ناهيك عن عدد أكبر من متابعي خدمة إعادة العرض على الإنترنت والهواتف الذكيّة الذين تجاوزوا كلّ الأرقام القياسيّة لمشاهدة المسلسلات الدراميّة في الذّاكرة الحديثة للبريطانيين. وعلى الرّغم أن القصّة نالها نقد شديد للعبها على ذات موجة (الإسلاموفوبيا) التي تجتاح الغرب، فإنها نجحت وإلى حد بعيد في توحيد مشاعر البريطانيين الوطنيّة المنقسمة بشدّة حول البريكست ضدّ عدو مشترك متخيّل (الإرهاب الإسلامي الغادر الذي يحارب الغرب بجدول أعمال غايته التخريب لأجل الانتقام!). لكن بعيداً عن المضامين السياسيّة والرموز الثقافيّة التي حملها المسلسل، فإن (الحارس الشخصي) قدّم درساً بليغاً لكل العاملين في الوسائط الإعلاميّة التقليديّة على تنوعها صحافة يوميّة ومجلات أو تلفزيونات أو حتى مواقع الإنترنت الذين أكثروا النواح لتراجع إقبال الجمهور على منتجاتهم وتقلّص حصصهم الإعلانيّة لمصلحة الأشكال الجديدة من الميديا دون أن يخطر لهم قراءة ذلك التراجع على أساس تردي نوعيّة محتوى ما يقدمونه لذلك الجمهور – بغض النظر عن الشكل – والذي يدفعه دفعاً للهجرة نحو الوسائط الجديدة. فهذا المسلسل المشّوق نجح باستقطاب جمهور هائل مجدداً لشكل تقليدي من الإعلام مكتسحاً خلال وقت الذروة كل الوسائط الأخرى الحديثة، في الوقت الذي كاد فيه منتجو التلفزيون أن يفقدوا الأمل من استعادته لشاشاتهم يوماً وبدأوا بالفعل بإنشاء تحالفات مضادة لمواجهة نيتفليكس وشقيقاتها.
في عالم الجنس: النّساء ينتزعن البطولة
أُقتل إيف (Kill Eve الموسم الاوّل – 2018) كان نقلة نوعيّة في الأعمال الدراميّة الغربيّة لناحية تجرؤ المخرجين على منح النساء البطولة المطلقة في أدوار ارتبطت تاريخيّاً بممثلين رجالاً. أل بي بي سي أنتجت هذا المسلسل البوليسي الذي تقاسمت بطولته ممثلتان وأطلقته بداية في السوق الأمريكية – الأكثر انفتاحاً نسبياً من السوق البريطانيّة – وقبل عرضه محلياً بعدة أشهر. كانت تلك كما مقامرة خطرة في التلفزيونات الأنغلوفونيّة : فهل سيتقبل الجمهور هذي النوعيّة من المسلسلات ببطلات إناث لا يتبعن الأشكال التقليديّة لأدوار بطلات الدراما التي لطالما فرضتها القواعد البطريركيّة غير المكتوبة؟ وهل وصل التغيير الاجتماعي الذي طال المجتمع الغربي برمته حول مساحات التعبير الممكنة للنساء بعد كشف بعضهن عن فضائح هارفي وينستين ورفاقه في هوليوود؟ الإجابة كانت صدمة للجميع وأوّلهم منتجو (أُقتل إيف) الذي حقق نجاحاً تجارياً مرموقاً، وحصل على تقييمات إيجابيّة من غالبيّة النقاد التلفزيونيين، وهو ما شجّع ال بي بي سي للإسراع بتقديمه للسوق البريطانية على شكل مسلسل أسبوعي بموازاة توفير كل الحلقات معاً على خدمة منصة الإنترنت والهواتف الذكيّة، وهو ما منحه فرصة انتشار مضاعف على هذا الجانب من الأطلسي أيضاً.
(أُقتل إيف) الذي يمثل التحاقا بريطانيا بموجة بدأت في تلفزيونات اسكندنافيّة منحت النسّاء بطولات أولى، رافقته أيضاً تجربة استثنائيّة مماثلة بتولي ممثلة أنثى ولأوّل مرّة تقديم الدور الرئيس في دكتور هوو (Dr. Who ) مسلسل الخيال العلمي الشعبي البريطاني المستمر منذ سنوات طويلة على الشاشات التلفزيونية (36 موسماً إضافة إلى فيلم سينمائي)، ثمّ لاحقاً إعلان منتجي سلسلة أفلام البروباغاندا البريطانية العميل السريّ جيمس بوند عن قرارهم غير المسبوق بمنح الدّور الأول بالنسخة القادمة لامرأة في تحد مباشر لتاريخ المسلسل البطريركي النزعة بالتعامل مع الإناث حيث هن مساندات ثانويات للبطل الفائق الذكورة الذي يرمز لكل ما هو إمبراطوري في العقلية البريطانية أو مجرد عشيقات يتسابقن على الخضوع لرغباته، فكأن الإمبراطورية العجوز تجمّل تاريخها بارتدائها وجه امرأة.
2018 “تلفزيونياً”: يا لها من سنة.
إعلامية لبنانية تقيم في لندن