نتنياهو يحرض ويبكي ويظهر أعراضاً مقلقة تدل على فقدان أعصاب. “لا يتم بناء قيادة بالمسكنة”، قال إسحق رابين عن شمعون بيرس ذات مرة. مرت ثلاثة عقود، وتدهورت القيادة الوطنية وانعدمت تقريباً. ولكن حالة التباكي والمسكنة وصلت إلى الذروة، ورافقتها أعراض مقلقة من فقدان الأعصاب التام والذعر الشديد. لا يمكن محاكمة رسالة نتنياهو لافيحاي مندلبليت بأدوات صحافية معتادة على شاكلة الرواية “أ” مقابل الرواية “ب”؛ أو ادعاء مقابل رد. هذه الورقة تتجاوز قيود الحملة الإجرامية التي يديرها المتهم بتلقي الرشوة والخداع وخيانة الثقة ضد المستشار القانوني الذي قرر تقديمه للمحاكمة بعد أن أشرف عن كثب على كل العملية وأبطأ وتيرة التحقيقات، وأغلق ملفات بالجملة له ولزوجته.
كل السطور الموجودة في تلك اللائحة المسيئة والعاطفية والمجنونة خاطئة أو وهمية أو مبالغ فيها أو مشوهة، وهي مكتوبة في ذروة نوبة غضب. ورد المستشار القانوني بوثيقة فندت أكاذيبه واحدة بعد أخرى، وتجاوز المزاج القانوني الجاف وحذره قليلاً، مع فقرة ختامية ترمز إلى تهمة قال فيها: “لقادة الجمهور دور رئيسي في تهدئة النفوس”، وهذا مثل القول للشمس بأن لها دوراً رئيسياً تلعبه في الحرارة.
“هناك حملة تحريض غير مسبوقة تتضمن دعوات عنف لقتلي وقتل أبناء عائلتي”، كتب نتنياهو. غير مسبوقة؟ لقد انتخب على ظهر رئيس حكومة مقتول، نتيجة التحريض الوحشي الذي اعتبر أحد قادته الأوائل. نشطاء يمين جرى تحريضهم وقفوا في كل جمعة وعشية السبت أمام مدخل بيت عائلة رابين في “رمات افيف”، وأملوا بأن تكون نهايتهم مثل “موسوليني وعشيقته” (معلقون من أرجلهم). هل يعدّ هذا أقل خطورة من ثلاثة بالونات على صورة أعضاء تناسلية ذكرية؟ أو حتى من منشور هستيري (تبين أنه نشر قبل سنة ونصف، وتحقق مع كاتبه قبل ساعات من إرسال تلك الرسالة المقيتة لنتنياهو).
ثمة أحكام شرعية تتطرق إلى أحكام “المضطهد” و”الأخلاق”، كتبت بوفرة ضد رابين في فترة أوسلو وضد أريئيل شارون في فترة الانفصال. وطلب عضو كنيست من الليكود، الذي أصبح بعد ذلك وزيراً في حكومة نتنياهو، إخراج ليلي شارون من قبرها في “جفعات كلنيوت”، واختار الأرمل التطرق إلى ذلك بسخرية: لقد سمى ذلك الشخص بالحانوتي. كم نفتقد السخرية الصحية لشارون، وكم تنقصنا زعامته الواثقة هو ومن سبقه ومن جاء بعده إلى أن جاء بيبي، وإلى أن تحول اثنان من أبناء عائلته إلى جزء لا يتجزأ من الحكم.
حقق نتنياهو العنوان الذي بحث عنه، وستشعل رسالته المنشورات المجرمة وشبكات البيبيين. مالت نشرات الأخبار في هذه الأثناء بدرجة أقل إلى الانشغال بمسألة كيف تم تعليق لافتة كبيرة لم تُرفع على المقر نفسه في شارع بلفور، حيث الحراسة بالحد الأقصى وتحمل لافتة كتب عليها “يساريون خونة”.
جاءت الرسالة نتيجة ثلاثة عوامل. المناخ المعتوه في المقر الذي تسمع فيه أصوات المتظاهرين بشكل جيد بين جدرانه، والتناوب المعلق كسيف على رؤوس من سيتم إخلاؤهم مستقبلاً، واحتمالية أن يجر نتنياهو دولة متعبة ومستجدية إلى انتخابات رابعة قد يفقد فيها ما لديه الآن.
عندما انفجر بني غانتس الحزين هذا الأسبوع واتهمه بعدم النية المطلق في احترام الاتفاق، كان محقاً. كثير من النكات العفنة تراكضت أمس حول العمود الفقري لغانتس الذي ذهب لإجراء عملية جراحية في ظهره بسبب ديسك وألم شديد استمر لعدة أشهر. وبثت “أخبار 12” هذه النكتة العبثية في فترة الذروة من قبل مراسلة كانت قلقة على كرامتها. مثال بارز على طمس الحدود بين المصطادين وإعلام الخط العام.
تلك التشنجات التي من الواجب أن ترفع تهديد الانتخابات، تعدّ وهمية في هذه الأثناء، من قانون التأجيل لتسفي هاوزر وحتى قوانين نتنياهو لحزب “يوجد مستقبل” و”ميرتس”. ويؤجل الحسم السياسي أسبوعاً بعد أسبوع في الوقت الذي تسمع فيه رسائل الليكوديين عن ميزانية لسنة واحدة كنكتة سيئة. الاحتمال بسيط جداً.. احتمالية الانتخابات هي 50: 50 – إما في تشرين الثاني أو في حزيران 2021 على أبعد تقدير. إن احتمالية استمرار الوحدة واحترام نتنياهو للاتفاق أشبه ما تكون بمستوى الخطر الذي ينسبه لأمنه الشخصي – صفر.
بقلم: يوسي فيرتر
هآرتس 12/8/2020