القاهرة ـ «القدس العربي»: مع بداية العام الجديد، وفي التقرير التالي نقدم مراجعة سريعة لأهم ملامح المشهد الثقافي المصري خلال العام المنصرم، ومن أهم مظاهره، الانفراجة النسبية لتداعيات أزمة كورونا. والنسبية هنا نقصد بها العالم، أما في مصر فالأمر تم نسيانه، وكأن لم يكن هناك وباء في الأساس، فانتشرت الفعاليات الرسمية التابعة لوزارة الثقافة المصرية ـ كماً كالعادة وليس كيفاً ـ على سبيل تحدي الأزمة.
البروباغندا
أول أمر لافت هذا العام هو احتفاليات التاريخ المصري المجيد، من خلال حدثي (نقل المومياوات الملكيّة) و(افتتاح طريق الكباش). وبالطبع لم يخل الأمر من مبالغات وصرف مبالغ طائلة، حتى يستطيع الحفل أن يحمل اسم (الأسطوري) ناهيك م مشاركة جموع الفنانين المُعتَمَدين لدى الدولة، ومتعهدي هذا الشكل من الدعاية، ولا نستثني الكثير من الكُتاب والمثقفين الرسميين، الذين يحاولون جاهدين الانتساب إلى لقب (المثقف الرسمي).
سُمعة مصر
ومما شهده هذا العام أيضاَ اللعب على وتر (سُمعة مصر) كمحاولة لتقديم فروض الامتثال والطاعة، وحتى دون أن يطلبها أحد ـ طاعة مجانية ـ وهو ما حدث بشأن عرض فيلم «ريش» في مهرجان الجونة السينمائي، الذي لم يخل بدوره كعادة مهرجاناتنا المُبجلة من استعراض لآخر صيحات الموضة من خلال ملابس المدعوات المشاركات في الحفل. لكن مَن هن؟ وماذا قدّمن للسينما المصرية؟ هذه أسئلة إجاباتها في علم الغيب. المهم.. ثار بعض الفنانين الوطنيين جداً ضد فيلم «ريش» بتهمة الإساءة إلى سُمعة مصر، وبالتالي تم الترويج للفيلم بشكل كبير، وحاز جائزة في المهرجان، حتى يحصل المهرجان على سُمعة (الشفافية) وقد حاز الفيلم من قبل عدة جوائز عالمية، لتنتصب المعركة بين الفنانين الأحرار، والوطنيين الشرفاء. المفارقة أن المدافعين عن الفيلم، والمُنظرين لجمالياته ومضامينه ـ الدفاع هنا لم يقتصر على مبدأ منع العمل الفني ـ أغلبهم لم ير الفيلم، ولم يكتب عبارات مفهومة توحي بأنه شاهده، لكنهم نقلوا بعض العبارات عن بعضهم بعضا، وكانت الإشادة بأنه حصد العديد من الجوائز في محافل سينمائية دولية. وماذا عن الفيلم؟ لا أحد يجيب! اللهم إلا أصوات قليلة ناقشت الفيلم موضوعاً وجمالية وتقنية، وكان لهم رأي آخر.
لعن الله الفتنة
من حين لآخر يتم تداول بعض الآراء المختلفة عما هو سائد، اجتماعياً أو دينياً ـ سياسياً لا ـ وهي فرصة سانحة لإلهاء الرأي العام والناس عن ظروف معيشتهم المتدهورة يوماً بعد يوم. ومن آخر هؤلاء الضحايا القانوني أحمد عبده ماه، نتيجة كتابه «إضلال الأمة بفقه الأئمة» إضافة إلى لقاءاته التلفزيونية، ليصدر حكم ضده في النهاية بالحبس خمس سنوات، في تهمة كيّفتها النيابة بـ«التعدي على السِلم الاجتماعي وإثارة الفتنة». مع ملاحظة أن الحكم صدر عن محكمة أمن الدولة، وبالتالي فالحق في الإلغاء أو حفظ القضية في يد رئيس الدولة، وبالطبع لم تتوقف المناشدات والدعوات لحل أزمة الرجل حتى الآن، ولا تخفى مثل هذه الألعاب المعروفة للجميع.
معرض القاهرة للكتاب
لم يكن العام بأكمله موسوماً بهذه الأجواء القاتمة، فهناك بعض من الإيجابيات، كانعقاد الدورة الـ 52 لمعرض القاهرة للكتاب، الذي أقيم استثناءاً في يونيو/حزيران الماضي، والذي رغم منع الندوات وحفلات التوقيع، ظهر دور مواز للترويج والاحتفال بالإصدارات الجديدة، سواء من خلال ندوات أقيمت في دور النشر، أو لقاءات عبر الإنترنت، دون نسيان دور النشر نفسها في تسويق منتجاتها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كنشر أخبار أو لقاءات مع المؤلفين. فهناك نشاط موازٍ لنشاط الدولة وفعالياتها، وربما ستكون هذه سمة الأنشطة الأدبية في ما بعد، بغض النظر عن وجود ظروف استثنائية من عدمها.
إصدارات
خلال هذا العام صدر العديد من المؤلفات المهمة ـ الأهمية نسبية ـ نذكر منها مثالاً.. كتاب «يهود مصر في القرن العشرين .. كيف عاشوا ولماذا خرجوا» لمحمد أبو الغار، الذي اعتمد على الكثير من الوثائق، كمحاضر جلسات الطائفة اليهودية منذ عام 1886 وحتى 1961 وكذلك المقابلات الشخصية للعديد من اليهود المصريين المقيمين في أوروبا وأمريكا. وتأتي هذه الدراسة كمراجعة لأفكار نمطية عن اليهود المصريين، وأنهم جزء لا يُنكر من التاريخ المصري. كذلك كتاب «معارك العمران» لسمير غريب، وهو عبارة عن شهادته وقت أن كان رئيساً للجهاز القومي للتنسيق الحضاري (2004 – 2014) متضمنة مجموعة من أبرز المعارك التي خاضها للحفاظ على هذا العمران، وقد خسر منها كثيراً وكسب قليلاً، على حد قوله. ومن أشهر معارك الخسران تلك.. البناء في حرم قلعة صلاح الدين، وهو بناء خرساني لم يكتمل ـ لم يزل قائماً ـ وكان نواة لمشروع تجاري ضخم باسم «مركز القاهرة المالي العالمي» من أثر زمن جمال مبارك.

ويأتي كتاب الباحث المصري جمال عمر «الخطاب العربي في متاهات التراث» كمراجعة نقدية لمؤلفات تناولت هذه القضية، من خلال رؤى ومناهج مختلفة خاصة بأصحابها، وهم.. حسن حنفي، محمد عابد الجابري، جورج طرابيشي، وعلي مبروك، ثم كتاب «الاقتباس من الأدب إلى السينما.. محطات في تاريخ مشترك» ليضيف دراسات جادة في معظمها بشأن الاقتباس، وقاصرة على الأعمال الأدبية وحدها ـ دون الأفلام أو حتى المسلسلات الإذاعية التي تحولت إلى أفلام ـ هذا من جهة، ومن جهة أخرى يُشير الأمر إلى أن ظاهرة الاقتباس في بدايات السينما المصرية وما بعدها، خاصة الآداب الأجنبية، كان بمثابة مجاراة لمشروع حداثي لهذا الفن في مصر، إضافة إلى عدم التقليل من شأن الوسيط السينمائي ـ كما جرت العادة ـ لحساب الأعمال الأدبية. «طباطيب العِبَر.. حكايات أدبية من الدراكسة» للكاتب والصحافي المصري أسامة الرحيمي، الذي يستعرض من خلاله حياة الريف المصري، المتمثل في قرية (الدراكسة) التابعة لمحافظة الدقهلية شمال مصر، هذه الحياة الممتدة لأكثر من نصف قرن تبدو الكتابة عنها كمحاولة لإنقاذها من النسيان، خاصة أن كل هذه المظاهر، اختفت تماماً الآن، إضافة إلى كونها استعراضا نفسيا واجتماعيا للشخصية المصرية، وما أصابها من تغيرات وتحولات. في سرد يتراوح ما بين الواقعي والأسطوري تأتي رواية «شيطان الخضر» للكاتب محمد إبراهيم طه، الذي بدوره يستند إلى تراث ريف الشمال المصري، من خلال شخوصه وأساطيره الشعبية والدينية، وفي هذه الرواية محاولة للربط بين عالمي المقدس والدنيوي من خلال تلاوة القرآن والغناء.
جائزة نجيب محفوظ للرواية
حصدت رواية «اختفاء السيد لا أحد» للروائي الجزائري أحمد طيباوي، الصادرة عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف في الجزائر 2019. جائزة نجيب محفوظ للرواية في دورتها الـ24، متقدمة على 5 روايات أخرى وصلت للقائمة القصيرة، وهي «في مدن الغبار» أمل رضوان (مصر) «حصن الزيدي» الغربى عمران (اليمن) «حي الدهشة» مها حسين (سوريا) «حجر بيت خلاف» محمد علي إبراهيم (مصر) «كحل وحبهان» عمر طاهر (مصر). تبلغ قيمة الجائزة 5000 دولار، وميدالية تذكارية، إضافة إلى ترجمة ونشر الرواية الفائزة باللغة الإنكليزية ضمن مطبوعات دار نشر الجامعة الأمريكية في القاهرة. ومن حيثييات الجائزة.. «لم يترك لنا القرن الحادي والعشرين أي خيار سوى الاحتفاء بالمهمشين، لنحتفي بأنفسنا. يخلع السيد لا أحد وجهه ويرحل، لتكون القضية هي اختفاء لا أحد. ثم يجيء لا أحد آخر ليحقق في الاختفاء. إنه الجحيم الذي يطل من نافذة المدينة، حيث الأبوية الراسخة مقابل البحث عن أبوة ضائعة، الجنون مقابل العقل، الرغبة في التحرر مقابل الالتزام، ثروة مبنية على رأسمال رمزي منافق مقابل انعدام كفاف العيش، رجال معممون منافقون مقابل متشردين صادقين، محقق نزيه يتخذ من القضية مساراً للبحث عن ذاته مقابل مخبر هزيل يبرع في الاستغلال والابتزاز. على الرغم من هذا التضاد الصريح الذي يسكن فضاء المدينة، ويشكل هوامشها وأساليبها في التهميش، تبقى جميع الشخصيات بشكل صادم لا أحد، تمر دون أثر ولا يؤثر اختفاؤها في منظومة أبوية تستمد وجودها من علاقات قوى لا مكان لنا فيها».
جوائز الدولة
جائزة الدولة للتفوق.. منى الصبان، شريف محيي الدين، بهاء عبد المجيد، أحمد أبو خنيجر، سلمان طايع، عالية المهدي، ووائل لطفي.
جوائز الدولة التقديرية.. راجح داود، زينب سالم، مصطفى محرم، سلوى بكر، محمد المنسي قنديل، شوقي حجاب، محمد عفيفي، وأحمد صقر عاشور.
جوائز النيل للمبدعين المصريين.. مصطفى عبد المعطي ومحمد سلماوي.
وجائزة النيل للمبدعين العرب حصل عليها اللبناني رضوان السيد.
الراحلون
شهد هذا العام رحيل العديد من الأدباء والكُتاب المصريين، نذكر منهم.. نوال السعداوي (27 أكتوبر/تشرين الأول 1931 ــ 21 مارس/آذار 2021) التي قضت معظم حياتها في معارك ـ حقيقية أو مُفتعلة ـ لم ولن تنتهي، حتى بعد رحيلها. ربما لمواقفها الحادة وكلماتها الأكثر حدة، وربما لجهل مَن يحاججونها، وفي الأخير لنيل الشهرة، فالمرأة كانت تمتلك مؤيدين ومهللين في مصر وخارجها، وأصبحت من الشخصيات الأكثر تأثيراً في مصر والعالم العربي، حتى قيل إنها ترشحت لجائزة نوبل!
كما رحل أستاذ الفلسفة الإسلامية والمفكر المصري حسن حنفي (1935 ــ 2021) أحد أهم أصوات ما سُمّى باليسار الإسلامي. قدم حنفي ترجمات مهمة، إضافة إلى مؤلفات اتسمت بالتناقض الشديد، حاولت في أغلبها توفيق ما لا يتفق. لكن المشروع بأكمله والمنهج الفكري الذي اتبعه الرجل ـ رغم تباينه ـ يعد جزءاً من الفكر المصري والعربي.
كذلك، الروائي إسماعيل ولي الدين (1935 ـ 2021) الاسم الأشهر خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت، الذي تحوّلت أعماله إلى أفلام سينمائية لاقت نجاحاً كبيراً، وفي الوقت نفسه جدلاً أكبر، سواء على مستوى النقد أو الرقابة. ويأتي فيلم «حمام الملاطيلي» ـ كتب الرجل الرواية عام 1970 ـ ليصبح أشهر الأعمال إثارة للجدل والمنع في تاريخ السينما المصرية. كان الرجل من أكثر الكتاب المصريين قراءة في تلك الفترة، حيث تجاوزت طبعات رواياته أعمال نجيب محفوظ بكثير. كما رحل الشاعر المصري فتحي عبد الله (1957 ــ 2021) أحد أصوات قصيدة النثر المصرية، وحسب التصنيف الاعتباطي فهو ينتمي إلى جيل الثمانينيات. وقد خاض الراحل الكثير من المعارك، خاصة مع وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية في الدولة، ويرى أنها لعبت دوراً كبيراً في تهميش الشعر ونفيه بشكل عام وإن احتفظت ببعض الرموز، لأداء بعض الأدوار السياسية في الداخل والخارج وهم، الأبنودي، حجازي، مطر، وأبو سنة ــ رحم الله مَن مات ــ فهم يلعبون أحيانا دور النديم أو المضحك، أو الأراجوز، الذي يجمع الناس لاحتفال ما وأحيانا أخرى يتماهون مع السلطة بما لهم من رأسمال رمزي فيقررون ما تريد من حذف وتهميش أو خلق أبطال وهميين يتناسبون مع هذه المرحلة وهؤلاء جميعاً يرفضون النص الجديد، باعتباره نصاً يهدد سلطتهم ونصوصهم غير الفاعلة، التي أصبحت في ذمة التاريخ. أما نقاد المؤسسة فإنهم ينظّرون لسردية مصر ومركزيتها في القص والرواية وعلى رأسهم الراحل جابر عصفور (25 أذار/مارس 1944 – 31 كانون الثاني/ ديسمبر 2021) ، الذي يري أن شعرية مصر قد توقفت عند الشاعر أمل دنقل، وفي ظني أنه لا يستطيع قراءة النصوص الجديدة فهي ضد ذائقته وأيديولوجيته أو دوره الأيديولوجي في المؤسسة.
وأيضاً رحيل شاعر العامية والكاتب المصري فؤاد حجاج، الذي يعد من أكبر شعراء العامية المصريين، الذي ارتبط بالعمال وعالمهم، بل خرج من معطفهم كصوت يعبّر عن آمالهم، وحتى بعدما ذاع صيته من خلال الإذاعة والتلفزيون، لم يتخل عن موقعه بينهم. كان هذا المحيط هو جمهوره الأوحد، وكانت محافل ومناسبات يوليو/تموز وعيد العمال بمثابة لقاء دائم بين الرجل والجمهور، وقد أدرك هو تماماً وجهته منذ زمن، فالشعر ليس للصفوة ولا ينتظر آراء النقاد الجوفاء، من الناس وإليهم.