الثقافة المصرية في عام 2023: وزارة تحت الطلب و«طوفان الأقصى» يُشعل مواقع التواصل

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: مع نهاية كل عام نحاول رصد الملامح العامة للمناخ الثقافي المصري، ومنذ عدة أعوام يبدو أن هذا المناخ يسير في تواتر من سيئ لأسوأ. وهو ضرورة حتمية لما تمر به مصر من معضلات تتفاقم على المستوى السياسي والاقتصادي، ولا يبدو أن هناك حلاً قريباً في ظل هذه الظروف البائسة.
من ناحية أخرى يبدو المسار الثقافي المصري يسير في اتجاهين متضادين، أولهما الاتجاه الرسمي، المُتمثل في وزارة الثقافة المصرية، والآخر تمثله دور النشر الخاصة بإصداراتها وفعالياتها الثقافية قدر الإمكان، وكذا الفرق المسرحية الخاصة ومعارض الفنون التشكيلية التي لا علاقة لها بالمؤسسات الرسمية للدولة. ولكن ورغم تفاوت المستوى والأداء بين الاتجاهين، إلا أن هناك حالة من تقضية الواجب، فالمناخ السياسي الثقيل يضرب الجميع، ولا يمكن الفكاك منه، أو العمل بالتغاضي عنه، وحتى محاولات عدم الالتفات لما يحدث، إلا أنها محاولات تؤكد حالة البؤس العام التي نعيشها في مصر.
كذلك تصر بعض الوجوه المدّعية للثقافة على الانتشار، سواء في صحف ومواقع حكومية، أو ترعاها الدولة من بعيد، وكذا في بعض المواقع والمنصات، التي تدّعي بدورها أنها تعمل بعيداً عن إرادة الدولة، أو أنها تقاوم بما تقدمه من مادة ثقافية الأداء الباهت لمنابر المؤسسة الرسمية، ناهيك عن الاحتفاء بهذا الإصدار أو ذاك، وهو أمر يعتمد بالدرجة الأولى على الصداقات والخبرة في البروباجندا، وهي آفة قديمة لا براء منها.
وفي هذا التقرير سنستعرض سريعاً بعض من الأحداث اللافتة لهذا العام ..

وزارة تحت الطلب

مصطلح (تحت الطلب) خاص بعربات نقل الموتى في مصر، وهو ما ينطبق تماماً على كيان مؤسسي يُسمى (وزارة الثقافة المصرية)، فالمؤسسة تتباهى بمئات بل بآلاف الفعاليات الثقافية، وكذا المؤتمرات بالأمر لمناقشة الهوية الوطنية والانتماء الوطني و(حُب الوطن فرض عليا)، وبالطبع يتم استدعاء موظفي الثقافة في مثل هذه السُرداقات، هذا يقول خطبة عصماء مُتغنياً بالوطن ونهره الضائع، وذلك يقول شعراً وطنياً، والمزيد من التفاهات التي لا يلتفت إليها أحد، إلا الوزارة وممثليها، دون نسيان التقاط الصور والجميع يضحك في بلاهة.
حدثان يمكن النظر إليهما في ما يخص الوزارة المبجلة، ولهما دلالة كبيرة .. أولهما قرار رئيس الوزراء بترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلية فى الموازنة العامة للدولة والهيئات فى ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، وبالتالي الحد من أنشطة الوزارة ومؤتمراتها، وكذا المشاركة في معارض الكتب بالخارج، فاقتصر الأمر على مؤتمرات الوطنية المفرطة كما أسلفنا، واستدعاء مثقفي الدرجة الثانية أو الثالثة، وهم الأرخص ثمناً والأعلى صوتاً في مثل هذه المناسبات.
الحدث الآخر وهو ليس بمستغرب في ظل ما يحدث من تفاهة، وهو رعاية الوزارة الموقرة لمسابقة (ملكة جمال الأناقة) لعام 2023، وقد حصلت على اللقب بتوفيق الله وحمده الآنسة «بسنت علي محمود». ملحوظة .. نُشر الخبر في العديد من الصحف والمواقع المصرية في 18 فبراير 2023.
وحتى لا نتحدث من خلال وجهة نظر واحدة، سنترك الحديث للسيدة الدكتورة وزيرة الثقافة لتتحدث بلسانها عن إنجازات وزارتها، وذلك بمناسبة الذكرى العاشرة لـ 30 يونيو، كما جاء في صحيفة الأهرام المصرية في 3/7/2023، وتحت عنوان «مصر تستعيد عافيتها الثقافية» قالت الست الوزيرة .. «إن مصر شهدت خلال العقد المنصرم ــ منذ بيان الثالث من يونيو الذي كان بمثابة طوق الإنقاذ للوطن ــ مجموعة هائلة من التحديات غير المسبوقة، والتي استطاعت الدولة اجتيازها باقتدار، محققة سلسلة من النجاحات المتفردة على كافة الأصعدة، في ظل القيادة السياسية الحكيمة التي أدركت جيداً ما كان يهدد هوية الوطن وقوته الناعمة … وأشارت إلى جهود قطاعات الوزارة في تفعيل استراتيجية الدولة المصرية لبناء الإنسان المصري، وحرصها الدائم على إرساء مبدأ تحقيق العدالة الثقافية بكافة المحافظات، والدور الفعال لاستثمار مفردات القوي الناعمة في الحفاظ على هويتنا الثقافية، وصون مقدرات الوطن الحضارية … وكذلك العديد من المشروعات، منها (إعرف جيشك، إعرف بلدك)، وإصدار عدد من المطبوعات بالتعاون مع وزارة الأوقاف، كما تم تقديم 4855 نشاطاً ثقافياً لمواجهة التطرف الفكري ونبذ العنف».

تنفس صناعي

وبعيداً عن الفعاليات التي بالآلاف، والمُتيمة بصيغة أفعل التفضيل ــ أكبر، أطول، أعلى ــ أقيم في القاهرة ظاهرتين ثقافيتين لهما الكثير من الأهمية، أولهما (مؤتمر قصيدة النثر المصرية السابع) الذي تناول قصيدة النثر وكتابة أبحاث وأوراق نقدية تحاول الوقوف على الوضع الراهن للشعر المصري، وكذا تقديم العديد من الأصوات الشعرية الجديدة، بعيداً عن كهنة الشعر، سواء شعراء أو نقاد. الظاهرة الثانية تمثلت في الدورة الأولى لمهرجان (دواير الثقافي) والذي نظمته مكتبة تنمية ومكتبة ديوان. قدم المهرجان العديد من الفعاليات، كالندوات وحفلات التوقيع وورش العمل، ومشاركة ما يقارب من 25 دار نشر مصرية وعربية. ورغم النجاح اللافت للمهرجان، إلا أنه اقتصر على اسماء بعينها تتواجد دوماً في فعاليات دور النشر الخاصة، ووجوه لم تزل تكرر كلامها في كل مناسبة ــ شكل آخر من أشكال الشللية المناضلة ــ مع التأكيد على التميّز والأفضلية، لأنهم لا يتعاملون مع المؤسسة الرسمية للدولة، لذا فهم المثقفون بحق!

إصدارات لافتة

وفي ما يلي استعراض لبعض إصدارات العام، التي لاقت رواجاً ومتابعة نقدية ــ صحافية في الأغلب ــ ولكن بعضها له من الأهمية بمكان .. أولها كتاب ألبير آريه «مذكرات يهودي مصري»، والذي يتناول سيرة الرجل الذاتية ومنها السياسي والاجتماعي لمصر، خاصة الحركة الشيوعية المصرية. ومنه إلى الواقعة التاريخية، وهو ما تم تحقيقه في كتاب «الفيلق المصري: جريمة اختطاف نصف مليون مصري» لمحمد أبو الغار، الذي يبحث واقعة ترحيل بعض الفلاحين المصريين قسرا خارج مصر من قبل الاستعمار البريطانى أثناء الحرب العالمية الأولى ليعملوا بالسخرة لمصلحة بريطانيا وحلفائها بالمستعمرات البريطانية. وكيف أسهمت هذه الحادثة بالتمهيد لثورة 1919 وانضمام الفلاحين لها. ويلاحظ أنه وفي العام نفسه صدر كتاباً بعنوان «فرقة العمال المصرية» لـ كايل أندرسون، والصادرة ترجمته للعربية مؤخراً عن المركز القومى للترجمة. وقد أثير الجدل عن انتحال أبو الغار العديد الكثير من مادة الكتاب قبل ترجمته إلى العربية، هذا الجدل الذي لم يتخط صفحات الفيسبوك. ونأتي إلى الغناء وكتاب «كل دا كان ليه .. سردية نقدية عن الأغنية والصدارة». للمطربة والباحثة فيروز كراوية، التي تتناول من خلاله تاريخ الأغنية المصرية منذ ظهور الطقاطيق وحتى أغاني المهرجانات، وفق تحليل اجتماعي وسياسي عمل على انتشار شكل من أشكال الأغنية وتصدره لفترة معينة، وكذا تحولات أذواق الجمهور وطبيعة المطرب نفسه. ونختتم بكتاب «قارئ الجثث .. مذكرات طبيب تشريح بريطاني في مصر الملكية». ترجمة مصطفى عبيد، وهي مذكرات (سيدني سميث) أحد مؤسسي مصلحة الطب الشرعي فى مصر، والذي قضى بها ما يقارب الـ 11 عام، ونتعرف من خلالها عن طبيعة الجرائم وكيفية الكشف عنها، ولعل من أشهر القضايا التي عمل بها سميث كانت قضية ريا وسكينة.

الجوائز والترشيحات

تراوحت الجوائز كالعادة ما بين الرسمية (جوائز الدولة) وجوائز المسابقات الخاصة، الخارجية بالأساس، ونبدأ بجوائز الدولة .. الفنان التشكيلى العراقى ضياء العزاوى جائزة النيل للمبدعين العرب، عبد السلام عيد جائزة النيل فى الفنون، على الدين هلال ــ عرّاب نظام مبارك ــ جائزة النيل فى العلوم الاجتماعية، والمترجم الراحل محمد عناني جائزة النيل فى الآداب. أما الجوائز التقديرية فحصل عليها فى مجال الفنون كل من هاني شنودة، أشرف زكي ــ بوق النظام الحالي ــ نقيب المهن التمثيلية، ودليلة الكرداني استاذ العمارة والتصميم العمرانى بكلية الهندسة جامعة القاهرة. وفي الآداب كل من اسم الراحل عبد الرحيم الكردي، استاذ النقد والأدب العربى الحديث، الروائية هالة البدري، وأحمد يوسف، أستاذ النقد الأدبى والبلاغة. وفي العلوم الاجتماعية عبد المجيد محمود ــ النائب العام في نظام مبارك وحتى 2012، السيد فليفل، حسن السعدى، وصلاح سالم. وجائزة التفوق في الفنون لكل من رانيا يحيى الاستاذة بأكاديمية الفنون، والفنان التشكيلي فتحي عفيفي. وفي الآداب اسم الراحل مصطفى سليم، والشاعر فتحي عبد السميع.

جائزة نجيب محفوظ في الرواية، المقدمة من المجلس الأعلى للثقافة .. فاز الروائي إبراهيم فرغلي بجائزة أفضل رواية مصرية، عن رواية «قارئة القطار». بينما فاز الروائي الفلسطيني حسن حميد بن أحمد بجائزة أفضل رواية عربية، عن رواية «ناغوغي الصغير».
من ناحية أخرى فاز كل من .. أشرف العشماوي عن روايته «الجمعية السرية للمواطنين»، ورشا عدلي عن روايتها «أنت تشرق أنت تضيء» بجائزتين من جوائز كتارا القطرية.
أما الترشيحات .. فقد وصلت رواية «أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي للقائمة القصيرة للبوكر العربية، والتي فاز بها العُماني زهران القاسمي عن رواية «تغريبة القافر». أما القائمة الطويلة للعام 2024 التي أعلنت منذ أيام فقد وصلت إليها روايتين مصريتين، هما .. «كل يوم تقريباً» لمحمد عبد النبي، و»مقامرة على شرف الليدي ميتسي» لأحمد المرسي.

طوفان الأقصى

منذ السابع من أكتوبر ومع بداية الحرب في الأرض المحتلة، أو ما أطلق عليه (طوفان الأقصى) خفتت التفاهات لبعض الوقت، وخاف الكثيرون من التطرق لأية موضوعات لا تخص الحدث، حتى لا يُتهم بعدم المسؤولية، فتسارع الكثير من المثقفين بتغيير صورهم على الفيسبوك، إما بصورة حديثة بالشال الفلسطيني المعهود، أو صورة للمسجد الأقصى، أو (حنظلة) ناجي العلي. إلا أن الوعي الشعبي فاق ــ كالعادة ــ تفاهة نضالات صفحات التواصل ومدّعي البطولة إلا مَن رحم ربي، ففعّلوا مقاطعة المنتجات التي تدعم دولة الاحتلال٫

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية