كَتَبَت لهُ: الثلجُ لا يأتي من النافذة يا حبيبي.. فتح عينيه صباحا فوجد الرسالة في صندوقه الإلكتروني.. لم يفهم هو الذي تعود أن يفهم.. تذكر أنه قرأ ذات مرة رواية لحنا مينة عنوانها «الثلج يأتي من النافذة».. لكنه نسي البطل وأعماله وتفاصيله، بل نسي اسمه كل الذي ذكره عنه أنه كان مطاردا يبدل الأسماء ويشتغل بعيدا.. لم يسأل ساعتها: هل يأتي الثلج من النافذة أم لا؟ كان ذهنه منشغلا بالبطل.. فجأة تذكر أن اسمه فَياض، وصل متأخرا إلى حصة الدرس لم يجدها في الساحة لعلها دخلت الفصل قبله كانت تدرس الأدب الإنكليزي، أما هو فكان طالبا للعربية لكنها بسؤالها أربكت لغته.. في فصله كان أستاذ اللغة يشرح درس الممنوع من الصرف.. قرأت طالبة في الفصل من نص قديم لابن يعيش: «.. والأسماء الأعجمية تعرف بعلامات.. منها تركُ الصرفِ نحو إبليس ولو كانَ عَرَبيا لانصَرَفَ».
أنساه هذا القول الثلج الذي لا يَأتي من النافذة وفهم لمَ لم ينصرف عنه إبليسُ منذ أن قرأ هذه الرسالة المشفرة. قال يسأل أستاذَ اللغة: متى يصبح إبليس عربيا لينصَرِف؟ ضحك من في الفصل.. قال المدرس متظاهرا بأنه لم يفهم المعنى الأول: إبليس اسم أعجمي هكذا قال أغلب النحاة، ردا على من قال إنه مشتق من أبلَسَ من رحمة الله أي أَيِسَ. قالوا إنه لو كان مشتقا من أفعَلَ لكان بناؤه عربيا وما كان عربي البناء لا يُمنع من الصرف، أنظر إلى كلمة إكليل فإنها تعرب ولا تمنع من الصرف».
قال صاحب صاحبة الثلج والنافذة.. هل الثلج ينصرف؟ قال الأستاذ بحماس: طبعا لأنه اسم عربي وهو تام الإعراب متمكن فيه.. قال الطالب المسكين والشباك؟ أهو عربي ومنصرف؟ قال المدرس هو كذلك.. قال الطالب يريد أن يفهم: هل يأتي الثلج من النافذة؟ قال الأستاذ: الثلج يأتي من أثلج يُثلِجُ التي هي على وزن أبلسَ يُبلِسُ ولكننا لا نقول إثليج.. هل فهمت؟ ابتسم الطالب في احترام وقال: ولذلك سألت.
التفت إليه زميلته التي تجاوره وقالت: صرت نحويا من ورائنا؟ قال لها: كنت أحمل هم الثلج فصرت أحمل هم إبليس.. قالت له وقد ظنت أنه يشاكسها: أنت إبليس صغير.. حين انتهت الحصة قال الأستاذ: لا تنسوا أن تغلقوا الباب بعد أن تنصرفوا.. قال طالب لا شرقي ولا غربي: معنى ذلك أننا لسنا كإبليس ما دمنا ننصرفǃ قال لمجاورته عند الباب: هل يأتي الثلج من النافذة؟ قالت له: أغلق منافذك فلن يأتيك لا مطر ولا ثلج.. في مشرب الطلبة بحث عنها فلم يجدها.. كان هناك من يتحدث عن الثلج الذي يغطي جبال الشمال، وفي الإذاعة يتحدثون أيضا عن الثلج حديثا سياسيا.. أصاخَ علهم يتحدثون عن ثلج يأتي من النافذة.. قال مذيع الأرصاد الجوية إنه ثلج قطبي مقبل من القطب الشمالي. سأل نفسه: في القطب الشمالي هل توجد شبابيك؟ كل كلامهم عن الثلج لم يشف غليله.. عاد يبحث عنها فلم يجدها وحين دقت الساعة عاد مشتت الذهن إلى قاعة الدرس.. جلس في آخر المقاعد وحيدا على أكتافه أطنان من الثلج لا يدري أجاءت من النافذة؟ أم من أي داهية؟ قال لأستاذه وقد اهتم بما حمل.. ما رأيك أستاذنا أن يكون مدخلنا إلى الدرس هذه الجملة: «الثلج لا يأتي من النافذة».. التفتت إليه طالبة الصباح وقالت: لا تؤاخذه أستاذنا هو في الصقيع يكاد يتجمد.. قال المدرس وكان شابا نسي بالأمس شبابه: ليكن مدخلنا إلى درسنا هذه الجملة: الثلج لا يأتي من النافذة.. هذا ليس عنوانا للدرس، بل منطلق له. سأل الأستاذ صاحب الثلج: هب أنك تقول هذه الجملة لشخص بعينه: فمن ذا الذي يكون؟ قال الطالب: بل قيلت لي أستاذ.. ودعنا من فضلك ممن قالها.. قال المدرس: في مثل هذه الحصة للقائل شأن ولمن يُقال له شأن ثان وللعلاقة بينهما شأن أخطر.. قال طالبٌ كث شعر الرأس في عينيه خبر: ولكن.. التفت إليه المدرس فأضاف بارتباك وتلعثم.. هذه جوسسة أستاذنا.. ابتسم المدرس وقال: لنفهم الكلام المنزوع عن سياقه علينا أن نجمع ما يفيد عن كل عناصر المقام أو الوضعية التواصلية..علينا أن نكون جواسيس.. نعم.. جوسستنا تنفع الكلام ولا تضر.. قالت جارة الصباح: أنا أستاذ من قالها لزميلي.. قال المبتلى بالثلج لا تصدقها أستاذ فكلامها بريء لا يحتاج إعمال عقل ولا جوسسة.. بل أرسلتها صديقتها لي هذا الصباح فبلبلت عليّ ذهني.. قال زميل له يحب المشاكسة: لتقل.. لا تهتم.. يا صاحبي.. غدا يأتي الربيع.. قال المدرس: إسمع يا زميلَهُ: هناك فرق بين أن تفهم وألا تهتم.. أن تفهم هو واجب ذهنك عليك حين تسمع الكلام الذي يوجه إليك، ومن واجب ذهنك عليك أن يوفر لك الفهم حتى ترتوي من المعاني ومن واجبك على ذهنك أن تجعله يتعب في البحث عن أسرار المعاني وتأويله وعن فك الشيفرات حتى المعقدة منها.. ثم قرر بعد ذلك هل عليك أن تهتم أو لا.. حين تنزع الكلام من المقام الذي قيل فيه من العسير أن تفهم مقاصده.. عد إليها وعد إليكَ وستتذكر شيئا مما سبق له علاقة ما بالثلج الذي يأتي من النافذة أو لا يأتي. قال صاحب الثلج الذي حمل كرسيه وعاود الجلوس مع صديقة الصباح: لم نتكلم أنا وهي من أسبوع.. قالت له: تدارك أمرك.. قال المدرس الذي كان يسمع ما دار بينهما: ما كنا بصدده يسمى التنزيل في السياق، وهي تقنية تساهم في وضع شخص أو أشخاص في سياق أو مقام، لتحديد الوضعية التواصلية بدقة.. لنعد إلى جملة: الثلج لا يأتي من النافذة.. انتبه الطالب، هذه الجملة فشل صاحبها في أن يضعها في مقامها من علاقته بمن توجهت بها إليه.. لذلك لم يفهم ما قصدت.. سأل بعض الطلبة يريد أن ينبز: ربما هي أعلى ثقافة.. ابتسم صاحب كرة الثلج وعاد يسمع: ليس في الأمر مستويات ثقافية في المسألة عجز عن استحضار العناصر المفيدة التي يمكن أن تموضع الكلام في مقامه الأنسب لا غير.
استأذن الطالب الباحث عن معنى الثلج خرج فكتب ردا اعتقده مفيدا على رسالة الصباح: الثلج يأتي من القلوب.. لا يأتي الثلج من النافذة الإمضاء فياض.. ردت عليه سريعا: الفنان نحات على الثلج.. هكذا قال بيار فرَسنَاي ممثل فرنسي.. قال الراوي إن أي تشابه مع الواقع هو من محض الخيال، لأن التخاطب وأحوالَه لا يجري في الواقع كما يريده الخيالُ؛ ومن له سقوف من الخيال أكثر له ثلجٌ أكثر.. تنهد الراوي وهو يمشي ولا يترك على الثلج آثارا.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية