الثنائي الرئاسي أوباما باقٍ ويتمدّد من إدارة حرب الدرونات في البيت الأبيض إلى إدارة حرب الوثائقيات

حجم الخط
2

عندما سلّم الرئيس باراك حسين أوباما منصب رئيس الدّولة، بعد ولايتين مديدتين، إلى دونالد ترامب الرّجل البرتقالي غريب الأطوار والقادم من خارج المؤسسة السياسيّة، حاول البعض تصوير المسألة كأنها انتقال من إدارة معتدلة محبّة للسلام والدبلوماسيّة إلى إدارة متطرّفة تميل إلى العنف وفرض الآراء.
بل وشرع الناس يقارنون بين السيّدة الأولى ميشيل أوباما – كمثال للوقار الأمريكيّ والنّجاح النّسوي بل والأناقة والإدارة العائليّة المتّزنة والعلاقة الزوجيّة الناجحة – في مقابل السيّدة الأولى الجديدة ميلينا ترامب، التي هي واحدة من عدة زوجات، منحدرة من شرقي أوروبا وكانت تعمل موديلاً للأزياء قبل أن تدخل في علاقة صاخبة من رجل معروف بتعامله الاستعلائيّ والبذيء أحياناً مع النّساء وتعدد علاقاته المشبوهة مع نجمات سينما «البورنو».
لكن المطّلعين على دقائق الأمور في واشنطن يعلمون أن الصّور النمطيّة عن هؤلاء الأشخاص إنما هي نتاج جهدٍ موجه وواع يبذلونه بمساندة فرق من خبراء الأزياء ومستشاري فلسفة الحضور العام والإتيكيت ليخدم تصوراً معيناً للتموضع السّياسي للرّئيس ومكمّلته السيّدة الأولى.
وإذا كان ترامب خبير تلفزيون واقع لا يشقّ له غبار في إدارة ظهوره الإعلاميّ، فإن الثنائي باراك – ميشيل عملا منذ اللحظة الأولى لدخولهما القصر الرئاسيّ على العيش بما يتناسب مع حياة الأضواء تماماً كما يعتاد المشاهير يومياتهم أمام الجماهير المبحلقة بهم أينما ذهبوا. لكن الحقيقة ربما تكون في مكان آخر تماماً. فأوباما، الذي أطلق حملة علاقات عامّة من محاضرة في جامعة القاهرة حول آفاق العلاقة بين الشرق والغرب والتعايش الممكن بين الحضارات كان حقيقة الرئيس الذي قتل في عهده أكبر عدد من المسلمين مقارنة بأي رئيس أمريكي آخر، وهو نشر قوات قتاليّة خاصة في 138 دولة حول العالم أي بما يزيد بنسبة 130% مقارنة بعهد الرئيس – المنسوب إلى الصقور – جورج دبليو بوش، ناهيك عن توسع غير مسبوق في أعمال الرقابة المعولمة على المعلومات والإنترنت والاتصالات. لكن أعظم إنجازاته على الإطلاق والتي سيذكر بشأنها في كتب التاريخ العسكريّ فهو تمكينه لنموذج الحرب الكونيّة ب(الريموت كونترول) عبر الدّرونات القاتلة.
وهو في إطار استهدافه لأعداء الولايات المتحدة منح العسكريين صلاحيات ملاحقة وتصفية أي من المواطنين الذكور في عمر القتال بحجة أن هؤلاء ينطبق عليهم تصنيف مقاتلين أعداء دون النظر في كونهم عسكريين يؤدون مهمات قتاليّة او مدنيين انصرفوا لشؤون معاشهم. ويعتقد الخبراء بأن آلاف المدنيين سقطوا ضحايا أبرياء نتيجة هجومات بالدرونات تصادف وجودهم حول الأشخاص المستهدفين.
رغم ذلك، فإن الرئيس أوباما في إطار حملة الخداع المستمرة منح جائزة نوبل للسلام واستمرت أجواء النخبة في واشنطن تسويقه كنموذج ملهم للقيادة العابرة للأعراق والأصول والأديان.

هل افتقدتمونا: لن تتخلصوا منّا؟

بعد مغادرتهما البيت الأبيض نهاية 2016 وانتهاء مهماتهما الرّسميّة، استمر الثنائي باراك وميشيل أوباما في ممارسة ما اعتادا عليه أثناء فترة الرئاسة: أي لعب أدوار المشاهير واستعراضات الأضواء التي عشقاها بعكس معظم الرؤساء السابقين الذين غالباً ما ينسحبون من الحضور العام ويكتفون بقضاء الوقت في محاولة استرداد ذواتهم وحياتهم العائليّة بعد سنوات الرئاسة المنهكة.
وهما لم يوفرا مناسبة للظهور إلا واستغلاها مقايضين ظهورهما الشخصي في حفلات الأثرياء والمحاضرات العامة وتوقيعات كتب المذكرات بملايين الدولارات، لكن ذلك يبدو أنّه لم يُشبع جوع الشهرة وشهوة السلطة، فكان أن قررا وبعد عميق تفكير الانخراط في فضاءٍ شاسع يتلاقى فيه النفوذ والتأثير مع اللمعان وسلطان الأضواء، إنها صناعة الوثائقيات، حيث الحقائق تصير رمادَ السردية المؤدلجة.

150 مليون مشترك سيتابعون وثائقيّات الثنائي أوباما

بالفعل فقد أطلق الثنائي شركتهما الخاصة للإنتاج ووقعا اتفاقا طويل المدى لعرض منتجاتهما التلفزيونيّة مع نيتفليكس الأمريكيّة المنصة الأولى في العالم لعرض الأفلام والمسلسلات التلفزيونيّة عبر الإنترنت (150 مليون مشترك، 500 مليون مشاهد حول العالم) وهو ما سيضمن أن تلك الأعمال بغض النظر عن سويتها الفنيّة ستحظى بانتشار واسع وتأثير أكيد على ملايين البشر حول العالم.
ورغم أنّ هذا الإعلان لقي عاصفة احتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الجمهور المؤيّد للرئيس ترامب بوصفه سيمنح خصماً عتيداً لهم مساحة تأثير قد تستغل لتسديد حسابات سياسيّة ضيّقة بين الجمهوريين والديمقراطيين وهددوا بإلغاء اشتراكاتهم الشخصيّة في نيتفليكس، فإن الثنائي سارعا إلى طمأنة الجمهور بأن أعمالهما ستركز على «التثقيف والإلهام» ولن تنزلق إلى مطب التسييس أو الهجوم المباشر على الإدارة الحاليّة.
لكن من يطلّع على قائمة الأعمال الأوليّة التي سينتجها الثنائي وسيتم إطلاقها على نيتفليكس سيرى أنها مثقلة بالسياسة، ومحملّة بوعود الشحن المؤدلج ضد الخصوم: داخليين وخارجيين.
أول هذه الأعمال سيكون فيلماً وثائقياً بعنوان «مصنع أمريكي» وهو يحكي قصّة مصنع اشتراه رجل أعمال صيني من شركة أمريكيّة للسيارت أغلقته فأعاد افتتاحه واستقطب أكثر من 2000 عامل امريكي.
وحسب الفيلم فإن الأجواء المتفائلة الأولى بعد إعادة افتتاح المصنع سرعان ما تبخرت ليسود مكانها مناخ من الصدام والخلافات المتفاقمة بين الإدارة الصينية والعمال الأمريكيين.
هناك «بلوم» أيضاً وهي دراما تاريخيّة من فترة الحرب العالميّة الثانيّة تسجّل صعوبات صعود النساء والسود في مجتمع نيويورك رغم ازدهار الرأسماليّة الأمريكيّة. وسيتم كذلك تقديم «رسول الحريّة: سيرة فريدريك دوغلاس» وهو أمريكي من أصول أفريقيّة كان عبداً في القرن التاسع عشر لكنه ما لبث وتحرر وأصبح من أهم الأصوات المنادية بإنهاء العبوديّة في الولايات المتحدّة وناضل لمنع الاتحاد مع ولايات الجنوب التي كانت تكافح للاحتفاظ بنظام عبوديّة قاس.
أما ترامب فلن يستهدف شخصياً بشكل مباشر وإن كانت السلسلة الوثائقيّة التلفزيونيّة «المخاطرة الخامسة: نقض الديمقراطيّة» ستقصف من جبهة مناحي فشل الإدارة الحاليّة في إدارة مفاصل العمل الحكومي داخل مختلف القطاعات التي تؤثر مباشرة على حياة المواطنين. والواضح أن اسم الثنائي أوباما كمنتجين سهل استقطاب كوادر من الدّرجة الأولى في الإعلام الأمريكي لتتولى تنفيذ هذه البرامج بسوية محترفة.

الوثائقيّات: درونات في كل بيت

إختيار الثنائي أوباما خوض حرب الوثائقيّات التلفزيونيّة بعد انتهائهما من حرب الدّرونات المقيتة ورغم انعدام خبرتهما التقنيّة في هذا المجال الشاهق ، يقول شيئاً كثيراً عن إدراك النخبة الأمريكيّة لخطورة التأثير الذي تتركه هذي الأداة البصريّة على وعي الناس وطريقة تعاطيهم مع التاريخ والحقائق والسرديات المعلبة والحياة وتصوراتهم الكليّة عن العالم. فالهيمنة كما يعرف أصغر موظّف في الإدارة الأمريكيّة على الجماهير الغفيرة لا يمكن فرضها من خلال العنف وحده مهما بلغت القدرة التدميريّة لأجهزة الدولة القمعيّة وأدواتها، لا سيّما وأن هدف الهيمنة النهائي ليس إذلال الأفراد أو القضاء عليهم بقدر ما هو في السعي إلى ضمان خضوع الكتل الشعبيّة للمهيمنين من خلال التقبل والاقتناع، ومن ثم الانخراط داخل دورة الإنتاج في طرفيها: العمالة والاستهلاك خدمة للمنظومة الرأسماليّة.
ولا شكّ أن أشخاصاً بحنكة وخبرة الثنائي أوباما على رأس هرم السلطة الأمريكيّة يعلمون أن سلاح الوثائقيّات أمضى فعلاً من كل الدّرونات وأعمق تأثيراً، وأنّه فوق ذلك يدرّ أرباحاً بالملايين يبدو إزاءها راتب تقاعد الرئيس (200 ألف دولار سنوياً) مجرّد فكّة صغيرة. في تقاطع فضاءات الشهرة والمال والتأثير والأدلجة. الوثائقيات حرب الصورة الطازجة أو البيت الأبيض الأبدي الذي سينام على أثير فراشه الثنائي أوباما نوما لا ترامب بعده.

٭ إعلامية وكاتبة لبنانية بريطانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية