الثنائي طهران-الرياض.. من “رؤية أوباما” إلى نظام إقليمي جديد

حجم الخط
0

إحدى خطط الرئيس براك أوباما في حينه لاستقرار الشرق الأوسط وانسحاب الولايات المتحدة منه كانت تقسيمه إلى مناطق نفوذ شيعية برئاسة إيران وسُنية بقيادة السعودية – ظاهراً، مثلما قسمت أوروبا إلى مناطق نفوذ في مؤتمر فيينا بعد الانتصار على نابليون. رغم أنه نال جائزة نوبل للسلام بشكل غريب، لم يكن الفهم التاريخي والعلم السياسي هما الجانب القوي في أوباما، كما أنه لم يكن متيرنخ أو كاسلراي، مهندسي التسوية التاريخية إياها، بحيث إنه لم يفهم بأن الشرق الأوسط ليس أوروبا في حينه، وأن مصالح ودوافع اللاعبين المختلفين في هذا القسم من العالم ليست ملائمة لإقامة معادلة جغرافية سياسية وفقاً لذاك النموذج إياه. وأساساً، لم يفهم بأن تطلعات إيران لا تتجه فقط إلى المناطق الشيعية، بل لكل المنطقة. وتجاهل وجود دول أخرى في الشرق الأوسط ذات مصالح خاصة بها. لقد سعى أوباما لتحسين العلاقات مع إيران منذ بداية طريقه كرئيس.

لم يتبقَ الكثير من أفكار مناطق النفوذ، والحرب الأهلية في سوريا ساهمت في ذلك أيضاً ولكن قد يتشكل وضع من جديد – إن لم يكن للتقسيم إلى مناطق نفوذ بين إيران والسعودية، فعلى الأقل للتعاون بينهما في مواضيع معينة. ثمة مؤشرات على ذلك بدت قبل ستة أشهر في وقت قريب وليس صدفة من التحول السياسي في الولايات المتحدة. فالمصالح والميول الأساسية للطرفين، وإن بقيت على حالها، إلا أن الواقع الذي يعيشان فيه تغير. فلئن كانت السعودية والدول العربية السنية (وكذا، إسرائيل أيضاً) قدرت بأنه بوسعها الاعتماد على أمريكا في عهد ترامب لسد الطريق أمام الميول الإيرانية المهددة، ولا سيما في المجال النووي وفي مجالات أخرى، فإن سعي الولايات المتحدة برئاسة بايدن إلى استئناف الاتفاق النووي دون الاستجابة، باستثناء التصريحات، لانتقاد حلفائها القدامى في هذا الشأن، والتخوف من فقدان المظلة الدبلوماسية، وربما في المستقبل العسكرية لديها – أدى بالرياض وبقدر أقل بدول عربية أخرى كالأردن ومصر، إلى ألا تستبعد انعطافة إيجابية تجاه إيران. كان لسياسة ترامب (إلغاء البرنامج النووي الإيراني من خلال ضغط سياسي واقتصادي متعاظم) فرص معقولة للنجاح، ولكنها ماتت في مهدها مع تغيير الحكم في واشنطن. كما أن السعودية يقظة لحقيقة أن أسهمها في الكونغرس ولدى الجمهور الأمريكي هبطت جداً في أعقاب قضية خاشقجي. والأهم من ذلك أن بايدن نفسه (الذي باتت نسب التأييد له هي الأدنى من أي رئيس منذ 1945) أصبح في صراع على إرثه وفي مواجهة داخلية سياسية عنيدة مع الجناح اليساري المتطرف لدى الديمقراطيين، الذين لا يدخرون فرصة للتخريب على علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين في الشرق الأوسط.بالمناسبة، هذا استنتاج لم تستوعبه بعد حكومة إسرائيل الحالية.

في هذا الضوء، ينبغي رؤية تصريح وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان والناطق بلسانه بأن “المحادثات بين السعودية وإيران تتقدم باتجاه جيد”، وأنهما تبحثان أيضاً في العلاقات مع دول المنطقة، وبخاصة دول الخليج، وفي الحرب في اليمن. ومع ذلك، العنوان في “هآرتس”: “التقارب بين إيران والسعودية يفكك الائتلاف المناهض لإيران” كان مبالغاً فيه ومغرضاً، إذ لا يمكن لأي وقفة علنية أن تغير أسباب العداء والتناقضات الأساس بين الطرفين – سواء في المجال السياسي والاقتصادي أم في المجال الديني. وفوق كل هذا، يبقى التهديد النووي يحوم فوق الرؤوس من جانب إيران، الذي لا يمكن لأي سياسي سعودي أو عربي أن يتجاهله. اتفاقات إبراهيم بين إسرائيل والإمارات، وتأييد دول عربية أخرى للاتفاقات، كلها تعكس هذه الحقيقة. لم تكن السعودية عضواً في الاتفاق من قبل أيضاً ومثلما كتبتُ في حينه، بل كان منذ البداية توقعاً من العبث التفكير بشكل مختلف فيه، وإن كان؛ لأن الرياض لم تستهدف العزف الثنائي مع الإمارات أو التنكر لـ “مبادرة السلام العربية” في الموضوع الفلسطيني والتي تتماثل مع المملكة، أو ولي العهد، عبد الله.

إن اتفاقاً لتقسيم الشرق الأوسط بين إيران والسعودية، وإن لم يكن على جدول الأعمال، إلا أن خطوات مؤقتة وجزئية لخلق واقع ثابت بين الطرفين هي الآن على جدول الأعمال، ولهذا ستكون تداعيات على إسرائيل أيضاً.

بقلمزلمان شوفال

معاريف 19/10/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية