الثورات تندلع من رحم الأنظمة المتأزمة

في القطار فتحت الملف فرأيت كتابات طفل ورسومات، ومنشورات ألفناها، كانت هناك أيضًا، نسخة رقمية من هذه اليوميات، لكنني لم أكترث بها في مطلع الأمر. هذا ما يقوله المؤرخ المجري د. يانوش راينر، مفتتحًا كتاب «ثورة المجر 1956 يوميات الثورة ـ مذكرات طفل» لمؤلفه جولا تشتش، الذي صدرت ترجمته التي أنجزها عبد الله عبد العاطي النجار عن دار بدائل للطبع والنشر والتوزيع في القاهرة.
هذه اليوميات التي سجلت أحداث عام 1956 من ميدان لويز بلاها، ومن شوارع ومنازل وممرات المدينة، ومن الأخبار التي نقلتها الإذاعة، ما إن شرع راينر في قراءتها ومشاهدة الرسومات والخرائط المحررة بخط اليد لذاك الطفل، فكّر وتدبّر وقال في قرارة نفسه، إنه لم يقرأ قط عن عام 1956 من وجهة النظر هذه، رغم أنه كان قد طالع الكثير والكثير عن هذه الثورة، فمن صياغة هذا الطفل البالغ من العمر اثني عشر عامًا، نقلًا عما رآه بأم عينيه، ومما سمعه من أبويه وجيرانه ومحطات الراديو، ومن حواره مع صديقه، ومما قرأ على صفحات الجرائد وقتها.. من كل هذا تشكلت صورة لها خصوصيتها لم يرها أحد من قبل عن هذه الثورة.
راينر، وبعد أن طالع الصفحات الأولى، أحس وكأنه قد حصل على هدية، فبعد مرور كل هذه السنوات، يمكنه أن يكون جزءًا من عالم طفل يتمتع بالذكاء الحاد والنشاط المثمر. هذا العالم من الناحية التاريخية هو عالم عام 1956، لكنه العام الخاص بجولا تشتش مؤلف هذا الكتاب، وكاتب هذه المذكرات، التي نقل فيها ما كان يحدث وقتذاك يومًا بيوم: أخبار الجموع المتظاهرة، حروب الشوارع، حوارات الكبار في نص مكتوب ورسم منقوش، بل في خرائط ممهورة بيديه. راينر يرى أن هذا العالم الطفولي لعام 1956 يبدو وكأن من رسم معالمه، هو أحد مستشاري البلاط الملكي وقت العصور الوسطى بحبه للنظام والدقة والضمير، لكن في مخطوطة حديثة، ونظامه الداخلي هو نص اليوميات.

منظور عام

أما المترجم فيقول في مقدمته لهذا الكتاب، وبعد أن ينتهي من عادته التي اعتادها في كل كتبه، وهي الحديث عن أهمية الترجمة، يبدأ في تناول الثورة المجرية من كافة الاتجاهات الشائعة، بادئًا بالحديث عنها من منظور عام، أو كما عرفها الناس في العالم، ثم يروح ليتناول الثورة المجرية من وجهة النظر المصرية الخالصة، من خلال تقارير السفارات المصرية في الخارج، خاصة المعتمدة منها في بودابست وموسكو، إضافة إلى ترجمة متن الكتاب الأصلي، الذي يتضمن اليوميات الحقيقية للثورة، لكن من وجهة نظر طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. هذه الثورة، التي يطلق عليها البعض انتفاضة، كانت ثورة معادية للسوفييت في المجر، واستمرت خلالها التظاهرات وأعمال العنف وحروب الشوارع العنيفة من 23 أكتوبر/تشرين الأول إلى 4 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1956. وعلى حسب قول المترجم فإن التغيرات السياسية بعد الستالينية في الاتحاد السوفييتي والحركات القومية للأحزاب الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاضطراب الاجتماعي، قد هيأت الظروف لظهور ثورة أو انتفاضة شعبية كبرى في أكتوبر 1956. وقد شجعت أحداث بولندا وانتفاضة شعبها ضد السوفييت، المجريين على القيام بثورتهم، كما أن العلاقات الوطيدة والتاريخ والمصير شبه المشترك بين بولندا والمجر، جعلت اندلاع ثورة مجرية أمرًا طبيعيًّا في تلك الآونة. في مقدمته هذه ينقل النجار ما قاله ضي رحمي، من أنه مثل كل الثورات اندلعت الثورة المجرية من رحم النظام المتأزم، خاصة أن النظام في المجر كما في الاتحاد السوفييتي تمامًا كان شكلًا من أشكال الاشتراكية، اشتراكية الدولة البيروقراطية، وفي نظام كهذا لا يملك العمال أي سيطرة ديمقراطية على المجتمع، ويحكم المجتمع قلة فوق المساءلة من رجال الدولة الذين يستغلون العمال بغرض اكتناز الأموال. المترجم يرى كذلك أن المثقفين والطلاب لعبوا، في المراحل الأولى من الثورة، دورًا مهمًّا في تحدي هيمنة النظام، غير أن الضربة القاضية كانت بانخراط الطبقة العاملة في الصراع. وواصفًا هذه الثورة يقول النجار إن قلبها ومحورها الأساس هو المجالس العمالية، ذاكرًا أن من مميزاتها ظهور قيادات شعبية من الرجال والنساء والشباب العاديين، الذين طالما عمل جهاز أمن الدولة أو البوليس السياسي على إبقائهم بعيدًا عن المشهد السياسي. وبشكل لافت، يقول المترجم، كان الوعي السياسي يتطور يومًا بعد يوم، وبهذا أثبتت الطبقة العاملة قدرتها الكاملة على ممارسة السلطة وإعلاء مفهوم سيادة القانون، والحفاظ على النظام العام، رغم تفشي الجوع والفقر. وقد سببت أحداث ثورة المجر، يؤكد النجار، انفجارًا مدويًّا داخل الأحزاب الشيوعية خاصة في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية.

خاتمة متأخرة

أما جولا تشتش فيقسم كتابه، أو مذكراته، إلى ثلاثة أقسام، في القسم الأول منها يتحدث عن الثورة المجرية 1956، وفي الثاني يتحدث عن المجر بعد الثورة، ويعنون الثالث بـ «وبعد مرور خمسين عامًا على الثورة». يبدأ جولا تشتش مذكراته بيوم الثلاثاء الثالث والعشرين من أكتوبر 1956 متحدثًا عن ذهابه في الصباح مع أمه لزيارة المقابر، وتوجهه في الواحدة ظهرًا إلى المدرسة وعودته سريعًا إلى البيت بسبب ظروف تخص المدرسة، وفي السادسة والربع سمع أن هناك أناسًا يتظاهرون. وبعينيه طفلًا يرصد جولا تشتش تفاصيل الثورة يومًا بعد يوم. وهكذا يأخذنا جولا بقلمه وريشته ليضعنا في قلب أحداث الثورة، ساردًا تفاصيلها، معبرًا عن رؤيته ووجهة نظره في ما كان يحدث وقتها. اعتاد جولا أن يبدأ يومياته بـ «قرأت في الصباح أن، أو نهضت من الفراش مبكرًا أو في الساعة كذا، أو ذهبت إلى، أو تواجدت في… أو كنت في»، ذاكرًا الأماكن التي كان يذهب إليها وعلى رأسها المدرسة.
وفي خاتمته المتأخرة ليوميات في عمر الطفولة يقول جولا تشتش إنه قام في هذه اليوميات بتسجيل الحقائق ولم يكتب غيرها، لكن ببساطة الأطفال، بدون انتقاء أو تزيين، متقبلًا كل شيء بروح نقية صافية، ذاكرًا حفاظه على هذه اليوميات وجعلها طي الكتمان، وجعلها ذات طابع سري، في فترة الانتقامات، لخوفه من أن يفقدها أو تعرضها للإتلاف، إذا ما وقعت في أيد خبيثة. كذلك يقول المؤلف إن الأحداث الواردة في هذه اليوميات كان مسرح أحداثها الآخر هو بيت عائلة جدته لأمه وجوارها، مؤكدًا أنه لا يدري لمَ لمْ يكتب عن القبور المحفورة في ميادين المدينة. أما اليوميات، التي ظلت قرابة الثلاثين عامًا في الركن الأكثر تأثيرًا على مكتبه وهي مغلفة بشكل جيد، فقد بدأت حياتها الثانية عندما فك مؤلفها سرّيتها، وعمل منها نسخًا احتياطية، معطيًا إياها لمن كان يُظهر فضولًا في مطالعتها، راجيًا، بعد ظهورها ونشرها، أن تكون مهمة ومفيدة للآخرين، ولعلها تضيف جديدًا عن الثورة المجرية التي اندلعت عام 1956.

٭ شاعر ومترجم مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية