الخرطوم ـ «القدس العربي»: حصل اختراق في ملف التفاوض بين قوى «الحرية والتغيير» والمجلس العسكري في السودان، إذ تم الاتفاق في جلسة المفاوضات التي انتهت في الساعات الأولى من صباح الأربعاء على تشكيل مجلس وزراء مدني من الكفاءات الوطنية التي تمتاز بالخبرة المهنية والنزاهة، بحيث يكون المجلس بصلاحيات تنفيذية كاملة، ويتم اختياره من قبل قوى إعلان «الحرية والتغيير»، وكذلك تشكيل مجلس تشريعي مدني قومي انتقالي بعضوية 300 شخص، يتم اختيار ثلثيه من قبل قوى إعلان «الحرية والتغيير»، ويتم تعيين الثلث من القوى الأخرى التي لم تكن جزءاً من النظام السابق، وبالتشاور بين قوى إعلان «الحرية والتغيير» والمجلس السيادي الانتقالي.
محمد يوسف مصطفى، القيادي في قوى «الحرية والتغيير» قال لـ«القدس العربي» إن «ما خرج به اجتماع يومي الثلاثاء – الأربعاء، يعد انتصارا كبيرا لإرادة الشعب، والخلاصة جاءت مرضية بشكل كبير لرؤاهم وتصوراتهم لإدارة الفترة الانتقالية».
وأوضح أن : «اختصاصات هياكل السلطة في مستوياتها الثلاثة، جاءت كما طرحناها، خاصة صلاحيات مجلس الوزراء».
وأضاف : «ما حدث يعد إصلاحا حقيقيا في تاريخ السودان، حيث كانت السلطات في السابق في يد رئيس الجمهورية، أما الآن، ووفقا لما تم الاتفاق عليه، فإن الوزير لديه كافة الصلاحيات لإنجاز عمله ولا يملي عليه أحد أي نوع من السياسات، ولذلك قررنا أن يكون الوزير كفؤا ومختصا في مجاله».
ويفصّل يوسف بشأن تكوين المجلس التشريعي، مبيناً أن «نسبة 67 ٪ لقوى الحرية والتغيير جيدة، على أن تكون النسبة المتبقية 33٪ لقوى الحراك الجماهيري الأخرى التي شاركت في التغيير، لكنها لم توقع على الميثاق، إضافة لمجموعات أخرى بعيدة في الأطراف».
وشدد على «عدم مشاركة القوى السياسية التي شاركت في حكومات البشير السابقة أو كانت متحالفة معها».
وبخصوص مجلس السيادة الذي لم يكن قبل بت بأمره (حتى وقت كتابة هذا التقرير) أشار إلى أن «الاتفاق الأخير جعل النسب غير ذات أهمية، إذا تم الالتزام بالقوام المدني لا العسكري حتى يكسب المجلس تأييد المجتمع الدولي».
النسب غير مهمة
ولفت إلى «الاتجاه الذي برز أخيرا كمقترح باستقالة رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان وخلعه للبزة العسكرية واختياره رئيسا مدنيا لمجلس السيادة، إضافة لمقترح ثان هو أن تكون رئاسة المجلس بالتناوب بين المدنيين والعسكر».
وحسب القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، فإنّ «الاتفاق على الفترة الانتقالية جاء مرضيا للطرفين باعتماد ثلاث سنوات بدلا من أربع، وهو مقترح قوى الحرية، وسنتين وهي رؤية المجلس العسكري».
وعن الخوف من صراع مكونات القوى المدنية حول اختيار وزراء الحكومة، جزم أن «لا خوف من ذلك لأن قوى الحرية والتغيير مكونة أصلا من كتل وتيارات، وتم الاتفاق مسبقا على تحدد نسبة كل كتلة وهي التي تختار ممثليها وفق شروط عامة هي الكفاءة والقومية والنزاهة، ويتم اختيار رئيس الوزراء بالتوافق بين كل التيارات الموقعة على ميثاق قوى الحرية والتغيير».
وحسب الصحافي والمحلل السياسي، شوقي عبد العظيم فإن «الاتفاق على الصلاحيات في هياكل الحكم الثلاثة خفّض كثيرا من نسبة الجدل والخلافات، وجعل الطريق مفتوحا للوصول لاتفاق نهائي وتكوين الحكومة المدنية».
وأضاف لـ«القدس العربي» أن «ما تبقى من تفاوض حول المجلس السيادي لن يشكل عقبة، وتبقى الإشكالية في من يرأس المجلس السيادي».
وأشار إلى أن «الرئاسة ربما تكون دورية، وربما ينجح مقترح استقالة البرهان وتعيينه رئيسا مدنيا للمجلس، ومن المحتمل أن يتم الاتفاق على شأن آخر».
وأعتبر أن «ما حدث هو اختراق أدى لتفاعل الشارع وتقليل الاحتقان والتمهيد لإنهاء الوضع السائد منذ الإطاحة بالبشير».
أما الكاتب الصحافي يوسف الجلال فقد بين لـ«القدس العربي»: أن «ما تحقق في ملف المفاوضات وجد تفاعلا كبيرا بين مختلف فئات الشعب السوداني، خاصة المعتصمين، ما يؤكد أن الثورة ماضية في تحقيق أهدافها»، مشيرا إلى أن «أحداث الثامن من رمضان وسقوط ضحايا وجرحى أدت الى ضغط كبير على المجلس العسكري».
مجلس وزراء بصلاحيات تنفيذية كاملة وآخر تشريعي ثلثاه من قوى «الحرية والتغيير»
وحسب المصدر فإن «تجاوز نقاط الخلاف المتبقية ممكن، خاصة بعد ضمان الحصول على مجلس وزراء مدني بكامل الصلاحيات».
وفي حين وصف ما حصل بكونه «تأسيسا لمرحلة انتقالية جيدة»، شدد على ضرورة «ملء المقاعد بكفاءات مؤهلة بعيدا عن المحاصصة التقليدية مع مراعاة التعددية وخصوصية الوضع السوداني».
ورأى الناشط السياسي الموجود في ميدان الاعتصام، قرب وزارة الدفاع، مصعب حسونة، أن «ما تم من اتفاق جاء على خلفية مأساة ومجزرة خلفت أكثرمن ستة قتلى و300 جريح، وأدت لتوترات واحتقان وتصعيد ثوري شامل، لذلك تابع الثوار جلسة التفاوض الأخيرة بقلق عميق وجاءت ردة الفعل كبيرة بعد معرفة التفاصيل».
ووصف لـ «القدس العربي» الوضع في الميدان بـ«الجيد»، مشيرا إلى «فرحة الثوار بسماع نتائج التفاوض، وإن لم تكن بمستوى طموحاتهم».
وزاد: «كل يوم يمر ترتفع مطالب الثورة بفضل الوعي الذي يكتسبه المعتصمون من خلال وجودهم في الميدان».
وبين أن «حكومة الكفاءات ذات الصلاحيات الواسعة هي الضمان الوحيد لانتصار الثورة وما يتنظرنا من بناء وتعمير وكنس آثار العهد البائد يحتاج لثورة أخرى في ميادين العمل».
إشادة أفريقية
وأشاد الاتحاد الأفريقي، أمس الأربعاء، بالاتفاق، وأعرب في بيان عن تهانيه الحارة لجميع الأطراف في السودان، لـ«تحليهم بالمسؤولية العالية من أجل إكمال دورة التفاوض، في وقت معقول من أجل معالجة القضايا المشروعة للشعب السوداني بالشكل المناسب».
وأثنى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي محمد، على التقدم الذي أحرزه أصحاب المصلحة في السودان في التوصل إلى اتفاق للانتقال السياسي.
وأشار الى التعاون الذي بذل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الترويكا (الولايات المتحدة الأمريكية والنرويج والمملكة المتحدة) لدعمهم نهج الاتحاد الأفريقي، والشعب السوداني في مساعيه لتحقيق الانتقال السياسي.
ولفت بيان الاتحاد إلى وجود المستشار الاستراتيجي الرئيسي لرئيس المفوضية محمد الحسن لابات، حاليا في الخرطوم للإشراف على الدعم الفني للمفوضية الأفريقية لعملية الانتقال السياسي في البلاد.
وفي 23 أبريل/نيسان الماضي اتفق قادة أفارقة خلال قمة تشاورية بشأن السودان في القاهرة، على تمديد مهلة الاتحاد الأفريقي لتسليم السلطة لحكومة انتقالية من 15 يوما إلى 3 أشهر.