القاهرة ـ «القدس العربي»:«صوّرتُ آلاف البشر، وكما كنت أتقاضى أموالاً على صوري، كنت في بعض الأحيان أصوّر من أجل متعتي فقط، حين يلهمني وجه شخص ما». (فان ليو)
تحتفل الجامعة الأمريكية في القاهرة بمرور مئة عام على ميلاد أشهر مصوّر فوتوغرافي عرفه المشاهير من المصريين، ساسة وفنانين وأدباء ورياضيين، وربما ذاع صيته لحرفيته المهنية وللشخصيات التي التقط لها الصور، خلدها أو خلدت اسمه، الأمر سيان.
Van Leo فان ليون (1921 ـ 2002) فنان أرميني جاء إلى مصر هرباً من تركيا بعد مذابح الأرمن الشهيرة، واسمه الحقيقي ليفون ألكسندر بويادجيان. جاءت أسرته أولاً إلى محافظة الزقازيق ـ شمال القاهرة ـ عام 1925، ثم استقرت في القاهرة منذ عام 1930. التحق ليفون بالجامعة الأمريكية عام 1940، وفي الخمسينيات أصبح من أشهر مصوري القاهرة.
الهوس بالذات
تتراوح حياة ليون ما بين كونه مصوراً للصفوة، وكذا بعض الشخصيات التي تستلفته كما قال. من جانب آخر نجد أنه التقط لنفسه المئات من الصور في حالات وأشكال مختلفة، حالة أقرب إلى الهوس وتقليد نجوم السينما، كان يرى نفسه نجماً سينمائياً، عاكسته الأقدار ليظل في استديو في القاهرة، مرغماً على التقاط صور الآخرين. فمرّة يظهر في لحية كثيفة ونظارة شمسية، وأخرى حليق الرأس، قاسي الملامح، وكأنه أحد رجال العصابات، وصولاً إلى وضعه الماكياج وارتداء الملابس النسائية. يقول، «كنت أقتني مجلات وصوراً لممثلي هوليوود، وأدرس فيها بعض نواحى الإضاءة والديكور والملابس. كنت أنظر في المرآة وأفعل ما يحلو لي، أضبط الإضاءة وأصور نفسي على سجيتي، بينما لا أملك هذه الحرية مع الزبون».

فان ليو
زمن الأبيض والأسود
أغلب أعمال فان ليو كانت بالأبيض والأسود، وحتى الملون منها، كان يصورها أولاً بالأبيض والأسود، ثم يقوم بتلوينها يدوياً، ويرى في زمن الصور الملونة زمناً باهتاً يخفي عيوب ومهارة المصوّر، فيقول.. «لا بد من توافر ثلاثة شروط في الصورة الجيدة.. أولها الزاوية المناسبة ثم الإضاءة، وأخيراً والأهم اقتناص لحظة التصوير، حتى تظل الصورة على قيد الحياة، حتى لو رحل صاحبها. فالفن لا يوجد إلا في الأبيض والأسود، أما التصوير الملون، فقد أصبح يفتقر إلى الفن والحِرفة، فالأمر أشبه بمهنة الترزي التي توارت الآن، وقد أصبحت الملابس الجاهزة تتراص في الفتارين، فأصبح الجميع يُشبهون بعضهم بعضا، أما التميز والاختلاف فقد ولى زمنه… غزو الصور الملونة أثّر فى مهنتي كثيراً، كما أن تدني مستوى المعيشة ألغي الصور العائلية، التى كانت كل أسرة تحرص على التقاطها قبل سنوات كثيرة».
الحرب علينا جميعاً
تشهد ذاكرة «ليو» على حريق القاهرة، ومحاولة إحراق الاستديو الخاص به، التي فشلت، كما شهد حرق محلات الذهب، وخاصة اليهود والأرمن. من ناحية أخرى وبمناسبة كيف تأثر عمل وحياة الرجل، يتحدث ليون عن يوليو/تموز 1952، حيث تمت بداية تأميم شركة السكك الحديدية البلجيكية، التي كان يمتلك والده أسهماً فيها، وورثها ليون عنها، وبما أنه مصوّر الصفوة فقد نجح من خلال معارفه في استرجاع جزء منها، ناهيك من خسارته عدداً غير قليل من زبائنه، خاصة بعدما تركت الجاليات اليهودية واليونانية والإيطالية مصر. وهو ما يوضح عداءه الشخصي لنظام عبد الناصر، قائلا «هل شن عبد الناصر حربه على إسرائيل، أم علينا جميعاً؟».
حرب أخرى
يقول ليو.. «كنت مهتماً بالتصوير العاري كغيري من المصورين في تلك الحقبة من الزمن، وليس من السهل أبداً أن تقف عارياً أمام الكاميرا، ينتابك القلق على صورتك أمام المجتمع، أو أن تتعرض للابتزاز، هناك شيء غاية في الخصوصية في هذه النوعية من الصور، يمثلون لحظات حميمية جداً، وكمصور يجب أن تعرف زبونتك قبل أن تطلب منها أن تتصور عارية، وإلا سترفض بالتأكيد». كذلك قام فان ليو بحرق كل الصور العارية التي التقطها، وفسر ذلك في حوار له عام 1988 قائلاً.. «صورت مئات الصور من هذه النوعية، لكني لا أملك أيا منها، حرقتها جميعاً منذ حوالي عشرة أعوام بسبب المتشددين، كنت أعرف أن احتفاظي بها قد يسبب لي المشاكل».

لقطات لمشاهير الفن والرياضة والسياسة في مصر
فان ليو
ومن الحديث عن الصور العارية تجدر الإشاة إلى فيلم «هو + هي … فان ليو» للفنان اللبناني أكرم زعتري، الذي وجد صورة قديمة لجدته في كتاب قديم يخص أمه، ووجد الصورة ممهورة بإمضاء «Van Leo» ـ حيلة سردية بغض النظر عن حقيقتها ـ فسافر من بيروت إلى القاهرة لمقابلة المصوّر الفوتوغرافي الذي التقط هذه الصورة لجدته. لتبدأ رحلة المخرج وفي الوقت نفسه يستعيد رحلة ذاكرة فان ليو نفسه، ويصبح المزج بين التاريخ الشخصي لفان ليو، ومحاولة استقصاء تاريخ وطبيعة حياة امرأة ذاك العصر/الجدة هو الأساس الدرامي للفيلم، بمعنى أنه وثيقة الرجل عن زمنه. فالرجل في الأخير عاش معاناة بلد لم يختره، ولطالما حلم بالسفر والفرار منه، وترك الدراسة لضيق الحال، لا كما يُقال بأن حبه للتصوير هو السبب ـ كلام رومانتيكي ساذج ـ وكان مصوراً لمشاهير ونجوم المجتمع المصري. وقبل وفاته حصل على جائزة الأمير كلاوس من هولندا عام 2000، وتنازل عن مجمل أعماله لمكتبة الكتب النادرة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ليضمن حفظها وإعادة ترميمها بعد وفاته.