ليست الجامعة مجرد مؤسسة تكوينية للتعليم العالي، أو مؤسسة أكاديمية معزولة عن المجتمع والسلطة، وإنما هي مؤسسة مجتمعية في المقام الأول. لهذا فإنها ليست موضوعاً للفلسفة فحسب، بل هي موضوع للسوسيولوجيا أيضاً. فهي لا تمثل موضوعاً لسوسيولوجيا المؤسسة وعلم الاجتماع التربوي وحسب، بقدر ما تمثل أيضاً موضوعاً لسوسيولوجيا الثقافة، أو بالأحرى سوسيولوجيا المثقف بمن فيه الفيلسوف وعالِم الاجتماع نفسهما.
إذا كان كتاب «صراع الكليات» لكانط، وصولاً إلى كتاب «الجامعة غير المشروطة» لدريدا، يشكل أول محاولة فلسفية صريحة للتفكير الفلسفي في الجامعة، فإن كتاب بورديو الموسوم بـ»درس في الدرس» يُجسد بحق أول تفكير سوسيولوجي صريح حول الجامعة. إنه يمثل الأرضية الصلبة لأطروحته الشهيرة عن «الإنسان الأكاديمي»، التي عمل فيها على الكشف عن الآليات الاجتماعية والسياسية الخفية لإنتاج وإعادة إنتاج الجامعة، كحقل اجتماعي أكاديمي مخصوص.
يُعد كتاب «درس في الدرس»، بمثابة درس افتتاحي في الكوليج دو فرانس؛ لم يرض بورديو إلا أنْ يجعل منه درساً في الدرس الافتتاحي عينه، أو لنقل سوسيولوجيا للدرس الافتتاحي، بوصفه طقساً من طقوس التبريز والتنصيب الأكاديميين من حيث هو بداية وافتتاح. تكمن وظيفته الأساسية في كونه يُفوض ويُخول للأستاذ الجديد أنْ يتكلم بنوع من النفوذ والسلطان، الأمر الذي يجعل من كلامه خطاباً مسوغاً ومقبولاً، أيْ صادراً عمن يعنيه الأمر. فبمقتضاه تضفي المؤسسة الأكاديمية نوعاً من المشروعية على خطابه، لكي يغدو خطاباً مقبولاً من طرف الجميع، وهذا هو معنى التبريز. هنا بالضبط يكمن الفعل السحري لهذه العملية الطقوسية: طقوس الدخول في المؤسسات. الشيء الذي يجعل من الأستاذ منتوجاً لتلك المؤسسة عينها، كعون اجتماعي. كيف لا، وهي التي ترسم له صورته الاجتماعية، وما ينبغي أنْ يكون عليه باعتباره عضواً من أعضاء جسدها، ناطقاً رسمياً باسم جماعتها، وموسوماً بوسمها. فمن خلال اعترافها بدخوله للمؤسسة، وما يفرضه عليه ذلك من اسم ومنصب، يدخل من حيث لا يحتسب في اللعبة والوهم؛ لعبة المنافع والمصالح ووهم الوظيفة الاجتماعية. وما يترتب عن ذلك من تواطؤ موضوعي باسم هذه الصفة أو تلك، أو باسم هذه الوظيفة أو تلك. وبالتالي فإن مساءلة الدرس الافتتاحي بوصفه شعيرة أكاديمية للإدماج الاجتماعي في المؤسسة، وإعادة إنتاج نفسها، هي بشكل أو بآخر مساءلة سوسيولوجية للجامعة، باعتبارها مؤسسة اجتماعية وحقلاً للصراع حول الحقيقة التي تزعم الأكاديمية إنتاجها واحتكارها: «إذا كان هناك من حقيقة فهي أن الحقيقة ذاتها مدار صراعات». ومن هذا المنطلق تأتي الضرورة الراهنية للمهمة النقدية المنوطة بالجامعة، فدائماً ثمة مصلحة ثاوية، وراء اختزال الجامعة في وظيفتها الأكاديمية وعزلها عن مهمتها النقدية: عبر سَجنها في زنازِين فصولها الدراسية، وتَسْيِيجها بإدارتها، وإقبارها بين جدرانها. وعلى هذا النحو، فإن الجامعة إما أنْ تكون نقدية أو لا تكون.
٭ كاتب مغربي