الجديدة المغربية: سحر التاريخ وبهاء الحداثة يجتمعان في مدينة الفروسية

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
2

الرباط ـ «القدس العربي»:  تستعرض مدينة الجديدة الواقعة على الساحل الأطلسي في المغرب، بهجتها وجمالها من شاطئ سيدي بوزيد، إلى باقي الملامح البهية في محياها الأصيل، وتروي سيرة الانتماء للوطن ومقاومة الاستعمار من البرتغال إلى فرنسا، كما تنهض ـ في المقابل ـ دليلا مميزا وملموسا عن التأثيرات المتقاطعة بين الثقافات الأوروبية والمغربية والتي تتجلى في الهندسة المعمارية وتخطيط المدن، حيث يجاور العمران الحديث صنوه القديم، ويسير في الحداثة بجوار تطور باقي المدن المغربية وازدهارها.

الجديدة سيرتها حافلة بالوقائع والأحداث، وهي اليوم شريط فخر لقبائل دكالة التي تعتبر عاصمتهم بجوار عاصمة عبدة أسفي. وتحتل مكانة مهمة في الاقتصاد المغربي هذه المنطقة، باعتبارها إحدى رئات الزراعة على مستوى البلاد ككل، وهي أيضًا منتجع ساحلي وصناعة ناجحة على نطاق دولي.

جذور الاسم وعبق التاريخ

مدينة الجديدة التي أطلق اسمها على المركز الساحلي الأمازيغي القديم مازغان وصارت مازاغان التي أرادها البرتغاليون، نسبة إلى سكانها أمازيغيي الأصول، ولدى المؤرخين اللاتينيين القدماء روتوبيس وروزيبيس، ولربما دعي قبلهم من طرف الرحالة القرطاجي حانون باسم أكرا، وهو ما احتفظت به على مدى قرون عديدة، رغم سقوطها في قبضة الاحتلال البرتغالي عام 1514 واستحواذهم عليها لأكثر من قرنين ونصف، إلى حين نجاح السلطان العلوي محمد بن عبد الله سنة 1769 في تحريرها.
وكان البرتغاليون قد قاموا بتحويلها إلى قلعة ذات خندق مائي وأسوار منحنية شاهدة على تطبيق المفاهيم المعمارية لعصر النهضة التي تم تكييفها مع ظهور السلاح الناري بواسطة التكنولوجيا البرتغالية.
غير أن تدبير قائد الحامية البرتغالية بنسف جانب مهم منها قبل الجلاء أدى إلى عدم تعميرها، فأطلق عليها اسم المهدومة، وظلت على ذلك المنوال إلى حين إقدام السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام (1822) على إعادة تعميرها وتحصينها، فأطلق عليها اسم الجديدة وعرفت بذلك لدى المغاربة، فيما احتفظت بتسمية مازغان في الكتابات الأوروبية عموما، والفرنسية على وجه الخصوص.
إن الامتداد في تاريخ الحاضرة / المركز ينكشف أمام العين المجردة في الجديدة من خلال تلك المآثر والعلامات والشواهد الدالة على تعاقب حضارات متعددة اختارت الإقامة فيها، وعشقتها إلى حد الرغبة بالبقاء فوق أرضها وتحت سمائها.
الحي البرتغالي من جهته يدل على أصحاب التسمية الذين تركوا بصمتهم هناك في أهم مستعمراتهم وآخرها، حين استعادت المدينة اسمها، وعادت من جديد الجديدة، بعد استقلالها ضمن الاستقلال الكلي للمغرب من الاستعمار الفرنسي الذي بسط نفوذه على البلاد من 1912 حتى 1956.

نقاوة البداوة وأصالة دكالة

هذه المدينة الساحلية رغم تمدنها وغوصها في عمق الحضارة عبر التاريخ، يصر أبناؤها على انتمائهم للبداوة النقية والأصيلة، وصارت كلمة العروبي دلالة على ابن عاصمة دكالة وأيضا تسري على أبناء مدينة الدار البيضاء، فكلاهما في الجوار واحد وامتداد النقاء البدوي يعشش في صدور أبنائهما معا.
في الصيف، يجعلها موقعها قبلة لأبناء مدن أخرى تعيش الحرارة في أيام القيض، فمن الجهة الشرقية نجد مدينة مراكش، أما الجهة الشمالية فهناك الدار البيضاء، بينما في الجهة الجنوبية للجديدة نجد أسفي، هذا الموقع الاستراتيجي جعلها عاصمة الصيف لأبناء عاصمة النخيل مراكش وأبناء الصويرة.
الجديدة ليست كباقي المدن الساحلية، وهذا أمر غريب يحسه الزائر إليها، ربما الجو العام للساكنة، وربما الإحساس بنخوتها وامتدادها في الزمان والمكان، وربما لأن طقسها مميز بجمال ولطف مناخها واعتداله أيضا، ناهيك عن تلك الشواطئ الرائعة التي تغري بالتأمل والاسترخاء في كل فصول السنة حتى أيام الشتاء.
والمدينة التي عرفت التقدم والازدهار في مختلف جوانبها الحضارية والثقافية، منذ القرون الوسطى، هي في الشكل شبه جزيرة، المياه تحيطها من كل جانب تقريبا، وشواطئها متعددة نجد منها الأشهر سيدي بوزيد ودوفيل والحوزية، ونالت شهرتها عن استحقاق لما يميزها من معالم سياحية جعلتها منطقة جذب لوفود الزوار للمغرب من مختلف بقاع العالم، ليس للبحر وحده اليد في هذه الشهرة والامتياز، بل هناك أيضا الغابة والجبل وهو الجوار الجميل وفسيفساء الطبيعة التي نحتها الخالق ووهبها لمدينة بحجم الحلم. بالنسبة للآثار العمرانية فهي إحدى نقاط قوتها وجاذبيتها، حيث يعود أقدمها إلى القرن السادس، وهنا من اللازم الإشارة إلى بعضها مثل الحي البرتغالي والميناء الذي يحتضن أحد أهم الاحتفالات الدكالية وهو موسم الولي مولاي عبد الله أمغار، وفيه قيلت الكثير من القصائد التي غنتها مبدعات فن العيطة، وخلاله تقوم الدنيا ولا تقعد مطلقا، تتوزع بين رقصات تراثية وصيد بالصقور وبكل تأكيد التبوريدة، حيث يتبارز أبناء القبائل في إظهار مهاراتهم في الفروسية واللعب بالبنادق.
اسم البُريجة جزء من ذاكرة المدينة، وهو تصغير لكمة البرج وذلك هو عشق أهل دكالة إطلاق صفة التصغير على كل شيء تقريبا، حتى الرجل إذا عابه شيء قيل «رويجل» والمرأة تصغر فتصير «مريوة» والكأس بدورها تصبح «كويس» بلهجة المغاربة وليس بلهجة الأشقاء في المشرق العربي.
الحديث عن تاريخ الجديدة بكل تفاصيله يلزمه إبحار بالمعنى الصحيح للكملة، لذلك فالإشارة هنا تكفي إلى أهم ملامح هذا التاريخ التليد، ونبقى مأسورين بجمالها وصفاء سحنتها وجاذبيتها مثل امرأة دكالية فارعة الطول وقوية البنية وجميلة حد الدهشة، تسقي نفسها من وادي ام الربيع الذي يفصل بينها وبين اختها أزمور.
من المميزات الأساسية أيضا لمدينة الجديدة، توفرها على عدة مصانع، أكبرها مركب الجرف الأصفر حيث يوجد معمل الفوسفاط والميناء المصدر له أيضا، كما أن اقتصادها هو أيضا سياحة ولها ما تطلع عليه الزائر بكثير من الجمال، ولها نصيب وافر أيضا من الزراعة.

مدينة الإبداع

الجديدة هي أيضا مدينة الإبداع، ولنا في المسرح البلدي خير دليل، فهو معلمة تاريخية كما صار رمزا ثقافيا، وكان موقعا للعديد من العروض، وشهد أيضا نشأة أسماء كبيرة في المسرح المغربي.
الشعراء لهم باع طويل من العامية العيطة، إلى القصيدة الحديثة مرورا بالعمودية، أما الرواية فحدث ولا حرج ناهيك عن القصة القصيرة والسينما بدورها حاضرة في هذا الفيض الإبداعي لعاصمة دكالة، ويكفينا المرور عبورا على أسماء مثل الشاعر الزجال احمد المسيح، والراحل حكيم عنكر الشاعر والصحافي، والروائي نور الدين وحيد، والقاص والناقد الأدبي الحبيب الدائم ربي، والناقد السينمائي خالد الخضري… ومن الأسماء الكبيرة مسرحيا نجد الفنان الراحل محمد سعيد عفيفي، ولن ننسى ذكر فنان أضرب من أجل بقاء المسرح البلدي، وهو أحمد جواد الذي ترك بصمته بهذا النضال الثقافي إلى جانب مسرحيات أتحف بها الجمهور المغربي.
الكثير من الأسماء التي تحضر بعد الحفر في ذاكرة العطاء اللامحدود للجديدة، وتختفي في يومياتنا، لكن بصمتها تبقى قوية تؤسس للفعل الثقافي النقي.
الحديث عن الفن والإبداع يجرنا إلى الحديث عن العيطة وتلك القصائد العامية التي أبدع شعراؤها في إخراجها بأبهى وأبلغ حلة ملحنة ومغناة بأصوات قوية لنساء اصطلح على تسميتهن بـ «الشيخات» وهن مبدعات وفنانات ومنهن مقاومات ضد الاستعمار أيضا.
وللحديث عن العيطة نلتزم بما عرف منها، أما سبر أغوارها فهو موكول للباحثين الذين قدموا الكثير لهذا الفن الأصيل، ونذكر منهم الشاعر حسن نجمي وآخرين.
اليوم تعيش مدينة الجديدة فرحة متجدد باستمرار، فموسم مولاي عبد الله امغار يبدأ الحكاية ويتوجها معرض الفرس السنوي، الذي ينظم من طرف جمعية معرض الفرس، وبه تجد الأصالة والتراث المغربي العريق المتعلق بالفروسية ومختلف جوانبها.
صار معرض الفرس اليوم من مميزات مدينة الجديدة ومحطاتها الكبرى، من خلاله يتم التعريف بالفرس وإظهار التقاليد المرتبطة بالفروسية والتي تمنح للهوية المغربية بعدها الضارب في الأصالة. وأهمية المعرض تظهر من خلال تنظيمه تحت رعاية العاهل المغربي محمد السادس، ويصير قبلة للمغاربة ولحظة احتفاء بالمورث المغربي في مجال الفروسية.
إلى جانب معرض الفرس، تعيش الجديدة أيضا تظاهرات ثقافية وفنية أخرى، ولا ننسى اليومي حيث الاحتفاء بالعطاء الثقافي لأبناء المدينة من خلال جمعيات محلية تنظم لقاءات وأمسيات وتوقيعات كتب بشكل دائم.

جولة الزائر التي لا تنتهي

قد لا يكفي يوم واحد للقيام بجولة في أهم معالم مدينة الجديدة، ورغم ذلك فإن نشوة الزيارة تقودك إلى منارة بوافي، ولابدّ من السير فوق مياه المسقاة البرتغالية، الكنائس حاضرة أيضا من خلال سيدة النور وسانت بيرنارد والقديس سيباستيان.
أما المدينة القديمة للجديدة فهي متاهة من الجمال، تفرش فرجتها من دون عناء وتفتح أبوابها لكل عاشق متيم بعاصمة دكالة وحتى عابر السبيل يأخذ نصيبه من متعة العين وهواء الأصالة ويمضي.
من بين تلك المعالم أيضا، تقود الخطوات الزائر إلى قصبة بولعوان ومحيطها وأسوارها، وقصبة الوليدية وقصبة دار البارود، تلك بعض من الأماكن التي لا تحتسب الزيارة للجديدة كاملة دون الوصول إليها، بالإضافة إلى أخرى لا يمسح الحيز بذكر المزيد منها.
خلاصة القول، إن الإغراء في مدينة الجديدة لا حدود له، يبدأ بالتاريخ والنهم لمعرفة المزيد، وينتهي بأبهى الإطلالات وأجملها على الإطلاق من بحر وغابة وجبل، ولكل عاشق ما يريد، الغولف متوفر، وركوب الأمواج أيضا، الفنادق متنوعة منها المصنف لأصحاب الميزانيات المرتفعة، والمتوسطة وحتى الرخيصة، أما المطاعم فهي حكاية لوحدها، بين الوجبة آخر طراز وأحدث صيحة، إلى الأطباق الأصيلة المعتدلة الثمن والسمك يحكي أيضا أشهى النكهات متعدد الأشكال والأنسام وطرق الطهي كذلك.
باختصار، في الجديدة لا وجود لشيء اسمه الملل، فكل يوم هو جديد واكتشاف ما خبأه اليوم السابق للزيارة، ولا غرابة في أن تختارها منظمة «اليونسكو» كإحدى أجمل وأرقى البنايات التاريخية في العالم وجرى تسجيلها تراثا إنسانيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية