الشكلانية والمحضن البلشفي
هكذا إذن نمت وترعرعت الشكلانية في كنف الثورة البلشفية، وقد استغلت أداة لنقض كل ما يمت إلى البورجوازية من أدب وفن؛ فوجد هؤلاء النقاد «البيض» أنفسهم يخدمون أيديولوجيا بالنقد لا النقد بالأيديولوجيا، حتى أن مدرسة «باختين» التي جاءت في فترة متأخرة، جمعت بين الشكلانية والماركسية على نحو مثمر.
إن تعريف حلقة براغ للأدب بأنه المجموع الكلي للوسائل الأدبية المستخدمة فيه كما هو الشأن عند شكلوفسكي، الذي تبنى منهجا لصيقا بالأرض، وبحث عما يحدد التقنيات التي يستخدمها الكاتب لإنتاج تأثيرات معينة ـ هذا كله انعكاس واضح لطروحات الفكر البروليتاري الداعي إلى امتلاك المجتمع لوسائل الإنتاج وتقنياته، وأن تطور المجتمع مرهون بتفاعل البنيتين التحتية والفوقية.
هذه الرؤية للغة جعلت الشكلانيين يبدعون ما يسمى بالتواصلية والإبداعية في النصوص الأدبية، وقد بنت كثير من الدول مناهجها في تدريس الأدب لطلابها على هذه القسمة الثنائية، كما هو الحال في مناهج التعليم اللبنانية والجزائرية.
على أن هوس البحث عن الثنائية لم يقتصر على هذا الأمر لدى الشكلانيين ومن بعدهم البنيويون، بل نجد انعكاسا لهذا الأمر في تحرر المدرسة الشكلانية من مقولة (الشكل والمضمون، أو المبنى والمعنى) إلى تبني مقولة أخرى هي (المادة والأداة) ويقصدون بالمادة «المواد الأولية» للأدب، أي الكلمات التي تحكمها اللغة، كما أنهم يقصدون بالأداة «وسائل الخلق الأدبي». وقد رأى ياكبسون أن المطابقة بين التعبير والكتلة اللفظية «هي اللحظة الوحيدة الأساسية في الشعر، والشعر مستقل بذاته أو له قيمة في ذاته».
أما الملمح الآخر في النقد الشكلاني فاهتمامه بالأثر الفني، دون الظروف الخارجية التي ساهمت في إنتاجه، وتركيزه بدلا من ذلك على الخواص العضوية لمكونات الأثر الفني كالأصوات والصورة الفنية والاستعارة… وعلاقاتها المتبادلة وكل ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا؛ ولذلك رفض الشكلانيون تفسيرات الخيال والحدس والعبقرية والتطهر وغيرها من الأمور الوجدانية التي لها علاقة بالمؤلف، ووضعوا عنها التقويم الأخلاقي للفن، وأسدلوا بينهم وبين ذلك ستارا حاجزا.
سيطرة الديالكتيك على الفكر النقدي
كانت فلسفة هيغل (1770-1831) المثالية الأساس للمادية الجدلية التي نظّر لها «كارل ماركس» (1818- 1883) وخلاصة الفلسفة المثالية تقول إن وجود الشيء على الصعيد الخارجي هو ثمرة إبداع فكري؛ ففي الوجود الفكري تبدو الأشياء غير متناقضة وغير متنافرة، وإنما يظهر ذلك التناقض وذلك التنافر عندما توجد واقعا في الخارج، فساعتئذ تعود هذه الأشياء ثانية إلى الفكر الذي يحاول تحسينها، ثم يردها ثانية إلى الخارج، وهكذا تمضي الأمور في حركة مستمرة أطلق عليها اسم «الديالكتيك» وتعني حركة ذات أطوار ثلاثة:
أولا- الأطروحة: ولادة الشيء مشروعا في عالم الفكر، وقد فسر هيغل الفكر الكلي الذي دبر عالم الكون كله بالتدبير الإلهي، لذلك سميت فلسفته بالمثالية.
ثانيا- النفي: تحول المشروع الذهني إلى ماهية ماثلة في الصعيد الخارجي.
ثالثا- نفي النفي: أي انعكاس صورة الشيء مرتدة إلى دنيا الفكر، وتسلط الفكر عليه لتطويره، ثم إعادته إلى ساحة الوجود في صورة أفضل، في حركة لولبية متصاعدة إلى الأرقى دائما.
هذه هي أسس الديالكتيك المثالي عند هيغل، وقد أتى بعده ماركس وأشياعه ليحوروها إلى فلسفة مادية، تنفي وجود الفكر الكلي، وما الفكر لديهم سوى ما يتمتع به آحاد الناس، وهو ثمرة للمادة لا المادة انعكاسا له.
لا تهمنا كثيرا ولا قليلا الفروق بين الفلسفتين، بقدر ما نحن بحاجة إلى تمثل هذه القوانين الثلاثة (الأطروحة والنفي ونفي نفيها) للإضاءة على ما لدى الشكلانية في النقد من انعكاسات لهذه القوانين، وإليكم بيان ذلك.
لقد فصلت الشكلانية النص عن سياقه وسباقه، وحرمته من مكانه وكاتبه، واتخذت لنفسها شعار «الكلمة المكتفية ذاتيا». وهي في ذلك كله تجسد عمليا المنهج الماركسي في معالجة القضايا الأدبية. فلا دخل، إذن، لعوامل أخرى في إنتاج الأدب، عدا وحداته المتناقضة المتصارعة في ما بينها، المشكّلة للنصوص الأدبية. إن قانون وحدة الأضداد وتصارعها يضمن تطور كل شيء، لذلك ولع الماركسيون بالبحث عن التناقض والتضاد، واعتمدوه مظهرا مهما في رصد حركة الأشياء، ولا غرو في أن نجد لهذا القانون انعكاسا بيّنا على النقد لدى الشكلانيين، الذين نظروا للوظيفتين التواصلية والإبداعية في النصوص الأدبية.
من مستلزمات تطبيق المادية الجدلية على التاريخ تفسير كل ما تزخر به الحياة البشرية والمجتمعات الإنسانية من ثقافات ومعتقدات وأديان وعلوم وآداب، لا على أنه منبثق من حقيقة ذاتية مطلقة، لها ارتباط بخالق الكون ومدبره.
ورغم أن الشكلانيين الروس استبعدوا مقولة (الشكل والمضمون) من نظرتهم للأدب، إلا أنهم وضعوا بدلا عنها أطروحة (المادة والأداة) المادة الأولية للأدب، أي الكلمات والحروف والأصوات وغيرها، والأداة وقصدوا بها وسائل الخلق الأدبي، أي كل ما يحول تلك المادة إلى أسلوب ونص، والمادة والأداة محوران اثنان يتقاطعان فيولدان نسقا عضويا يميز حسن بنائه بين عمل فني وآخر.
البنيوية نظرية فتنت النقد الغربي كما العربي
لم تكن البنيوية مع مؤسسها الأول فردينان دوسوسير بدعا من المقولات، أو خلوا من تراكمات معرفية وثقافية مهدت لطروحاته الرائدة في مجال البحث اللغوي عند الغرب، فقد ساد المنهج المقارن في علم اللغة بعد فرانتس بوب (F.BOOP) (1791-1867) خاصة بعد أن لاحظ الباحثون الغربيون النتائج المحققة من مقارنات اللغات الأوروبية باللغة السنسكريتية وبباقي اللغات الهندو- أوروبية، وبروز اتجاه عند بعضهم في النظر إلى اللغة لا كظاهرة مادية متكاملة ومستقلة، بل كنشاط مرتبط بالإنسان، فنشأ ارتباط وثيق بين علم اللغة والدراسات الإثنولوجية والفولكلورية، خاصة في المدرسة الألمانية. وإذا كان دوسوسير قد انتقد سابقيه وطرائق دراستهم للغة، من حيث تركيزهم على المقارنة دون إبراز القوانين الجامعة لأنظمة اللغات في العالم، ومن حيث إغراقهم في التوصيف التاريخي لتطور الألسنة_ فإن دوسوسير نفسه أفاد من خطاهم وسار عليها مفيدا أو مستفيدا. ونسجل ههنا أن ما أثر في الرجل من تحليل لقوانين اللغة لا يخلو هو الآخر من تأثيرات الفلسفة الديالكتيكية، هذه الفلسفة التي أثرت في جيل كامل عاصر نشوءها وسيطرتها، ولا يزال تأثير هذا الفكر ساريا إلى اليوم لدى الغربيين ومن شايعهم من الشرقيين. فأين تبدت معالم هذا الفكر في اجتهادات دوسوسير اللسانية؟
أولا- في ما يتعلق بالبعد الاجتماعي للغة، فاللغة عند الرجل «نتاج اجتماعي لملكة الكلام، ومجموعة من المواضعات يتبناها الكيان الاجتماعي ليمكن الأفراد من ممارسة هذه الملكة». من مستلزمات تطبيق المادية الجدلية على التاريخ تفسير كل ما تزخر به الحياة البشرية والمجتمعات الإنسانية من ثقافات ومعتقدات وأديان وعلوم وآداب، لا على أنه منبثق من حقيقة ذاتية مطلقة، لها ارتباط بخالق الكون ومدبره، بل إن كل ذلك ظواهر مادية أنتجها ذلك التفاعل والتناقض في الحياة الجمعية للناس في ما بينهم وبين المحيط الطبيعي الذي يعيشون فيه؛ لذلك صنف «دوسوسير» اللغة من بين تلك الظواهر الإنسانية الاجتماعية التي يطفح بنيانها بالثنائيات المتفاعلة، كما موضح في النقطة الموالية.
ثانيا- نلفي لدى الرجل في سفره المهم «دروس في الألسنية العامة» كمّا من الثنائيات، انطبعت بطابع قسمة تتسم بالتناقض حينا وبالتكامل حينا آخر، كما هو الشأن في: الدال والمدلول، اللغة والكلام، متصور ذهني وأكوستيكي، المنطوق والمكتوب، الألسنية الآنية والزمنية، عناصر اللغة الداخلية والخارجية… وغير ذلك مما تعج به صفحات كتابه السابق الذكر. وهذا الإصرار على القسمة الثنائية لم يكن اعتباطيا أملاه البحث الدقيق، بل كان نتاج عقلية تشبعت بالفكر الأيديولوجي الجدلي، وسرى بعد ذلك في ثنايا البحث اللغوي الألسني المعاصر، ثم تسرب إلى نقدنا العربي عبر ترجمات وعقليات غفلت عن الفروق الثقافية في ميدان الثقافة والمعرفة.
ثالثا- في ما يتعلق بخصائص الدليل اللغوي، فهو عند الرجل اعتباطي ذو صفة خطية للزمن أثر فيها. ومعنى ذلك أن اعتباطية الدليل اللغوي متأتية من عدم وجود علاقة منطقية بين الدال والمدلول، كما مثل هو لذلك بلفظ (أخت) فدالها مختلف من لغة إلى أخرى ومدلولها معروف للجميع؛ ما يعني أن العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية بحكم التواضع ليس إلا؛ والنتيجة أن الكلمات اختيار تواضعي غير واع، واللاوعي هو سمة تحكم حركة الثنائيات في صيرورتها التطورية، تماما كما تحلل الفلسفة المادية الأشياء، وهي فلسفة لا تتفق وإحساس العربي في الصحراء، الذي ينتقي كلماته وفق نسق فطري يستبطنه في فطرته بين المعاني والمباني، وفقه اللغة العربية زاخر في كثير من مباحثه بتصاقب الألفاظ وأصواتها، كما أن علماء المعجميات العربية استفادوا كثيرا في تحديد دلالة الألفاظ من بنيتها الصوتية، كما نجد ذلك عند ابن جني والجواليقي والثعالبي. أما الصفة الخطية للدال التي وسمه بها الألسني فردينان دوسوسير، فلأنه ذو طبيعة سمعية ويجري في الزمن وحده، وله خصائص الزمن، وله امتداد مثله؛ وبالتالي يمكن قياس هذا الامتداد من حيث بعد واحد هو الخط.
نخلص من ذلك إذن إلى القول بأن خاصيتي الدليل هاتين- الاعتباطية والامتداد الزمني- هما وليدتا جدلية التطور في الفلسفة الديالكتيكية؛ فعامل الصدفة/ الاعتباطية في التناقض بين الأزواج في هذا الكون، والزمن الذي يستغرقه هذا التفاعل بين المتناقضات، هما سمتان بارزتان للحركية الجدلية في التطور. وكأني بدوسوسير» يجسد هذه الأطروحة بوفاء واقتناع، وينزل قوانينها على اللغة، أي لغة، تنزيلا، غير آبه بخصائص اللغات وميزاتها الفارقة.
كاتب من الجزائر