تزفيتان تودوروف
تزفيتان تودوروف المؤرخ والفيلسوف والسيميائي وعالم الشعريات؛ إنه واحدٌ من القلة الهائلة التي غيرت مجرى الفكر الإنساني خلال العقود الأربعة الأخيرة، من نظريات الأدب والثقافة إلى أخلاق التاريخ والفكر الإنساني والعلوم الاجتماعية. ولا يمكن للمرء أن يتصور دراسة أو مقالا لم يرجع فيه صاحبه إلى أحد مراجعه النفيسة أو يستشهد بها، بل إن جيلا بكامله تربى عليها وتداولها لفترة ما زالت مستمرة إلى اليوم. وفي النقد العربي المعاصر، لا يمكن للمتتبع أن يخطئ هذا الأثر الكبير الذي أرخاه عليه، سواء في طوره البنيوي الذي ذاع منذ ثمانينيات القرن الماضي، أو حين توجه إلى تاريخ الفكر الأوروبي واضعا علاماته الكبرى على مبضع النقد والحوار والتفكيك.
البنيوي وإرث الشكلانيين
شاءت الصدف أن يحط تزفيتان تودوروف (1939-2017) رحاله في باريس التي جاءها لقضاء سنة جامعية «ما وراء الجدار الحديدي» وهو ابن الرابعة والعشرين، وبدل أن يعود إلى بلغاريا بلده الأصل فتنه المناخ الثقافي الفرنسي العارم وأخذ بحماسه وقارع مطامحه الوليدة، فطلب حق اللجوء السياسي. وفي الحقيقة، اختار أن يكون كاتبا جعل من الأدب شاغله الرئيس. ومنذ عام 1963، ظل تودوروف وجها بازغا جنبا إلى جنب إميل بنفينيست ورولان بارت وميشيل فوكو وجيل دولوز وكلود ليفي ستراوس وألان روب غرييه وجيرار جينيت وهنري ميشونيك وغيرهم من أساطين الفكر الفرنسي المعاصر. عُرف تودوروف في أول الأمر باعتمامه بالشكلانيين الروس عبر جمعه لنصوصهم النظرية ودراستها (1965) وظل هذا الاهتمام حاضرا طوال عشرين سنة، إما من خلال التركيز على أحد الجوانب من مشاغلهم المعرفية بخصوص الأدب (اللغة الشعرية، الإرث المنهجي) أو من خلال الاحتفاء النقدي ببعض رموز هذه المدرسة التي غيرت وجه النظرية الأدبية الحديثة؛ مثل فلاديمير بروب الذي نشر كتابه «مورفولوجيا الحكاية العجيبة» (1970) مع ما لقيه من رواج منقطع النظير في الوسط الأكاديمي في فرنسا، ورومان ياكبسون الذي كان يعود إليه دائما في كتاباته، وجمع نصوصه التي كتبها بين عامي 1919 و1937 في كتاب تحت عنوان «قضايا الشعرية» (1973) وخصه بمجموعة من النصوص المختارة في كتاب آخر تحت عنوان «رومان ياكبسون: حياة في اللغة» (1984). يرجع تودوروف اهتمامه بهم إلى ما وجده في كتاباتهم من حضور مشروع «نظري» كان يتقدم بتؤدة وطموح: «ميراثنا الحقيقي من الشكلانية الروسية ليس عبارة عن عقيدة، بل هو آلاف القضايا الأدبية التي لم نطرقها قبل الشكلانيين الروس، وأصبحنا من بعدهم نطرقها: لقد كانوا يرون، وقد علمونا أن نرى». ولهذا، فهو يدين لهم بدين كبير في مجال النظرية والنقد الأدبيين، وشعريته هي على نحو ما شعريتهم التي عمل على تطويرها وإغنائها بأفكار وتصورات جديدة في مرحلته البنيوية.
قد تكون المفاهيم البنيوية وما يتصل بها من نزعة شكلانية أو انكفائية في فهم الأدب قد فقدت بريقها مع الوقت، إلا أنه لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها دون نقدها والتأسيس عليها؛ لأن البنيوية لم تكن نظرية وحسب، بل موقفا ورؤية أعادت النظر في قضايا ومقولات معرفية كثيرة، ولولا ذلك لما أتيح لما أتى بعدها أن يستلهم روحها العلمية حتى من قبل من واجهها وشنع عليها، مثل التفكيكية.
من خلال المنهج البنيوي أسهم تودوروف في تغيير طريقة تحليل النصوص وإبراز أدبيتها، وتغيير الأحكام والتصورات المتصلبة عن العمل الأدبي، إذ اعتنى بدراسة مستويات التحليل البنيوي المختلفة من منظور علم الشعرية، مركزا على الشكل بدل المحتوى داخل هذا التحليل، قائلا: «إن وصف العمل الأدبي يهدف إلى التعرف على معنى عناصره الأدبية» ولا طائل من البحث عن معنى نهائي للعمل الأدبي خارج علاقة النصوص ببعضها بعضا، وبالنظر إلى السياق الذي أنتجت فيه. غير أن رهانه في هذه المرحلة، كان هو تحويل الدراسة الأدبية إلى معرفة علمية؛ أي علم الأدب (الشعرية) بما أن المفاهيم البنيوية في حد ذاتها كانت تهدف بشكل متسق إلى «معرفة القوانين الضمنية» وقد بدا ذلك بجلاء في سؤاله الإشكالي (ما البنيوية؟) حين أصدر كتابه في «الشعرية». لم تعد للبنيوية منذ إضرابات الطلبة في مايو/أيار من هذه السنة، سمعة طيبة، فأخذت تتراجع وتخلي مكانها لمناهج واستراتيجيات نقدية جديدة، سُميت ما بعد بنيوية في أول الأمر.
لم يقصر إسهامه في الحيز الشكلاني، بل تعداه إلى استكشاف المتخيل في صميم عمليات السرد، واستكشاف النظام التعبيري في علاقته بالصورة والرمز والأسلوب، وأدمج القارئ في هذا الأفق. ويكفي المرء أن يطالع كتبه في هذا الصدد ليدرك العمل الدؤوب الذي بذله بمهماز النقد والمعرفة، حتى عُد ما كتبه من أعظم إسهامات البنيوية من أجل إنشاء نظرية أدبية جديدة تقترض مفهوماتها وأطرها المعرفية من اللسانيات والبلاغة والشعرية، أو من نظرية التلفظ وتحليل الخطاب في ما بعد، مثل: «الأدب والدلالة» (1967) و»مدخل إلى الأدب العجائبي» (1970) و»شعرية النثر» (1971) و»أجناس الخطاب» (1978).
قد تكون المفاهيم البنيوية وما يتصل بها من نزعة شكلانية أو انكفائية في فهم الأدب قد فقدت بريقها مع الوقت، إلا أنه لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها دون نقدها والتأسيس عليها؛ لأن البنيوية لم تكن نظرية وحسب، بل موقفا ورؤية أعادت النظر في قضايا ومقولات معرفية كثيرة، ولولا ذلك لما أتيح لما أتى بعدها أن يستلهم روحها العلمية حتى من قبل من واجهها وشنع عليها، مثل التفكيكية. وقد استفاد تودوروف نفسه حتى وهو ينتقدها في «نقد النقد» (1984) من روح البنيوية في تفكيك الخطابات غير الأدبية التي عاركها من منظور إنساني رفيع؛ لأن الخطاب – أيا كان- ليس ظاهرة لغوية وفنية وحسب، أكثر من أنه ذو طبيعة جينيالوجية تتشكل من عناصر تاريخية وسوسيوثقافية مركبة. وحين كتب «الأدب في خطر» (2007) في ضوء المصير الذي كان ينحدر إليه عبر الطرق الجافة التي يتم تدريسه فيها، دافع عن البنيوية التي جاءت من أجل إحداث التوازن بينها وبين المناهج السياقية: «كان مقصدي (ومقصد الأشخاص من حولي في ذلك العهد) إقامة توازن أفضل بين الداخلي والخارجي، كما بين النظرية والتطبيق، لكن ما هكذا جرت الأمور اليوم.»
الأنا الحوارية في نقد المركزية الأوروبية
ابتداء من مطالع الثمانينيات، وأثناء تأزم السرديات البنيوية وانسداد أفقها، تغيرت الأشياء عند تودوروف، إذ نزع عنه عباءة البنيوي المنشغل بسؤال الأدب، وأخذ يتوجه إلى مقاربات مغايرة تستعين بتحليل الخطاب في بحث «تاريخ أنظمة الفكر» عبر تتبع أبرز المنعطفات التي غيرت وجه البشرية في الأزمنة الحديثة، بقدر ما أعادت ترتيب صيغ الوجود الإنساني وطبيعة العلاقات التي صارت تحكم القارات والثقافات والمجتمعات، على نحو كشف عن رحابة مشروعه الإنساني غير الخاضع لحسابات المركزية الأوربية وأوهامها. لا يخفي تودوروف تأثره بالشكلانيين الروس، ونورثروب فراي، وبرتولد بريخت، وجان بول سارتر، وموريس بلانشو، ورلان بارت، إلا أن تأثره زاد أكثر بعلمين اثنين قلبا فهمه للظاهرة الأدبية وغير الأدبية، وهو تأثر تتداخل فيه عناصر ذاتية (الاغتراب والعيش في المنفى) وأخرى موضوعية (نقد أوهام الخطاب): ميخائيل باختين وإدوارد سعيد؛ فالأول أفاده من خلال حواريته، وقد ظهر ذلك في «ميخائيل باختين، المبدأ الحواري» (1981) لأنه يبني عليها في بناء نقد حواري يستدعي تفكيرا أخلاقيا وهو يتوجه لمعرفة الآخر داخل البين- شخصية على نحو يتجاوز مجموعة من التعارض بين الشكل والمضمون، الذات والآخر، الهوية والغيرية، إلخ. مثلما أفاد من إدوارد سعيد الذي تعرف على أعماله الفكرية التي نقلته إلى حوارية ثقافية مختلفة تحتشد بصور التمثيل والغيرية والسرد ما بعد الاستعماري، بل قدم كتابه «الاستشراق» في ترجمته الفرنسية، معترفا بهذا الأثر.
في كتابه «فتح أمريكا: مسألة الآخر» (1982) يظهر هذا التأثر الذي نقل تودوروف من حدود النص الأدبي إلى مفترق الثقافات وصراع أنظمة الفكر، منظورا إليها من زاوية فكر الاختلاف وعلى محك المبدأ الحواري الذي يستدعي المركزية الغربية لنقد خطابها وعلاماتها وأوهامها العرقية والثقافية.
في كتابه «فتح أمريكا: مسألة الآخر» (1982) يظهر هذا التأثر الذي نقل تودوروف من حدود النص الأدبي إلى مفترق الثقافات وصراع أنظمة الفكر، منظورا إليها من زاوية فكر الاختلاف وعلى محك المبدأ الحواري الذي يستدعي المركزية الغربية لنقد خطابها وعلاماتها وأوهامها العرقية والثقافية. فهو يحلل المدونات أو الوثائق الخاصة باكتشاف أمريكا، التي يحتفظ بها الأرشيف الاستعماري الإسباني، ويكشف من خلالها عمليات الغزو والإبادة والاستيطان التي لها الهنود الحمر، بما في ذلك يوميات كولومبوس ورسائله إلى ملكي إسبانيا، ويستخلص أن انتصار الغزاة على سكان الأزتيك الأصليين لم يكن انتصارا عسكريا أو اختراقا اقتصاديا حسب، بل هو صراع حضاري وثقافي تلعب اللغة بمفهومها السيميائي دورا كبيرا؛ حيث أتقن الأوروبيون قراءة علامات الآخر مما أدي إلى ترجيح الكفة لصالحهم، رغم التفوق المطلق لجيش الأزتيك. فالكتاب، في هذا التصور، هو بحث أخلاقي يتأمل العلامات من منظور التأويل والاتصال وداخل العلاقة مع الآخر، واستراتيجية في تحليل الخطاب تكشف عملية الإزاحة والهيمنة.
وفي «نحن والآخرون: النظرة الفرنسية للتنوع الثقافي» (1989) يربط تودوروف عمله النقدي مرة أخرى بتاريخ الفكر، ويسعى للإجابة عن إشكالية القيم أو نسبيتها عن طريق حواره مع خمسة عشر مفكرا فرنسيا؛ من أمثال: شاتوبريان، وإرنست رينان، وليفي ستراوس، وآرتو وغيرهم، ومن خلال تفكيك أنظمة خطابهم الدلالي والفكري يرى أنهم يتوزعون بين إسار المركزية والقول بتفوق الرجل الأبيض، والنسبية في النظر إلى الآخر. فمن جهة أولى، ينتقد أصحاب دعاوى شمولية قيم الحضارة الأوربية وضرورة تطبيقها على كل شعوب الأرض، التي أدت استعمارها ومحو ثقافاتها الأصلية المتنوعة (فولتير، توكفيل). ومن جهة ثانية، يؤكد أن القيم والعادات تختلف من ثقافة إلى أخرى، داخل موقف النسبية، تعزز الاعتراف بالمساواة والتعددية والاختلاف، وإن كان أصحاب هذا الموقف (رينان، ليفي ستراوس) يضمرون عنصرية بغيضة عند المطابقة بين الاختلاف وبين الشعور بالاستعلاء. فيما يعكس مونتسكيو وروسو موقف الاختلاف بصريح الدلالة، لأنهما استوعبا اختلاف الشعوب وقيمها من منظور إنساني لا عنصري ضمن مبادئ عصر الأنوار.
في كتابه «روح الأنوار» (2006) يقدم تودوروف مراجعة نقدية وإبستمولوجية لعصر الأنوار في ضوء متغيرات السياق الحضاري، والواقع الغربي الراهن تحديدا، مستدلا على الممارسات السياسية الغربية، من الأنظمة الشمولية إلى الأيديولوجيا الاستعمارية التي أدارت ظهرها لفكر الأنوار، وخذلته بوصفه «مشروعا». إنه بيان نقدي ينتقد فيه التوظيف الغربي المسيء إلى روح العقلانية والاختلاف والتعدد التي أنشأت روح التنوير. ويعترف أن فكر الأنوار استطاع أن يحقق نصرا، لكن الأهداف المأمولة منه لم تتحقق كاملة، وإلا كيف نفسر أن النظام القائم، بوحيٍ من روح الأنوار، لا يزال محط انتقاد بعد الذي شهده القرن العشرون من مجازر وحربين طاحنتين وقيام أنظمة شمولية في أوروبا وخارِجها، بالإضافة إلى ما أدت إليه الاختراعات التقنية من دمار وتقتيل. يقول: «إن هذا القرن بدا كأنه يُسفه نهائيا جميع الآمال المُعبر عنها في الماضي ما دفع الكثيرين إلى الكف عن الانتساب إلى الأنوار، وصارت الأفكار التي تتضمنها كلمات من قبيل (إنسية) (تحرر) (تقدم) (عمل) و(إرادة حرة) فاقدة لكل اعتبار». إن درس الأنوار- في نظره – يتمثل في القول بالتعددية التي يمكن أن تُفْضي إلى وحدة جديدة من خلال الحث على التسامح، وتنمية الفكر النقدي الحر والتجرد عن الذات مما يسمح بالاندماج مع الآخر. وعليه، فإن هوية أوروبا وتبعا لـ «إرادتها العامة» يمكن أن تقوى من خلال القدرة على دمج الاختلافات دون القضاء عليها.
لم يكف تزفيتان تودوروف عن بحث مثل هذه المشكلات التاريخية والأخلاقية التي تخص موضوعات بالغة الحساسية مثل: التسامح، وكراهية الأجانب، والاستعمار، وصراع الهويات، والتعدد الثقافي، وتقبل الآخر، والديمقراطية، والتظرف، والنظام العالمي الجديد، والنزعة الوطنية المفرطة والليبرالية المتوحشة، كما في كتبه التالية تمثيلا لا حصرا: «ضد التطرف» (1991) و»ذاكرة الشر، إغواء الخير» (2000) و»الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات» الذي أهداه إلى إدوارد سعيد (2008) ثم «أعداء الديمقراطية الحميميون» (2012) الذي كشف فيه الآثار المنحرفة للديمقراطية على نحو يهدد وجودها بسبب المبالغة التي تحيط بها.
لقد جعل منه هذا البحث الذي أقامه على مبدأ حواري- طباقي، صاحب نزعة إنسانية لا يؤمن إلا بالإنسان، ويثبت أن جوهر الحضارة يكمن في الاعتراف بالتعددية الثقافية، وفي التحلي بالتسامح مع الآخرين والتعايش مع ثقافتهم المختلفة والمتنوعة، قائلا: «إن الحروب الحالية لا تمت بصلة إلى صراع الحضارات والخوف من البرابرة شعورٌ يوشك أن يجعلنا نحن أنفسنا برابرة».
كاتب مغربي