الجريمة وفقدان الذاكرة

حجم الخط
3

نشرت صحيفة «هآرتس» بتاريخ 5 نيسان-أبريل 2019 تحقيقاً مثيراً عن آلية إصدار الكتاب الأول للجندي الإسرائيلي ليئور عازاريا، قاتل الشهيد عبد الفتاح الشريف الذي كان مصاباً ومرمياً على الأرض في تل الرميدة في مدينة الخليل، في 24 آذار-مارس 2015.
حكاية إعدام الشهيد الفلسطيني من المسافة صفر، وما رافقها من خطاب إسرائيلي عنصري، صارت اليوم جزءاً من الجريمة، أي من العنوان الحقيقي لكتاب تاريخ إسرائيل منذ تأسيسها على أنقاض الشعب الفلسطيني.
نسي الفلسطينيون والعرب عازاريا وجريمته، ففي كتاب فقدان الذاكرة الفلسطيني والعربي تتحول المصيبة الجديدة إلى ممحاة تمحو المصيبة التي سبقتها.
نحن ننسى، لكن المجرم لا يريد أن ينسى، فذاكرة الجريمة جزء من الجريمة، هكذا قرر السيد عازاريا إصدار كتاب بعنوان: «من الظلمة إلى النور، رصاصة واحدة في الخليل»، يروي فيه باعتزاز حكايته مع ضحيته.
عازاريا الذي حكم عليه بالسجن 18 شهراً، ثم خفضت مدة محكوميته إلى ثلثها، يصول اليوم ويجول في الخليل محاطاً بالمستوطنين المتعطشين إلى مزيد من الدماء، وهو يَعِد القارئ في حال تبرع بمبلغ 800 شيكل (225 دولاراً)، بنسخة موقّعة من كتابه إضافة إلى بطاقتين تخوّل حاملَيها القيام بجولة في موقع الجريمة برفقة والد الجندي السفّاح!
سياحة الجريمة، نقول، لكنها في الواقع تجسيد للمناخ العام الذي يسود في إسرائيل عشية الانتخابات البرلمانية، حيث يتنافس دعاة التمييز العنصري على من سيقطف جائزة صفقة القرن، ويكون القاتل الأخير للوجود الفلسطيني.
حكاية عازاريا تضيف فصلاً جديداً ومثيراً إلى سِفر الجريمة الإسرائيلي، لأنها تحوّل قاتلاً تافهاً، تمرجل على جريح ملقى أرضاً وبلا حراك، إلى كاتب إسرائيلي، لعله سيكون الكاتب الإسرائيلي الأول الذي يكتب بلا أقنعة. لا ندري إذا كان عازاريا يملك ناصية الكتابة أو أنه استأجر صحافياً ليكتب له أو معه، هذا ليس مهماً، المهم أن علينا أن ننتظر جولات قرائه وهم يتغرغرون بدم الضحية.
والمفارقة أن الإعلان عن كتاب عازاريا تزامن مع الهدية الانتخابية التي قدّمها فلاديمير بوتين لصديقه الحميم بنيامين نتنياهو. الهدية كناية عن رفات جثة الجندي الإسرائيلي زخاري بومبل، الذي قُتل في معركة السلطان يعقوب في 10 حزيران-يونيو 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان. ما هذا التقاطع المريب بين الدولتين العظميين على تقديم هدايا «سورية» لنتنياهو عشية الانتخابات الإسرائيلية؟ ترامب أهداه الجولان وبوتين أهداه جثة!
تقاطع يقوم بتقطيع الأشلاء السورية، كأن القوتين العظميين قررتا أن سوريا ماتت، وأن لا أحد يحكمها، وهما قادرتان على أن تفعلا ما تشاءان.
ليس مهماً أن نعرف ما نعــــرفه، وقد سبق لابـــن خـــال بشـــار الأسد، رامي مخلوف، أن أعلـــنه في بدايـــات الثورة السورية، حين أشار إلى وحدة المصير بين بقاء النظام السوري وأمن إسرائيل.
الإسرائيليون لا ينعمون بالأمن على جبهة الجولان فقط، بل يواصلون وسيواصلون سياسة الضم الزاحف لما تبقى من فلسطين، ولكن السؤال هو أين النظام السوري؟ هل وصل هذا النظام إلى مرحلة التطبيق العيني والملموس للشعار الذي رفعه الشبيحة في بداية الثورة: «الأسد أو لا أحد».
من يحكم سوريا اليوم، الأسد أو لا أحد؟
بوتين قال في لحظة تسليم الرفات، التي أحيطت بأبهة جنائزية، إنه يحق للجندي الإسرائيلي أن ينعم بالتشريفات العسكرية. وكان المشهد أشبه بإعلان انتخابي لنتنياهو، أما زعيم الليكود فاصطنع التأثر، وحكي بصوت متهدّج، سوف يكون وسيلته للانتصار في الانتخابات التي تجري اليوم.
من أعاد الجثة؟
وزير الإعلام السوري قال أن لا علاقة لسوريا بالأمر، وبوتين أكد أن العثور على الجثة تمّ بالتعاون مع العسكريين السوريين. من يكذب ومن يقول الحقيقة؟
لن نتوقف أمام تصريح السيد أنور رجا، المسؤول في منظمة «القيادة العامة» التابعة لأحمد جبريل، فالرجل اتهم المجموعات الإرهابية بنقل الجثة إلى تركيا حيث تسلمتها المخابرات الإسرائيلية! ولا أمام التراشق بالجثة التي حاول بعض إعلام الممانعة تسويقه، فالمسألة واضحة، الرفات نقل إلى موسكو، والروس هم من وجده، إضافة إلى أنهم عثروا على حذاء الجندي وقميصه، التي سلمها الرئيس الروسي إلى صديقه الإسرائيلي.
مشاركة النظام السوري في احتفال تسليم الجثة أو عدمها سيّان. الأساسي أن الجثة خرجت من «سوريا المفيدة» التي يقال إن النظام يحكمها. إما أن يكون النظام يحكم في مناطق سيطرته وهو بالتالي شريك في العملية، وإما أنه لا يحكم فهذا يعني أنه فاقد الحيلة، وبهذا المعنى فهو شريك أيضاً.
وهذا يعيدنا إلى الثابت الوحيد الذي يشكل الأيديولوجية العميقة لأنظمة الاستبداد، التي تتألف من بند واحد هو البقاء في السلطة. فالديكتاتور العربي مستعد أن يفعل أي شيء وكل شيء من أجل البقاء. تذكّروا أيها الناس تل الزعتر، وحصار المخيمات، وفرع فلسطين في المخابرات، وستفهمون المعنى العميق للسلطة المستبدة.
وحوش ضد شعوبهم ونعاج أمام العدو الإسرائيلي.
هنا يطرح سؤال عميق عن موقف التقاطع الروسي-الإسرائيلي من الوجود العسكري الإيراني في سوريا، هل بدأ العد العكسي في سوريا، وما معنى ذلك، وكيف ستكون ردة فعل «محور الممانعة» على المشاركة الرسمية السورية في احتفال موسكو، أم أن الاحتفال هو جزء من صفقة تشارك فيها الجميع ولا تزال غامضة الملامح؟
من ليؤر عازاريا إلى زخاري بومبل، يستمر الإسرائيليون في تسطير كتاب ذاكرة الجريمة، وتستمر الأنظمة العربية في صوغ كتاب فقدان الذاكرة.
وبين الذاكرة وفقدانها تدور اليوم لعبة العلاقة بين الاستبداد والاحتلال. فالاستبداد الذي صنعه النظام العربي بضباطه وأمراء نفطه يقود العرب إلى انحطاط مديد، جاعلاً من بلادهم ركاماً ومن ضحاياهم مجرد بقايا في «مقابر الأرقام الإسرائيلية» التي امتدت اليوم، ولكن بلا أرقام، من فلسطين المحتلة إلى كل مكان في العالم العربي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية