بدأ الإعلام الجزائري بمختلف مسمياته الصحافية والتلفزيونية ووسائط التواصل ينخرط في حراك رديف للحراك الشعبي، عبر التجرؤ على التعاطي مع المحرمات وكشف العيوب والمسكوت عنه من فساد، في ظاهرة غير مسبوقة.
فكان سباقا لتغطية تشييع القصبة شهداءها على وقع الاحتجاجات وضرب المهراس والزغاريد حزنا وتنديدا على ضحايا انهيار العمارة في القصبة السفلى. الكثير سيتحمل المسؤولية ووزر ما حدث من والي العاصمة، الذي أنهيت مهامه، ووزير الثقافة السابق وإطارات في وزارته.
وسيخرج ملف ترميم القصبة ليكشف بدوره عن قضايا فساد تنخر في قطاع الثقافة وتجر قطاعات أخرى. كما بدأت تطفو على السطح وثائق رسمية تبين كيف يتم قتل أبناء القصبة بلا مبالاة. مما يستوجب فتح تحقيق عاجل في الـ 26 ألف مليار، التي منحت لشركة «ايل دو فرانس» لترميم القصبة. وقد حدثت نقاشات واسعة على من سيرسي عليه المشروع الأتراك أم الفرنسيون؟ وفي النهاية تم الاستنجاد بالتجربة الفرنسية شركائنا في السراء والضراء. وهم دائما المستفيدون من الصفقات الوهمية من جانبنا والعملية جدا من جانبهم.
يرممون القصبة ويزداد المحيط هشاشة وتسيبا وخرابا عمرانيا. المشروع عملاق والاشهار له شهي وما أكثر الأوهام التي تنتشر بمناسبة شهر التراث عن قصبة صمدت في وجه الغزو وتقلبات الطبيعة وأبقت على جمالياتها، وعلى ثقافتها وتراثها. وفي النهاية ليس سوى كلام تكذبه الأسوار التي تتهاوى كل شتاء والبناية التي خلفت عدة ضحايا، ما جعل الشعب يعيش غليانا وأشبع المسؤولين شتما ومطاردة.
قصبة الجزائر
القصبة ليست قطعة مخمل في زي نسائي ولا حايك أبيض يرتدى فوق أي زي أوروبي للتعبير عن جماليات مفقودة، وليست مجرد أغاني الحاج العنقي وفضيلة الدزيرية، وتقوقع على تقاليد تختفي وتتغير كل لحظة. القصبة تجدد الحياة فيها وخطابات شبابها المتحولة. القصبة بحاجة لتهيئة أحيائها بضمير وأمانة والاهتمام بذاكرتها الحية وليست الذاكرة الصنمية الوثنية الصماء.
قصبة الجزائر تحتاج لترميم الحياة اليومية، وليس ترقيع شقف وكشف غرف ومعدات للمصلحة الخاصة جدا، وإن كانت علمية. التفرج على القصبة غاية يمكن أن تدرك بأن تدب الحياة وتخرج الروائح والعطور من كل الأزقة، ويلعب الأطفال في الشوارع بأمان، وتنام النساء دون خوف من موسم الشتاء، الذي قد يجعل الأسقف والجدران تذوب كقطع سكر مرة. وهن يحملن الدلو ليجمع القطرات، التي تتصبب من أعلى. لم تعد القصبة تسع الناس وأحلامهم وطموحاتهم. ترميم القصبة بمشاريع جادة لإعادة الحياة بها وليس بمشاريع وهمية كارثية على العباد وحياتهم وثقافتهم. فكم بارون فساد سيكشفه الملف الذي يفتحه قضاة شرفاء، وكم من أموال ضخت في الجيوب باسم البحث والترميم. افتتح شهر التراث، هذا العام، حزينا على ضحايا المحروسة.
الاحتجاجات تطال وزارة الثقافة
للمرة الأولى يصل احتجاج أهل الفن وبعض موظفي وزارة الثقافة لهضبة العناصر، تنديدا بفساد الوزراء السابقين وبلا شرعية الوزيرة الحالية في حكومة غير شرعية. وقد انهالت التعليقات على الوزيرة الشابة الجميلة وأنها ليست على دراية بقضايا الثقافة وأن هناك من يسير الدواليب الثقيلة في القطاع، وأنها خضرة فوق وجبة دسمة تسيل لعاب من تعودوا على الصفقات ومن خربوا القطاع وما زالوا يواصلون مهامهم دون كلل. بارونات الثقافة وبوشيات (جزاري) ها هم أكثر العصابة صمودا، لأنهم في قطاع يحبك كل الأشياء بصور براقة جميلة تلمع النظام السياسي في مجمله وتصدر صورة خادعة عنه، بتواطؤ وإشراف المثقفين الموالين المطيعين.
الشعب حاله واقف، يريد أن تعود الأمور لنصابها وأن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، وفق تكافؤ الفرص لا المحسوبية والواسطة، التي قضت على الأمل في الشباب، بينما الوزراء يتفقدون الغابات والفيافي بعيدا عن أعين الشعب، وفي كل واد يهيمون.
بوراك رمضان بدون زيت ربراب
بدأت الحكاية بساندويش كاشير وزع على جموع هائلة في القاعة البيضاوية عشية تجمع مناضلي الأفلان لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. ومن دعوا للاجتماع بلعوا وجبات فاخرة باذخة. الكاشير وعدوى الجراثيم، التي تغزوه انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي كوجبة تدجين الذمم وتحويلها لمجاراة الواقع السياسي الرديء والوضع الاجتماعي المزري والاقتصاد البائس، الذي أتى عليه الفساد وحل به الخراب. الكاشير أبغض الأكل الحلال لأصحاب الضمائر الحية. لم يعد يستهويهم كما كان، التصق بالفساد والفاسدين والذين ينقلبون على أعقابهم في كل منعطف.
بالأمس تظاهر المئات من الجزائريين بمجرد الاعلان عن خبر وقوف رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى ووزير المالية السيد لوكاأ امام محكمة سيدي محمد في العاصمة في قضايا تبديد المال العام وامتيازات غير مشروعة. التظاهر بحمل قفاف من علب اليوغورت. وهذا رد فعل على خطابات أويحيى وتصريحاته السابقة، حيث استكثر على الشعب الجزائري أن يستهلك الياغورت. فكان رد الشعب على ضرورة محاسبته وسجنه وبأنهم سيزرونه بحاوية من الياغورت للسجن. أحمد أويحيى أهان الجزائريين ومسهم في كرامتهم بعبارة جوع كلبك يتبعك. لذلك اعتبروه أسوأ وزير أول، وهم ينتظرون بفارغ الصبر محاكمته على كل من اقترفه من آثام وجرائم في حق الشعب. «البوراك» وكل ما يقلى في الزيت، قد يختفي وتختفي معه حرقة المعدة وتعب القولون والسمنة والدهون الثلاثية، وكذلك السكر ببياضه وسمرته. لتذهب كل المواد المسرطنة إلى الجحيم. تعليقات كثيرة راجت بعد استدعاء ربراب وايداعه السجن المؤقت، بشبهة فساد والتصريح الكاذب بخصوص حركة رؤوس أموال من وإلى الخارج.
أثرى رجل في الجزائر لم يولد وبفمه ملعقة ذهبية، كما جاء في كتاب حول سيرته، لكنه كون ثروة طائلة بتواطؤ النظام، ومن لحية ودم الشعب. لكن، هناك من يرفض محاكمته وترك أس الفساد حرا طليقا، مثل شقيق الرئيس السابق، والكثيرين، وبأن الرجل فتح بيوتا كثيرة ووفر إثني عشر ألف منصب شغل. وهناك من يرى في أنّ اقتصار الاستجواب والسجن على حداد وربراب هو تصفية حسابات جهوية، بينما الفاسدون من مناطق أخرى طلقاء أو أطلق سراحهم كالأخوة كونيناف وأويحيى وسلال، بينما هناك من يرفض الوقوف بجانب المليارديرات، الذين جمعوا ثرواتهم بكل الطرق غير المشرعة، وهذا بحجة الجهوية، وأن على الجميع محاربة الفساد، وأن من يخطئ يدفع الثمن، وأن تكون العدالة فوق الجميع.
كلهم استغنوا من أموال الشعب المنهوبة عنوة وفي وضح النهار. وكل هؤلاء يمتصون عرق ودم الشعب. فمن يتعاطف مع هذا الش؟ وكل هؤلاء المليارديرات من جنسيات مختلفة، حسب التعليقات، شكيب خليل، مواطن أمريكي، علي حداد مواطن انكليزي، ربراب مواطن فرنسي. والزواولة لا بد أن يكونوا جزائريين.
مسرحية الاعتقالات والاستجوابات
بين مد التفاؤل وجزر التشاؤم تتموقع ردود أفعال الجزائريين، يتمنون أن يحاكم كل المتورطين في قضايا نهب المال العام وقضايا الفساد، لكن يعودون القهقرى ويقولون ماذا لو كانت كل هذه الأخبار والصور عبارة عن مسرحية تلهينا عن متابعة الحراك الشعبي، وتفقدنا الحماس والقوة، وأن تكون استراتيجية الفاسدين أصحاب الأجنحة الطويلة، لكسب الوقت ولتنظيم صفوفهم. ولماذا لم ترحل الباءات، هل ننتظر طويلا ويشيب الصغار ليرحل نظام هرم قبيح غير مرغوب فيه. ثم أي كرامة لحكومة يهرب وزراؤها، كقارورات البنزين وأكياس المؤن على الحدود. وما هي مشاريع هذه الوزارات والمجتمع بكل أطيافه في شارع يرفض أنصاف المحاكمات وأنصاف الحلول.
الشعب لا يريد ذر الرماد في العيون، يريد أن تكتحل عيونه بالحق والعدل والكرامة والحرية. وسيكون رمضان فرصة لالتحام واقتسام الأكل في موائد عملاقة، لمواصلة الانتفاضة والحراك الشعبي جدا جدا، دون تدخل من الداخل أو الخارج، «خاوة خاوة»، ولا مكان للتعصب أيا كانت طبيعته.
٭ كاتبة من الجزائر