الجزائريون يتظاهرون بمئات الآلاف في ذكرى اندلاع الثورة التحريرية

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”: عاشت الجزائر مظاهرات ضخمة بمناسبة الجمعة الـ37 لبداية الحراك الشعبي، وتزامنت مع الذكرى 65 لاندلاع ثورة التحرير الجزائرية، الأمر الذي أضفى رمزية كبيرة على هذه الجمعة من جمع الحراك، والذي جعل المظاهرات تنطلق منذ مساء الخميس وتتواصل حتى يوم الجمعة.

عاشت العاصمة احتقانا شعبيا منذ صباح يوم الخميس فالجميع كان يحبس الأنفاس تحسبا لهذه الجمعة، لأن الدعوات للخروج بقوة للتظاهر في اليوم الأول من تشرين الثاني/نوفمبر انطلقت مبكرا، والوضع السياسي العام الذي ما زال محتقنا زاد في الشحن للتظاهر ضد سلطة مصرة على الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية يوم 12 كانون الأول/ديسمبر المقبل، بدون تقديم أي تنازلات، في حين يبدو الحراك مصرا أيضا على رفض الانتخابات، ورفض سياسة الأمر الواقع التي تريد السلطة فرضها.

المظاهرات الضخمة التي شهدتها الجزائر هي نتيجة منطقية لحالة الانسداد والتأزم التي وصلت إليها البلاد، فالوضع ما زال يراوح مكانه، والسلطات مصرة على تجاهل الأصوات الرافضة للمنطق الذي تسير به، وحتى التنازلات التي كان بإمكانها القيام بها من أجل تهدئة الشارع ترفض تقديمها، وتصر على منطقها والنهج الذي تريد أن تسير عليه الأمور، فحتى أكثر المتحمسين للذهاب إلى انتخابات رئاسية يرون أنه لا بد من توفير الشروط الضرورية للنزاهة، وفي مقدمتها تغيير الحكومة الحالية التي في نظر الكثير من الجزائريين مسؤولة عن حالات كثيرة من التزوير في الماضي، ولا يمكن أن تؤتمن على انتخابات جديدة، قد لا تكون في النهاية سوى عملية تغيير واجهة النظام البشعة بواجهة قد تكون في الحقيقة أكثر بشاعة، وهذا التخوف موجود لدى قطاع واسع من الجزائريين، مثلما هو موجود لدى بعض الراغبين في الترشح للانتخابات، مثل علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق ورئيس حزب طلائع الحريات، وبالإضافة إلى مطلب رحيل الحكومة هناك مطلب إطلاق سراح سجناء الحراك، الذي سبق للجنة الحوار التي قادها كريم يونس أن طالبت به كشرط من شروط التهدئة قبل الشروع في الحوار، ورغم أن رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح أبدى استعداده للاستجابة إلى هذه المطالب، غير أن الحوار بدأ وانتهى ولم تنفذ السلطات الوعود التي التزمت بها.

ثورة القضاة

على جانب آخر كان الأسبوع الماضي قد شهد انطلاق حركة احتجاجية غير مسبوقة قام بها القضاة، فيما يمكن أن نسميه بتمرد القضاة على وزير العدل بلقاسم زغماتي، السبب الرئيسي وراء الحركة، حتى وإن حاول نقيب القضاة نفي ذلك، هي تغيير في صفوف القضاة، شملت تحويل أكثر من 3000 قاض، وقد برر وزير العدل هذه التغييرات التي قال إن المجلس الأعلى للقضاء قد صادق عليها، جاءت في إطار مكافحة الفساد.

ودخلت وزارة العدل في حرب بيانات مع نقابة القضاة ومع أعضاء من المجلس الأعلى للقضاء، إذ اعتبرت النقابة في بيان لها أن “التطورات الأخيرة التي مست القضاة، أظهرت نية مبيتة للسلطة التنفيذية في عدم تكريس مقومات استقلالية القضاء، وضربها عرض الحائط لهذا المطلب المعبر عنه من طرف الشعب والقضاة معا” مشيرة إلى أن “ما حدث يوم 24 تشرين الأول/ أكتوبر يعد يوما أسود في تاريخ القضاء الجزائري، هدفه ضرب وكسر هياكل النقابة الوطنية للقضاة بنقل أكثر من ثلثي أعضاء مجلسها الوطني ومكتبها التنفيذي الذين يتمتعون بشرعية انتخابية كاملة غير منقوصة”.

وشددت على أن “وزارة العدل تعدت على صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء، الذي يمثل هرم استقلالية السلطة القضائية والتفرد بإعداد الحركة السنوية للقضاة في غرف مغلقة، مستغلة الدور الشكلي الذي يقوم به المجلس منذ سنوات، والذي صادق على حركة بهذا الحجم مست حوالي 3000 قاض في وقت قياسي لا يتعدى الساعة من الزمن، يكرس هيمنة الجهاز التنفيذي على دواليب السلطة في الجزائر”.

واعتبرت أن “التسويق إعلاميا للحركة على أنها تدخل في إطار حملة مكافحة الفساد فيه الكثير من المغالطات، لأن المشكل أعمق، والجميع يعلم أن المشكل في عدم استقلالية القضاء حيث النصوص والواقع، ومن غير المعقول معالجة المشكل بمجزرة طالت القضاة وعائلاتهم بعملية تدوير عشوائية وانتقامية غير مدروسة، دوسا على حقهم في الاستقرار الاجتماعي والمكفول دستوريا وفي المواثيق الدولية التي صادقت عليها الجزائر”.

واستغلت النقابة الفرصة للمطالبة بـ”الشروع فورا في مراجعة النصوص القانونية الحالية التي تكرس هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، وتجميد الحركة السنوية إلى غاية إعادة دسترتها بصورة قانونية وموضوعية من طرف المجلس الأعلى للقضاء بعد استرجاعه صلاحياته المسلوبة كاملة غير منقوصة، وبإشراك النقابة الوطنية للقضاة”.

القاضي ممنوع من الاضراب

وزير العدل أصر على تحدي النقابة وأعضاء من المجلس الأعلى للقضاء، معتبرا أن الحركة الاحتجاجية غير شرعية، وأن القاضي بحكم القانون ممنوع من الإضراب، لأن ذلك يعطل مصالح الناس، كما رفض الاعتراف ببيان وقعه 12 عضوا من المجلس الأعلى للقضاء نفضوا أيديهم من حركة التغييرات، وأعلنوا عن تجميدها، وهو الأمر الذي لم يتقبله الوزير زغماتي ووصف البيان بغير الشرعي، وانتقل إلى المحكمة العليا من أجل تنصيب 102 قاضيا، الأمر الذي قابلته النقابة بوقفة احتجاجية أمام مقر المحكمة العليا، في إصرار على القبضة الحديدية مع وزارة العدل.

وقال يسعد مبروك رئيس النقابة الوطنية للقضاة في تصريحات خلال الوقفة الاحتجاجية، إن خروج القضاة إلى الشارع في آذار/مارس الماضي لمساندة الحراك الشعبي هو الذي أسقط الولاية الخامسة، مع التأكيد على أن حركتهم الاحتجاجية هدفها تحقيق استقلال القضاء الذي بات مطلبا مجتمعيا.

وأشار إلى أن “الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 شباط/فبراير الماضي لا يمكن لأي أحد أن يحتكره، لكن لا يعني هذا أن ننكر بأن الفئة الاجتماعية التي تحكمها ضوابط قانونية وتمنعها من إبداء رأيها ومواقفها هي فئة القضاة، ورغم ذلك كانوا الفئة الوحيدة التي خرجت لمساندة الحراك الشعبي، وحتى لا يزايد علينا أحد خروج القضاة هو الذي أنهى الولاية الخامسة”.

وعلق يسعد على احتجاج المواطنين بسبب تعطيل مصالح المواطنين قائلا: “المواطنون احتجوا على الوضع القائم بسبب وجود محبوسين لم يحاكموا، ونحن نقر بأن هذا الوضع غير لائق واستثنائي، لهذا نطالب المواطنين أن يصبروا علينا أسبوعا أو أسبوعين، وتتحسن الأوضاع إلى الأفضل، أحسن من أن تستمر وتؤول إلى ما هو أسوء”.

وأوضح: “ليس لدينا لا ناقة ولا جمل في تعطيل مصالح المواطن ونحن نسعى لترقية العمل القضائي خدمة للمواطن”. وبشأن حركة القضاة الاحتجاجية التي انطلقت الأحد الماضي، قال النقيب “لم نجد مخارج ودية لحل أزمتنا قبل أن نضطر لمثل هذا السلوك الذي يبدو عنيفا نوعا ما”.

وشدد على أن الحلول الراديكالية تفرض نفسها عندما نجد مجال الحوار مسدودا، بل ويريدون فرض رأيهم مهما كانت تداعياته السلبية التي تؤثر على سير القضاء”. وأن “خروج القضاة للشارع لم يُتخذ بسبب الحركة السنوية التي أقرها وزير العدل بلقاسم زغماتي، وإنما هي القطرة التي أفاضت الكأس”.

واستنكر النقيب التسويق الإعلامي لحركة التغييرات في سلك القضاء وربطها بمحاربة الفساد قائلا: “هذا الأمر غير مقبول أخلاقيا، ما هو معروف الفساد موضع من ارتكبه هو السجن وليس تحويله لمكان آخر، لأن هذا يعد فسادا أيضا”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية