الجزائريون يرفعون شعار كراسي “تيفال” التي لا تلصق: إنه إعلام وأغاني الأمل

في ظلّ غياب سيناريوهات مختلف النخب إلى ما سيسفر عنه الحراك في الجزائر، وفي ظل معلومات بالقطارة تصدر من جهات مجهولة، وتسرب في وسائل التواصل الاجتماعي، ليس لأحد مخرجا غير ترتيبات الكبار ونصائحهم البراغماتية للتصدي لكبر الأزمات التي تجتاح العالم، أزمة الجوع ونقص الغذاء.
لا أحد يلوم ربات الأسر في الإسراع بملء مخازن بيوتهن ببعض المواد الغذائية، التي تستطيع الصمود ولا تتلف بسرعة، الأيام وبؤس الفترة الاستعمارية جعلهن لا يأمن شر جوع الأطفال. فكل الأزمات والحروب تتمحور حول الغذاء، ومن يصمد أكثر هو من ادخر أكثر واستثمر في الصناعات الغذائية وطور في الزراعة، وأحدث اكتفاء غذائيا. فالهلع الذي انتاب المجتمع له مبرراته وليس بدافع «اللهفة» ولا جوع في الرأس والفؤاد.

انتصار الجامعة. واخفاقات متتالية على المدارس

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي أخبار الجمعيات العامة للأساتذة الجامعيين، التي قررت رفض قرار الوزير بتقديم العطلة، واستمرار الدروس مهما كان عدد الطلبة الحضور، واكمال مسار مناقشات الرسائل وكل المهام البيداغوجية. وتكون بهذا قد انتصرت الجامعة أساتذة وطلابا وإدارة على ارتجال الوزير، الذي غير الرزنامة والفصول والشهور القمرية والشمسية. وبهذا يكون قد دخل ربيع الوزير في إعصار شتاء قبل الوقت.
لكن حال المدارس كان أكثر هشاشة، والتلاعب بهذه الفئات كان كبيرا. نظرا للمعلومات الغائبة حول ما يحدث، دخل المجتمع في دوامة وهلع، نظرا للمخاطر التي تحدق بأطفال المدارس، واقحامهم في مسيرات الكبار ومطالبهم دون سابق انذار ومعرفة. واستخدام براءتهم في أشواك السلطة وأطماع من يركبون أي مطية لتحقيق مآربهم. هكذا أحرقت كهرباء بقوة 30 ألف فولت تلميذا (15 سنة) في ولاية ميلة في الشرق الجزائري، وهو يحاول رفع علم الجزائر على عمود كهربائي. كبد أم يحرق، فمن المسؤول عما حدث. من المسؤول على إخراج التلاميذ من المدارس ومن أعطى الأوامر للمدراء بذلك. من زج بتلاميذ الطور الأول في طرقات غير آمنة. بأي حق تزرع الكراهية في قلوبهم؟ الكل غائب والكل مسؤول وغير مسؤول والكل ينعت الأمر بالخطير. وماذا بعد؟!
سؤال يطرح على كل ما يحدث في الشارع الجزائري، ماذا بعد هذا الحراك، الذي أبهر العالم؟
لنقرأ بعض الشعارات المضحكة المبكية، رفعت بعض الشعارات وتمنت أن تكون كراسي السلطة، من هنا فصاعدا، مثل مقلاة وأواني تيفال، غير لاصقة للمواد وحتى لا يلصق الحاكم وغيره ممن لزموا مراكزهم واستبدوا في سلطتهم. صور أخرى تماثل بين الدستور الجزائري، الذي كتب بصيغة الوورد مقابل الدستور الأمريكي المحول إلى صيغة «بي دي أف»، دلالة على التغيرات والخربشات التي طالت الدستور الجزائري، دون الرجوع لاستفتاء شعبي. وغيرها من الشعارات التي تستدعي دراسات وتفسيرات متعدّدة.
بعد ترقب وقلق وتعلق بالسماء لعلها تمطر صورا وانفراجا، تخرج الفرحة عرجاء، ناقصة، بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وتأجيل الانتخابات. لكن عودة وجوه محنطة وشخصيات مجمدة، لا ترضي طموح الشارع المتحرك، الذي يتحرق شوقا لتغيير شامل يقضي على كل عوامل وعناصر الأزمة، رغبة في عودة الأمل والثقة في المؤسسات والبشر. أهو نكوص أم بوادر أمل؟ الشارع وحده الفيصل.

أغاني الحراك: هجرة البوطي والعودة على أجنحة الأمل

كانت أغنية تصر على الهجرة، بعدما فقد الشباب الثقة في النفس والأهل والمؤسسات. «كلشي خرطي ونركب البوطي ماما تشاو تشاو… البلاد بعيدة اسمحيلي الواليدة والله مانولي». كل شيء كذب فنركب القوارب وداعا ماما، البلاد بعيدة اسمحيلي يا والدتي، والله لن أرجع. لكن منذ بداية الحراك حنث الشباب ومدوا ظهورهم للمتوسط واستعادوا الثقة التي أخذها تجار البشر وعادوا لأحضان الأمهات والوطن. الحراك أعاد لهم الأمل فلا تجهضوه بإخراج أوراق محروقة وبمن تسببوا في الهجرة نحو العدم.
وعادت جزائر «مونا مور» بوجوه غير مكفهرة، بنبرة غير متشنجة، بمساحات رومانسية خالية من شبح الأزمات الأمنية، أغنية تخرج بألوان ووجوه جديدة للتعبير عن جزائر الأمل. انتشرت انتشارا واسعا في قنوات رسمية وعلى صفحات «المترفين» عكس أغاني أخرى بقيت بين المهمشين تحكي معاناتهم ومعاناة الأغلبية.
كذلك توقفنا أغنية «وين وين وين» بلحن أغنية «وين الملايين»، التي ألفها الكاتب الليبي علي الكيلاني ولحنها الملحن الليبي عبد الله محمد منصور، لترصد أسباب الأزمة السياسية والانسداد الاجتماعي والاقتصادي، الذي تعيشه الجزائر وتاريخها، بمرارة وألم وثورة :»وين وين وين وين بها وين… وين وين وين وين رانا رايحين». لقد صنع الجزائريون في هذه الأزمة إعلامهم الخاص.
أرجو أن يكون تشخيص الواقع، بداية للحل، وابعاد شبح الفوضى، الذي رافق الحراك السلمي، الذي كان ملونا بالورود وبطعم الفراولة والشكولاته والحب، وكذلك اكمالا لمشروع اتفاقي يجلب الاستقرار للبلاد، بانبعاث قوة الشباب والمقدرة على الاخلاص والتفاني في خدمة وحب وطن يسع جميع الشرفاء. وما زلنا ننتظر… ونحرص على أن لا يتمخض الجبل فيلد كوابيس.

جريمة المتحف وجريمة الصمت

تعرض متحف الآثار القديمة والفنون الإسلامية، وهو أقدم متحف في الجزائر وافريقيا، الذي تأسس عام 1897 للتخريب.
هذا الفعل ليس بريئا ويستدعي طرح ألف سؤال وسؤال عن حال الثقافة والتراث المترديين في البلاد، رغم بهرجة المهرجانات والمعارض وخبرة اليونيسكو وبروزها في الساحة. تخريب طال مكاتب ووثائق هامة أهمية مقتنيات المتحف العريق. وما يسترعي الانتباه أن مكتب اليونيسكو في الجزائر لم يصدر بيان تنديد بالعمل الاجرامي، الذي طال تراث أمة في مراحلها الممتدة عبر التاريخ، وإن نددت المنظمة العربية للمتاحف «ايكوم» بهذه الأعمال الإجرامية. لكن ماذا يعني صمت اليونيسكو؟
لمن لا يعرف متحف الآثار القديمة والفنون الإسلامية فهو الوحيد، الذي يحتوي على جرد دقيق وبطاقات تقنية للمقتنيات. المتحف الوحيد الذي لديه حوليات تصدر بانتظام، وسرقة بعض الأدوات لم تكن هي المقصودة، ما دامت النيران قد أتت على الأرشيف. أفعال شباب طائش اخترق المسيرات السلمية، لكن أين هي الحماية للمتاحف في ظل هكذا ظروف؟!
معروف أن علاقة الشباب بالمتاحف ليست تلك العلاقة الودية، فلا يكترث معظم الشباب في ظل الظروف، التي يعيشها لزيارة المتحف والتغزل في مقتنياته القديمة وحقبه ومسارات الشعوب والحضارات، التي تعاقبت على البلد. لكن ماهذا الحقد على المتحف وحرقه، وإحداث خراب في البناية والتاريخ وفي نفسية الموظفين وجميع الفاعلين في قطاع الثقافة؟!
شكرا لليونيسكو، لأنها لم تعتبر هذا فعلا همجيا يستحق التنديد وإصدار بيان. شكرا لأن هذا لم يجعلها تحرك ساكنا، ولا تخسر ممثلتها لعابا ولا بلغما. أم أن المنظمة تنتظر الحروب الفتاكة لتندد وتصدح ببياناتها، أي بعد وقوع الفأس في رأس التاريخ والتراث! يبدو أن الحراك أسقط الأقنعة بالجملة على كل من يجانبون مصلحة البلاد والعباد من الأقارب والأباعد.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية