الجزائر… أدب الحراك الذي لم يكتب بعد

حجم الخط
4

■ كيف نكتب عن الحراك في الجزائر؟ قد يبدو الجواب يسيراً ومتاحاً، فقد صدرت، في الأشهر الماضية، كتب كثيرة، يدّعي كل واحد منها حيازة جزء من الحقيقة، ويوثق لتلك اللحظة التاريخية، التي أزاحت رئيساً عمّر طويلاً وشرعت أبواب الحلم. كثيرون سارعوا للكتابة عن ذلك الحدث، والأسرع منهم هم من وصلوا مبكراً للمطبعة، وأصدروا أعمالهم، نالوا السبق وتصفيقات جمهور السوشيال ميديا، ومنهم من خرجوا إلى النور بعد سنوات من الصمت أو العزلة، وباتوا ضيوفاً محببين في بلاتوهات تلفزيونية، وآخرون ظنوا أن إصدار كتاب قد يحولهم ضمنياً إلى ناطقين باسم الحراك، وتقمصوا ذلك الدور الوهمي، لكن بعد مضي فترة كافية، لغربلة تلك الكتب، يتحتم علينا اليوم أن نتوقف قليلاً ونتأمل ما جاء فيها، والمفارقة التي قد لا نختلف فيها، أن جل الكتب التي صدرت في خضم الحراك تحمل عناوينها اسم الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، أو تلوح بصورته في الغلاف، أو تفرد له فصلاً أو أكثر في الداخل. إن جلّ الكتب التي صدرت تحت ظل الحراك، وقعت في الفخ الذي حذر منه الحراك، وهو ربط مصير بلد برجل واحد.
قد يعلق أحدهم على أن تلك الكتب إنما جاءت في نقد الرئيس الأسبق، بل الأصح أن الكتّاب وعن غير وعي منهم واصلوا الترويج له، وظلوا ينظرون إلى الحراك من أعلى، من منظور السلطة السابقة، يدونون كرونولوجيا الأحداث من منظور ما حدث في دواليب السلطة، قناعة منهم أن التغيير طرأ من وقوع خلخلة في النظام السابق، وليس من شدة بأس الحراك، ومن بين هذه الكتب ورد كثير من الإساءات للشعب ـ عن غير قصد ـ بحيث أن هؤلاء المؤلفين كانت تعنيهم ردود فعل السلطة، ومجاراة ما يصدر عنها من تصريحات ومن أخبار، ثم بالدرجة الثانية كيف كان يتلقاها الشارع.
نجد أنفسنا أمام حفنة كتب تردد صدى النظام القديم، وتكتب عنه ظنا منها أنها تنتقده، وما غاب عن أذهان هؤلاء الكتّاب وتغافلوا عنه، أن الحراك لم يكن فقط في الشارع، بل أيضاً في السجون، في مخافر الشرطة، في الاستجوابات، وفي أروقة المحاكم، بل يمكن القول اليوم إن أدب الحراك الشعبي في الجزائر هو أدب سجون، نظراً لمآل كثير من رموزه، ومع ذلك لا نزال نناقش الحراك من منظور ما فعلت السلطة وما تفعله في قصرها.
قضى عبد العزيز بوتفليقة عشرين عاماً يحكم الجزائر، ولم تكتب عنه كتب مثلما كُتب عنه منذ بدء الحراك من طرف أشخاص يجاهرون ـ ظاهرياً ـ بمعارضته، منهم من خصصوا له كتباً بأكملها، بعناوين تجارية، وزينوا أغلفتهم بصوره واسمه، ومنهم من قارب الحراك بحسب ردود فعل الرجل، وفي كل الحالات فقد قدّم هؤلاء خدمة للحاكم السابق، لم يحلم بها وهو جالس على الكرسي، جعلوا منه الصوت الأقوى، بينما أصوات الحراك ظلت تابعاً، روجوا له من حيث لا يعلمون.

عودتنا الروايات اللاتينية على تصوير الديكتاتور في لحظات ضعفه، في هذيانه وفقدانه السيطرة على الوضع، بينما ما جاء في بعض الكتب في الجزائر، التي أرادت الفعل ذاته أنها صورت الرئيس السابق في لحظات قوته، أعادت إلى ذهن القارئ سنوات سلطانه وقوته.

قد لا يبدو عيباً أن يسرف البعض في الكتابة عن حاكم سابق، بينما في نيتهم التأريخ للحراك الشعبي، أن يكتبوا عن عدو الحراك بصفته عنصراً حاسماً في الأحداث، في المقابل يبدو أنهم لم يستفيدوا من تجارب الكتابة عن الديكتاتور، كما وصلتنا من أمريكا اللاتينية، فظلت كتاباتهم سطحية في جلّها، تدور حول قضايا يعرفها الناس، ولم تحمل جديداً، خانتهم الجرأة وحس المغامرة، في كشف اضطرابات الحاكم النفسية، لم يتجرأوا على مقاربات معمقة في شخصيته، واكتفوا بالدوران في ترديد أحاجٍ ووقائع سبقهم إليها آخرون، لم يطرحوا كيف أن الحاكم السابق كان سبباً في الفوضى، بل تعاملوا معه كشاهد، هكذا روجوا له اعتقاداً منهم أنهم يفضحون سره.
إن الحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر، ولا تزال تشهده منذ 22 فبراير/شباط 2019 هو لحظة التحول، التي أثبتت أن النظام السابق قد تعسر عليه إصلاح نفسه، وأن سلطة الآمر الواحد والحزب الواحد لم تعد قدراً على البلد، بل وجبت إزاحتها، وقصد شرح هذا الأمر كان بإمكان الكتّاب الذين سارعوا في الكتابة عن الحراك، وفي استصدار أعمالهم، التوجه نحو تحليل آليات النظام السابق، وفهم أسباب العطب فيه، كي لا تتكرر، وأن لا نعيد تمجيد رئيس سابق بسرد قصص تدنو من الخيال أكثر منها إلى الواقع، فجلّ تلك الكتب إنما يسيء إلى الحراك الشعبي لا يخدمه. لقد كان النظام السابق منتجاً لفوضى فإذا به يصير منتجاً لكتب عنه، تنظر إليه كشاهد وفاعـــــل لا سبباً في الانزلاقات التي حصلت.
عودتنا الروايات اللاتينية على تصوير الديكتاتور في لحظات ضعفه، في هذيانه وفقدانه السيطرة على الوضع، بينما ما جاء في بعض الكتب في الجزائر، التي أرادت الفعل ذاته أنها صورت الرئيس السابق في لحظات قوته، أعادت إلى ذهن القارئ سنوات سلطانه وقوته، أعادت إليه أزهى فتراته، وقدّمت له خدمات لم يكن يتوقعها، لقد تجمع هؤلاء الكتاب، بدون قصد منهم، وأتى كل واحد منهم بقطعة «بازل»، في كتابة سيرة شبه مكتملة له، أعادوا مصالحته، وصوروا الحراك على أنه لحظة طارئة، لا تنقص من قيمته، ولا تمس بشيء ماضيه، قد يكون ذلك بسبب رقابة ذاتية انجرّ إليها هؤلاء الكتاب أو تعذر عليهم الإلمام بتاريخ الرجل، لكن المخيب أن كتابتهم عنه وإشادتهم ـ غير المقصودة ـ به جاءت بغرض التأريخ للحراك، ألم يكن من المتاح تدوين الحراك من منظور آخر؟ هل يجب دائماً أن نعود إلى الحاكم ونلتمس تاريخه كي نفهم تاريخ الشعب وتحولاته؟
السخرية واحدة من الأدوات التي يمكن أن نستعين بها في نقد الديكتاتور، وفي تجريده من هالة التمجيد، لكن ما صدر لحد الساعة، مما قد نطلق عليه «أدب الحراك» جاء خالياً من السخرية ومن خفة الدم. السخرية مضاد حيوي ضد الخوف، لكن كتّاب الحراك فضلوا إطالة عمر الخوف، وحرموا أنفسهم فرصة نشر كتب تطيح بالحكم السابق وتجرده من زيفه، وبما أن الحراك لم يكمل دورته الطبيعية، فإن ما يتفرع عنه من كتب يمكن أن نقول إنها لم تصدر بعد، وغالبية ما صدر في السابق ليس سوى هفوات أخطأت طريقها إلى المطابع.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية