الجزائر-“القدس العربي”: دخلت المظاهرات في الجزائر جمعتها الـ24 منذ 22 من شباط/فبراير الماضي إذ خرجت لإسقاط الولاية الخامسة وحكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، لتتحول إلى معركة من أجل بناء الديمقراطية تصطدم بتخوفات من الانفلات (قد تكون مشروعة) ومحاولات الحفاظ على الجسم الصلب للنظام، وأخرى للالتفاف على مطالب الشعب، وسط مناخ من التشكيك والريبة.
كان الأسبوع الماضي صعبا بالنسبة للجنة الحوار والوساطة التي لم تكد تحتفل بمرور أسبوع على تعيينها حتى كاد ينفرط عقدها، فهذه اللجنة التي أسست على عجل بسبب تسارع الوقت وتأخر بوادر حل، كانت تتعرض منذ البداية إلى ضغوط كبيرة، سواء من طرف الشارع أو الطبقة السياسية أو طبقة المشككين في كل شيء وأي شيء، وشريحة المخونين، ورغم ذلك حاولت اللجنة الثبات على موقفها، وإقناع نفسها قبل الآخرين أن مهمتها ستنجح، وأن مصلحة الجزائر تتطلب من أعضائها الصبر على الضغوط والإساءات وحملة التشكيك، لكن الضربة الموجعة تلقاها أعضاء اللجنة من حيث لم يتوقعوها.
الجميع كان يدرك، وأولهم كريم يونس منسق لجنة الحوار أن المهمة صعبة، حتى لا نقول مستحيلة، فالمناخ ليس جاهزا للحوار الذي تريد اللجنة القيام به، فلا السلطة مقبولة من طرف الشارع والطبقة السياسية والمجتمع المدني، ولا الحراك الشعبي منظم ويتكلم بصوت واحد، بل هي مجموعة أصوات ومطالب متناقضة ومتضاربة في الكثير من الأحيان، وفي المقابل مؤسسة عسكرية تدفع نحو حل سياسي للأزمة، يمر عبر تنظيم انتخابات رئاسية تنهي الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد، لكن اللجنة حاولت أن تؤمن عملها ومسعاها من خلال وضع شروط مسبقة تعطيها نوعا من المصداقية، وتساهم من التقليل من الاحتقان الذي تعيشه الساحة السياسية، وتهدئ الحراك نوعا ما، وتلخصت الشروط التي وضعها كريم يونس وأعضاء اللجنة في ثلاث نقاط، هي الإفراج عن معتقلي الحراك، وتخفيف الإجراءات الأمنية على العاصمة خلال أيام المظاهرات، خاصة أيام الجمعة، والمطلب الثالث كان تحرير الإعلام من كل أشكال الضغوط، وبدا أن بن صالح رئيس الدولة المؤقت استجاب إلى هذه المطالب، وشعر الكثيرون بأنها بادرة حل للخروج من المأزق الذي تعيش فيه البلاد، بل هناك من اعتبر أن الأمر تم وراح يشكك، ويقول إن الإفراج عن السجناء معناه أن السلطة جعلت منهم عملة مقايضة، لكن الأمور سرعان ما انقلبت رأسا على عقب، وهبت رياح خلطت كل الأوراق.
الخطاب الذي ألقاه الفريق أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الأسبوع الماضي جاء مفاجئا وصادما في بعض مقاطعه، إذ اعتبر أن مطالب “الإفراج عن سجناء الرأي” وتخفيف الإجراءات الأمنية المتخذة على مداخل العاصمة والمدن الكبرى، بأنها من أفكار العصابة، وأنها الهدف هو تضليل الرأي العام، قبل أن يضيف: “ويجدر بي في هذا المقام الإشارة، إلى بعض الأفكار المسمومة التي بثتها العصابة، وتبنتها بعض الأصوات التي تدور في فلكها، والمتمثلة في الدعوة إلى إطلاق سراح الموقوفين، الموصوفين زورا وبهتانا بسجناء الرأي، كتدابير تهدئة حسب زعمهم، وعليه، أؤكد مرة أخرى أن القضاء وحده من يقرر، طبقا للقانون، بشأن هؤلاء الأشخاص الذين تعدوا على رموز ومؤسسات الدولة وأهانوا الراية الوطنية، ولا يحق لأي أحد كان، أن يتدخل في عمل القضاء وصلاحياته، ويحاول التأثير على قراراته”.
وشدد على أن “مؤسسات الدولة وجهاز القضاء تفطنوا للنوايا الخبيثة للعصابة، وتجندوا أكثر من أي وقت مضى، بهدف إنجاح عملية مكافحة الفساد وبلوغها منتهاها، وكسب رهان معالجة ملفات الفساد المطروحة أمام القضاء، ومحاسبة المتسببين فيها، بكل صرامة وتجرد وطمأنينة، لاسيما بعد أن تعهدت القيادة العليا للجيش على تقديم الضمانات الكافية لمرافقة الإجراءات التي اتخذها ويتخذها القضاء في هذا المجال”.
ورفض قايد صالح مطلب تخفيف الإجراءات الأمنية بالحزم ذاته قائلا: “وبخصوص الدعوة المشبوهة وغير المنطقية المطالبة بتخفيف الإجراءات الأمنية المتخذة على مداخل العاصمة والمدن الكبرى، أود التوضيح أن هذه التدابير الوقائية التي تتخذها مصالح الأمن لتأمين المظاهرات، هي في مصلحة الشعب وحماية له وليس العكس، وهو الأمر الذي طالما أكدنا عليه أكثر من مرة بضرورة تنظيم وتأطير المسيرات لتفادي اختراقها، وعليه، فمن غير المقبول التشكيك في نوايا وجهود أجهزة الأمن، ومن غير الأخلاقي تشويه الحقائق واختلاق الأكاذيب، بغرض إعطاء نفس جديد لأصحاب النوايا الخبيثة، الذين يعملون على تأجيج الوضع وإطالة أمد الأزمة”.
التصريحات التي شكلت صدمة، خاصة في أوساط لجنة الحوار، التي بدا أن الكلام موجه إليها، ووجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه، الأمر الذي جعل أحد أعضائها يسارع إلى تقديم الاستقالة، ويتعلق الأمر بالخبير الاقتصادي والناشط اسماعيل لالماس، الذي كان قد تعرض إلى ضغوط شديدة بسبب قبوله الدخول في لجنة الحوار، خاصة وأنه كان في وقت سابق يصف من لبوا دعوة الحوار مع بن صالح بالخونة، بل إنه تعرض للطرد من الحراك في الجمعة 23 وهو ما أثر فيه كثيرا، ليجد نفسه مدفوعا إلى الاستقالة دفعا، بل إن كل اللجنة وأعضائها وجدوا أن الاستقالة والانسحاب من المشهد هي آخر طلقة أمامهم من أجل حفظ ماء الوجه، وأعلن عن اجتماع للفصل في مستقبل اللجنة، لكن قبل عقد الاجتماع جرت اتصالات مع اللجنة وتم إقناع أعضائها، وخاصة منسقها كريم يونس بالاستمرار، مع تقديم ضمانات من أجل النجاح في مهمتها، وجاءت هذه الضمانات من الجيش ورئاسة الدولة، ومع ذلك أصر يونس على أن يؤكد في بيان اللجنة أنه قدم استقالته، وأنه تراجع عنها تحت ضغط من الأعضاء الآخرين، مع الإشارة إلى الشروع في العمل، وتحديد رزنامة عمل للمرحلة المقبلة، لكن ذلك لم يمنع العضو عز الدين بن عيسى من تقديم استقالته منها، مع ضم ثلاثة أسماء جديدة، وهي حدة حزام الكاتبة الصحافية، وعبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين وفاطمة الزهراء بن براهم المحامية والحقوقية.
حدث آخر خلف جدلا واسعا، وهو إقالة وزير العدل، الغريب هو توقيت التعديل الوزاري هذا، ومدى دستوريته، على اعتبار أن الأمر يتعلق بحكومة تصريف أعمال، وأن رئيس الدولة دستوريا لا يحق له المساس بالحكومة، وهذه هي إحدى بؤر الصراع القائم منذ أشهر، لأن الذين كانوا وما زلوا يطالبون برحيل الحكومة كان يقال لهم إنه من المستحيل تغيير الحكومة، لأن رئيس الدولة المؤقت ليست له هذه الصلاحية، واللافت للانتباه هو أن المنصب المعني بالتعديل هو وزير العدل، فذهاب سليمان براهمي بدون تقديم أي تبريرات، وتكليف بلقاسم زغماتي النائب العام بمجلس قضاء العاصمة بتولي حقيبة العدل، يثير الكثير من التساؤلات، وفتح الباب للحديث عن إمكانية إجراء تعديل أو تغيير حكومي، مادام رئيس الدولة قام بذلك، كما أن وزارة العدل حاليا تحت الأضواء، بالنظر إلى عمليات التحقيق في قضايا الفساد، التي شملت إلى حد الآن الكثير من المسؤولين السابقين ورجال الأعمال المحسوبين على النظام السابق، كما أن اختيار زغماتي دون غيره مؤشر على شيء ما، علما أن الأخير كان النائب العام الذي أصدر مذكرة توقيف دولية ضد شكيب خليل وزير الطاقة السابق وأسرته، عندما كان بوتفليقة يعالج في الخارج، وقد عوقب بأن أبعد من المنصب، ثم أعيد إلى المشهد من بوابة المحكمة العليا، ومؤخرا عاد إلى منصب النائب العام لمجلس قضاء الجزائر العاصمة، في وقت كانت فيه الحملة على الفاسدين بلغت أوجها.
في الوقت ذاته خرج آلاف الجزائريين إلى الشارع في مظاهرات جديدة للجمعة في محاولة للإبقاء على جذوة الحراك مشتعلة، خاصة وأن طول مدة المظاهرات نشر حالة من اليأس لدى الكثيرين، فيما فعلت وصفات التقسيم وزرع الفتن فعلتها في آخرين، فضلا عن حرارة الجو، وذهاب البعض لقضاء عطلة الصيف، وهو ما أثر على عدد المشاركين في المظاهرات، إذ بقي فقط المتمسكون بالحراك صامدون، يحاولون الإبقاء على ورقة الشارع للضغط على السلطة من أجل تحقيق المطالب المرفوعة، لكن ذلك يزداد صعوبة جمعة بعد أخرى.