الجزائر: استمرار الحراك للجمعة الـ14 ونحو تأجيل الانتخابات الرئاسية

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”:دخل الحراك الشعبي في الجزائر جمعته الرابعة عشرة، دون أن يلوح في الأفق حل للأزمة السياسية القائمة، رغم أن الأسبوع الذي سبق هذه الجمعة كان حافلا بأحداث وتصريحات، لكن الوضع ما زال يراوح مكانه، ويبقى الشارع هو الفيصل بين شعب يرفض الاستسلام، ويسعى إلى تحقيق كل مطالب الحراك، وبين سلطة تتمسك بالحل الدستوري، وترفض النظر خارجه، ولعل أكثر ما ميز مظاهرات الجمعة 14 التعزيزات الأمنية غير المسبوقة التي وضعت في محيط ساحة البريد المركزي، وحملة اعتقالات للمتظاهرين والناشطين وحجز هواتف محمولة ومنع التصوير.

ولم يعد من السهل التنبؤ بمخرج من مأزق الجزائر، فالأيام تتوالى ولا تتشابه لكن الأزمة تظل قائمة، فمنذ رحيل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لم يتغير الشيء الكثير، عدا توقيف عدد من رموز نظامه والشروع في التحقيق معهم، وهذا التطور كان يمكن أن يعد إنجازا خارقا، لو تم وقد رحل كل رموز بوتفليقة من الحكم، لكن بقاء عدد منهم في رئاسة الدولة وعلى رأس الحكومة، جعل الشارع ينظر بعين من الريبة إلى ما يحدث، ويشعر باستمرار بخطر الثورة المضادة، ومحاولات الالتفاف على الثورة الشعبية، وعودة نظام بوتفليقة من النافذة بعد أن طرد من الباب.

مع بداية كل أسبوع تتجه الأنظار إلى أجندة الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش، فهو تقريبا يقوم بزيارات ميدانية إلى النواحي العسكرية المختلفة بشكل أسبوعي، وفي كل زيارة يلقي خطابا ينتظره ملايين الجزائريين من أجل معرفة توجهات النظام ومختلف التطورات التي تحدث قياسا لما يجري في الشارع من قبضة حديدية، وعادة كان الفريق يلقي خطابا أو خطابين، لكنه هذه المرة وعلى هامش زيارته إلى الناحية العسكرية الرابعة ألقى ثلاثة خطابات متتالية، بمعدل خطاب كل يوم، ولعل اللافت في تصريحات المسؤول الأول عن المؤسسة العسكرية هذا الأسبوع هو عدم ذكره لموعد الرابع من تموز/يوليو حتى وإن أبدى تمكسه بالانتخابات الرئاسية كحل للخروج من الأزمة الحالية، وهاجم من يريدون إطالة أمدها، وهو ما فهم منه على أنه استعداد لتأجيل الانتخابات إلى غاية توفر ظروف إجرائها، وهذا أحد مطالب الحراك والطبقة السياسية، بما في ذلك أحزاب الموالاة التي لا تغرد خارج السرب المرسومة حدوده من طرف السلطة، إذ قال الأمين العام الجديد لحزب جبهة التحرير الوطني محمد جميعي هذا الأسبوع إن الانتخابات لا يمكن أن تجرى في الرابع من تموز/يوليو المقبل، وهو ما يوحي أن الأمر يطبخ على مستوى المؤسسة العسكرية، وأنه تبقى فقط الإعلان عن التأجيل وإيجاد إخراج مناسب للأزمة السياسية القائمة، لكن في المقابل ظهر أن الفريق انزعج من الهتافات التي ارتفعت ضده، واعتبر أن شعار “يتنحاو قاع” أصبح  “جسرا لتبليغ بعض المطالب غير العقلانية، مثل المطالبة بالرحيل الجماعي لجميع كوادر الدولة بحجة أنهم رموز النظام، وهو مصطلح غير موضوعي وغير معقول، بل وخطير وخبيث، يراد منه تجريد مؤسسات الدولة وحرمانها من كوادرها وتشويه سمعتهم، في حين أن هؤلاء كان لهم الفضل في خدمة بلدهم على مختلف المستويات بنزاهة وإخلاص، وليس من حق أي كان أن يحل محل القضاء بتوجيه التهم لهم والمطالبة برحيلهم”.

واعتبر الفريق أن إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة، يضع حدا لمن يريدون إطالة الأزمة السياسية القائمة في البلاد، داعيا إلى ضرورة الإسراع في تنصيب الهيئة المستقلة التي تشرف على تنظيم ومراقبة الانتخابات، باعتبارها أداة لضمان نزاهة العملية الانتخابية، وأن من الضروري التعجيل بتفعيل هذه الآلية الدستورية، باعتبارها الأداة القانونية المناسبة للحفاظ على صوت الناخب وتحقيق مصداقية الانتخابات، معتبرا أن “إجراء الانتخابات الرئاسية، يسمح بتفادي الوقوع في فخ الفراغ الدستوري، وما يترتب عنه من مخاطر وانزلاقات غير محمودة العواقب، وهو ما يستلزم من جميع الخيرين من أبناء الجزائرالغيورين على سمعة وطنهم ومصالح بلادهم ومكانتها بين الأمم الالتفاف حول هذا المسعى المصيري على مستقبل البلاد”.

وعاد قائد أركان الجيش للحديث عن المتابعات القضائية ضد رموز الفساد في عهد الرئيس بوتفليقة، بالتأكيد على أن “ما تحقق حتى الآن من نتائج في مجال محاربة الفساد، يمثل مطلبا أساسيا من مطالب الجزائريين الأوفياء والمخلصين والغيورين على وطنهم، وهي نتائج بقدر ما تصب في الاتجاه الصحيح المتناغم مع تضافر الجهود وتوافق الرؤى بين الجيش والشعب، وفي ظل هذا التناغم فإنه يستحسن بأن تتسم المسيرات بحد معقول وكاف من التنظيم والتأطير الجيد الذي يفرز ممثلين حقيقيين يتسمون بالصدق والأمانة في نقل المطالب المشروعة لهذه المسيرات، ويجنبها أي شكل من أشكال الفوضى، والوقوع في فخ الاختراق من قبل ذوي المخططات المريبة الذين يجعلون من هذه المسيرات بوابة لإبراز شعاراتهم ورفع راياتهم”.

وفي خطاب آخر تحدث الفريق عن محاولات ضرب العلاقة بين الجيش والشعب، وخاصة ما تعلق بفلول العصابة التي ما زالت تتحرك في الخفاء، مؤكدا أن “النهج المتبع في مجال مكافحة الفساد، التي استلزمت رصد وتفكيك كل الألغام المزروعة في مختلف مؤسسات الدولة وقطاعاتها، هو نهج يرتكزعلى أساس متين وصلب، لأنه مبني على معلومات صحيحة ومؤكدة، ويستند إلى ملفات ثابتة القرائن، ملفات عديدة وثقيلة بل وخطيرة، مما أزعج العصابة وأثار الرعـب لديها، فسارعت إلى محاولة عرقلة جهود الجيش وجهاز القضاء. وهو ما يفرض على الشعب الجزائري أن يتحلى بيقظة شديدة وأن يضع يده في يد جيشه، وأن لا يسمح لأصحاب المخططات الخبيثة التسلل بين صفوف الشعب مهما كانت الظروف والأحوال”.

وخرج الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الجزائري الأسبق عن صمته لثاني مرة بأن وجه رسالة في شكل اقتراحات للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد،

مؤكدا أنه يتعين على قيادة الجيش “الإصغاء إلى اقتراحات النخب وعقلاء القوم، وأن لا تكون سندا لمؤسسات لا تحظى بالرضى الشعبي، حتى وإن كانت في وضع دستوري ثابت كان مبرمجا لحالات عادية، وليست استثنائية كالتي تمر بها اليوم” وأن المؤسسة العسكرية عليها أن تكون قناة لتحقيق هذه الشرعية عبر الاستجابة الواضحة للمطالب الشعبية.

ويعتقد الإبراهيمي أن الحل هو “الجمع بين المرتكزات الدستورية في المادتين السابعة والثامنة، وما يتسع التأويل فيهما على اعتبار أن الهبة الشعبية استفتاء لا غبار عليه، وببن بعض المواد الإجرائية التي تساهم في نقل السلطة دستوريا” موضحا أن “الحكمة تقتضي تغليب المشروعية الموضوعية على المشروعية الشكلية انطلاقا من حق الشعب في التغيير المستمر، فالدستور هو من وضع البشر، أي أنه لا يجب أن يكون متخلفا عن حركة الواقع، ولا ينبغي أن يكون مُعوقا لحركة المستقبل”.

وجاءت خريطة الطريق التي وضعها الإبراهيمي لتترجم مجمل المطالب التي يرفعها الحراك الشعبي، والتي جاءت أيضا لتعبر عن حكمة الرجل، وعن نكران الذات، وإعطاء كل ذي حق حقه، فلم ينكر دور المؤسسة العسكرية في الحفاظ على سلمية الحراك، ولم يفوت الفرصة للثناء على الشباب الذين يتظاهرون بشكل شبه يومي منذ 22 شباط/فبراير معتبرا أنهم مبعث للفخر.

الانتخابات الرئاسية التي كانت موضوع قبضة حديدية بين الشارع وبين النظام تتجه إلى التأجيل، فلا شيء يدل على أنها ستجرى في الموعد الذي حدده رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، أي في الرابع من تموز/يوليو المقبل، لأن آجال تسليم الترشيحات انتهت، ولا وجود لمرشحين جدد من شأنهم إعطاء ولو ذرة مصداقية للانتخابات، فضلا عن الرفض الشعبي لها، وكذا رفض معظم الأحزاب المشاركة فيها، ما يجعل هذه الانتخابات معركة خاسرة مسبقا، لكن السؤال المطروح هو كيف سيتم تأجيلها وعلى أي أساس سيتم تسيير المرحلة المقبلة، لأن ولاية الرئيس المؤقت تنتهي في 28 تموز/يوليو والمؤسسة العسكرية ستجد نفسها مجبرة على الدخول كطرف من أجل وضع أسس مرحلة انتقالية تبدو أكثر من ضرورية إذا ما تأجلت الانتخابات، من أجل ضمان تسيير البلاد في المرحلة المقبلة وتحضير الانتخابات الرئاسية وتوفير أجواء إجرائها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية