الجزائر: الجيش والرئاسة والحراك المعادلة الصعبة!

كمال زايت
حجم الخط
4

الجزائر ـ «القدس العربي»: دخلت المؤسسة العسكرية الجزائرية رسميا على خط الحراك الشعبي، من خلال تصريح قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي دعا إلى تطبيق المادة 102 من الدستور لعزل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والشروع في إجراءات استخلافه، وهي الدعوة التي استقبلت بمواقف متباينة من طرف الشارع والطبقة السياسية، وبصمت مطبق من طرف الرئاسة، التي ما زالت تتعامل وكأن شيئا لم يكن، لتدخل البلاد في معادلة بمجاهيل كثيرة.
تعقدت الأزمة القائمة في الجزائر أكثر مما كانت عليه، في وقت كان الجميع يتوقع فيه أن تعرف حلا بعد خمس جمعات من المظاهرات التي يمكن وصفها بالتاريخية دون مبالغة أو تضخيم، فالشعب الجزائري خرج ليقول لا للاستمرارية ولا لولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مع المطالبة بتغيير النظام والقطيعة مع ممارسات الماضي، لكن على قدر الاحتجاجات جاءت المقاومة للتغيير، لأن السلطة راهنت على الوقت وما تزال من أجل امتصاص غضب الشارع، ومن أجل استهلاك الحراك وإدخاله في متاهات الروتين وتحويله إلى مجرد طقس أسبوعي من شأنه أن يتلاشى شيئا فشيئا، ليعود إلى كل شيء إلى حاله.
وتوصف الجيوش عادة في الكثير من الدول بـ»الصامتة الكبيرة» لكن المؤسسة العسكرية الجزائرية تحدثت كثيرا منذ بداية الأزمة القائمة في البلاد، وخطابها الذي عبر عنه في مناسبات عديدة الفريق أحمد قايد صالح، قائد أركان الجيش تطور من أسبوع إلى آخر، فمنذ أول خطاب وصف فيه المتظاهرين بـ»المغرر بهم» (وهي الجملة التي سحبت بسرعة) إلى غاية آخر تصريحاته التي دعا فيها إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، نجد أن الخطاب تطور وانحاز شيئا فشيئا إلى الشعب، وأن قائد أركان الجيش الذي كان لا يفوت فرصة إلا ويؤكد فيها أنه يعمل تحت قيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وصل إلى حد المطالبة (دون قول ذلك صراحة) بعزله، للانتصار إلى الإرادة الشعبية، ولكن هذا التطور لم يأت من العدم، وهناك الكثير من العوامل التي دفعت إلى هذا التحول في موقف المؤسسة العسكرية.
ويجب التذكير ببعض النقاط المهمة، فقائد أركان الجيش كان دائم الوفاء للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لعدة أسباب، ولكنه كان (حسب ما يتم تداوله) في خلاف مع محيط الرئيس، وخاصة مع أشقائه، وفي مقدمتهم السعيد بوتفليقة، وقد حاول محيط الرئيس مرارا التخلص من قايد صالح، لأن الفريق الرئاسي اعتمد عليه في عملية التخلص من الفريق محمد مدين القائد السابق لجهاز الاستخبارات، وفي خضم معركة كسر العظم التي خاضها محيط الرئيس ضد الفريق مدين قام هؤلاء بإضعاف الجهاز، وقص أجنحته، وتحويل الكثير من المديريات والفروع التي كانت تابعة إلى جهازه نحو قيادة الأركان، الأمر الذي ساهم في تقوية منصب وصلاحيات قايد صالح، الذي استغل الفرصة لتعيين الكثير من المقربين إليه في مناصب استراتيجية، ومن ثم أصبح من الصعب على الرئاسة اقتلاع قايد صالح، رغم محاولات كثيرة لإغرائه بمنصب وزير دفاع بدلا من نائب وزير الدفاع شرط التخلي عن قيادة الأركان، لكن الفريق الذي أدرك الحيلة رفض بشدة هذا المقترح، الذي يجعل بقاءه في المنصب مرتبطا ببيان تغيير أو تعديل حكومي يجد بموجبه نفسه قابعا في البيت، إذا سقط اسمه من قائمة الحكومة الجديدة، واستمرت القبضة الحديدية بين الطرفين.
وحتى لما ناور المحيط الرئاسي قبل أشهر من أجل تأجيل الانتخابات، وتمديد ولاية بوتفليقة بسنة أو سنتين، رفض قايد صالح، وعمل على إفشال المناورة، لأنه أدرك أن محيط الرئيس يريد أن يؤجل الانتخابات، حتى يضمن أن تكون له الكلمة العليا في تعيين خليفة الرئيس بوتفليقة، وفضل أن يسير في مسعى الولاية الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من منطق الوفاء للرئيس الذي عينه في هذا المنصب بعد رحيل الفريق محمد العماري قائد الأركان السابق، ولكن الأمور سرعان ما أخذت منحى آخر، بعد المظاهرة الشعبية الأولى التي خرجت يوم 22 شباط/فبراير الماضي، والتي فاجأت الجميع إلى حد كبير.
أول خطاب للفريق قايد صالح والذي وردت فيه جملة «المغرر بهم» في إشارة إلى المتظاهرين، أثار جدلا واسعا، ليس بسبب ما بدا أنه انحياز للرئيس بوتفليقة وجماعته على حساب الشعب، لكن لأن الجملة سرعان ما سحبت بطلب من قيادة الجيش، وهو ما فتح الباب لتأويلات عديدة، خاصة وأن هناك من اعتبر أن هذا الأمر دبر بليل، وأن جملة المغرر بهم أقحمت في خطاب قايد صالح، وأنه إذا حذفنا تلك العبارة فإن الخطاب في عمومه كان أقرب إلى موقف الشعب الجزائري، ومع مرور الأسابيع تغير الخطاب وتحول، وابتعد شيئا فشيئا عن موقف السلطة، حتى اسم الرئيس بوتفليقة وصفتاه (كرئيس وكوزير دفاع وقائد أعلى للقوات المسلحة) اختفى من خطابات قايد صالح.
المعلومات المتداولة تتحدث عن أن موقف الفريق قايد صالح جاء بعد اجتماعات ماراثونية، وأن القيادة العسكرية هي التي لجأت إلى هذه الخطوة، لتفادي حلول أخرى كانت مطروحة مثل إعلان الحالة الاستثنائية، وتعطيل العمل بالدستور وحل المؤسسات المنتخبة، لكن في الأخير تم اتفاق قيادة الجيش على الدعوة إلى الاحتكام للدستور، وإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية.
اللافت للانتباه أن الدعوة التي صدرت على لسان قائد أركان الجيش لم تتبعها إجراءات سريعة، لأن المجلس الدستوري (المعين من طرف بوتفليقة) لم يجتمع حتى الآن، ورغم أن وسائل إعلام جزائرية تحدثت عن عقده اجتماعا، إلا أن الإذاعة الحكومية عادت لتنفي ذلك، كما أن رئاسة الجمهورية لم تصدر أي قرار تعليق بخصوص دعوة الفريق قايد صالح، بل إن الإعلام الحكومي عمل على التعتيم نوعا ما على هذه الدعوة، وما يوحي بأن هناك نوعا من المقاومة أو التعنت، وأن هذا الموقف قد يفتح الباب أمام تطور جديد وخطير، يشهد دخول الرئاسة والمؤسسة العسكرية في صدام، لأن الفريق قايد صالح لم يبلغ محيط الرئيس بموقف الجيش الداعي إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، من أجل عزل الرئيس والشروع في إجراءات استخلافه.
من جهة أخرى فإن الشارع واصل التظاهر للجمعة السادسة على التوالي، وسط تباين الشعارات المرفوعة، وهو ما يفتح أبوابا على المجهول، خاصة في ظل تصلب كل طرف على موقفه، وعدم تمكن أي طرف من حسم الموقف لصالحه، في انتظار ما ستسفر عنه مقبل الأيام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية