«الجزائر الصغرى»: سيرة بلد بين أطراف حي شعبي

حجم الخط
2

في حرب التحرير، عرف حي باب الوادي معركة من نوع آخر، بين مستعمرين في ما بينهم، عندما تحصن فيه أوروبيون رافضون لاستقلال الجزائر، أو من أطلق عليهم «منظمة الجيش السري» معلنين الحرب على الجيش الفرنسي، بعدما أقرت حكومة هذا الأخير وقف إطلاق النار مع جيش التحرير، دارت هناك معركة أورو – أوروبية على أرض جزائرية، عقب الاستقلال استعاد هذا الحي هويته وسكنه جزائريون بتعدد أصولهم، تغيرت أسماء حاراته وشوارعه، لكن قدره لم يتغير، وصار مع الوقت مرادفاً لتاريخ الجزائر العام.
في باب الوادي يمكن أن نجس النبض ونعرف كيف هو الوضع في البلاد بأكملها، ففي ربيع 1980 حين انتفض الأمازيغ، من أجل لغتهم وانتمائهم، لم يتركهم أبناء باب الوادي وحدهم، بل ساندوهم، وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988 مع ثورة الشعب الأولى ضد الحكم، في أول انتفاضة جماهيرية، كان باب الوادي في الواجهة، لا يمكن أن نذكر تلك الثورة، دون ذكر ذلك الحي، حيث تعإلى أزيز الرصاص، سقط ضحايا، ومن نجا من الموت كان قد عرف المخافر والسجون، أما في العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فقد كان باب الوادي أرضاً للمقاومة، بؤرة الأخذ والرد، دفاعاً عن الجمهورية، لم ينج من تفجيرات ومن سيارات مفخخة، الكوارث الطبيعية أيضاً لم تستثن هذا الحي، الذي كاد أن يجرفه طوفان عام 2001، مخلفاً ما يربو على 700 ضحية، قبل ذلك كان أبناء باب الوادي في صفوف الغاضبين في الربيع الأسود، من العام ذاته، قبل أن يروا بنايات تنهار مثل قصور الرمل في زلزال 2003، وفي حراك 2019، لم تكن المظاهرات تكمل نصابها، ولا تبلغ الأهازيج ذروتها، سوى بالتحاق المتظاهرين القادمين من هناك، من هذا الحي الشعبي، الواقع في قلب الجزائر العاصمة، الذي يختصر تاريخ بلد بأكمله، بل هو «الجزائر الصغرى» إن شئنا، لم يسلم من الآلام ولم يتعب كل مرة من أن يهب أرواحاً في اللحظات الكبرى التي تمر بها الجزائر، إلى درجة أن الناس تعودوا على نعته «باب الوادي الشهداء». إنه حي شعبي واحد لكنه يختصر سيرة شعب، نظراً لأن ساكنته قدموا إليه من جهات البلاد الأربع.

كاميرا على أطراف الحي

اسم باب الوادي يُحلينا إلى واحد من أهم أفلام السينما الجزائرية «باب الوادي سيتي» (1994) للمخرج مرزاق علواش، الذي صُور في مرحلة صعبة وسوداء من تاريخ البلاد، في أيام كان فيها الموت يحوم فوق الرؤوس في كل حين، مع ذلك فقد جازف مرزاق علواش مع ممثليه وفريقه التقني، وصور الفيلم في واحد من أسخن الأحياء آنذاك، حيث تعود أحداث السيناريو إلى عام 1989، بعيد ثورة 1988 وقبيل انفجار العنف المتطرف، هذا الفيلم الذي صُوّر في ظروف غير آمنة ولاقى احتفاء حال صدوره، يتعمق في الحياة اليومية للحي، في هموم ناسه ومشاق عيشهم، في اختلافاتهم وصراعاتهم اليومية، في تحولات الحي وتقلباته السياسية والأيديولوجية.

ليس غريباً أن نجد أبناء الحي الواحد يختلفون ويتفرقون في المواقف، وفي السياسة، قد يتقاربون في الرأي مرات، لكنهم يتفرقون في أحيان كثيرة، مع ذلك فهناك رابط يجمع بين كل ساكنة هذا الحي، رابط حب فريق كرة القدم: مولودية الجزائر.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يصور فيها مرزاق علواش (1944) فيلما في باب الوادي، فقد بدأت علاقته بالكاميرا من هناك، منذ باكورته «عمر قتلاتو» (1977) الذي رشح في العام ذاته في مهرجان كان، واستمرت علاقة المخرج مع باب الوادي في السنوات الأخيرة، حيث عاد إليه في أكثر من عمل، ويمكن القول إن هذا الحي الشعبي هو أكثر الأحياء الشعبية حظاً في السينما، نظير أعداد الأفلام التي صورت فيه، والتي تتخذ من حاراته وما يدور فيها من معارك صامتة كل يوم مادة له، كما أنه كان مادة أدبية، فبعد أن صور «باب الوادي سيتي» أعاد مرزاق علواش تحرير سيناريو الفيلم في شكل رواية ونشرها عن دار لوسوي الباريسية، فإذا كان هذا الحي يستقطب كتاباً وفنانين فقد أنجب أيضاً فنانين، لا نسير بين أطرافه، دون أن نسمع صوت ابنة الحي سعاد ماسي وهي ترتل بصوتها أغانيها حاملة القيثارة، لا سبيل لها في استعادة حنينها إلى حياتها الأولى سوى بالغناء.

أخوة الكرة

ليس غريباً أن نجد أبناء الحي الواحد يختلفون ويتفرقون في المواقف، وفي السياسة، قد يتقاربون في الرأي مرات، لكنهم يتفرقون في أحيان كثيرة، مع ذلك فهناك رابط يجمع بين كل ساكنة هذا الحي، رابط حب فريق كرة القدم: مولودية الجزائر، الذي صار باب الوادي عاصمة لمناصريه، ولهذا الفريق تاريخ رياضي وأيضاً تاريخ ثقافي، فقد تأسس عام 1921 وكان جزءاً من مسار التحرير، بانخراطه في الثورة، هذا الفريق وإن كان يمر بسنوات سيئة، منذ بداية الألفية الجديدة، فهو قطب تاريخي لا يمكن أن نتحدث عن تاريخ الكرة في الجزائر دون ذكر اسمه، هو الفريق الذي تتلون باب الوادي بألوانه، هو بارومتر فرح الشباب وخيباتهم، كلما كانت الجزائر في حالاتها الجيدة، في الماضي، كان فريق المولودية طرفاً في هذا الحال، وإلى جانب المولودية، فلا بد ألا ننسى أن نتحدث عن حي موسيقي، عن حي يجعل من الموسيقى الشعبية نشيداً له، احتضن ولا يزال كل القادمين إليه بأرجلهم أو أصواتهم، من الحاج امحمد العنقي ودحمان الحراشي إلى الهاشمي قروابي وغيرهم، هو حي شهد ميلاد موسيقى الراب الجزائرية، هو بروكلين محلي، في هذا المزيج بين السينما والكتابة والموسيقى وعشق الكرة، تسير الحياة في باب الوادي، أو في «الجزائر الصغرى» كل اللغات تختلط فيه، من عربية إلى فرنسية وأمازيغية، كل اللهجات أيضاً، من أهله القادمين من الصحراء وآخرين من حدود تونسية أو مغربية، في باب الوادي يمكن أن ننظر إلى الجزائر في جزئياتها، عندما ينتفض باب الوادي فذلك يعني أن الانتفاض سوف يعم البلاد بأكملها، وحين يهدأ فذلك بيان أن الهدوء صار سيداً، ولو إلى حين.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية