الجزائر: تواصل الاحتجاجات يضع النظام في مأزق

كمال زايت
حجم الخط
1

 الجزائر-“القدس العربي”: إذا كان النظام الجزائري ثابت على أمر، فهو افتقاده للقدرة على استباق الأحداث، وانعدام الخيال لديه لوضع استراتيجيات، بدل الغرق في تكتيكات ظرفية كثيرا ما تزيد في إغراقه بدل انتشاله من الأزمات التي يضع نفسه فيها، وهو ما يتكرر في هذه الاحتجاجات التي تعرفها الجزائر منذ أكثر من شهر، والتي يبدو أنها دخلت مرحلة انسداد.

ليست المرة الأولى التي يجد فيها النظام الجزائري نفسه في مأزق، ففي كل مرة تصل فيه الأمور إلى منعرج ما، تحدث تصادمات داخل منظومة النظام، ويمكن القول إن الأمر بدأ منذ الأربعينيات عندما وقعت أزمة الحركة الوطنية خلال ثورة التحرير، فلما حان موعد إطلاق شرارة الثورة في بداية الخمسينيات حدث شقاق على وقع انقسامات في الحركة الوطنية، وحزب الشعب على وجه التحديد، ورغم ذلك انطلقت ثورة من أعظم الثورات في التاريخ، لكن بذور الخلافات بقيت موجودة، وتفجرت بعد ذلك في مؤتمر الصومام سنة 1956، وظلت موجودة حتى عندما استقلت البلاد، لأن الثورة أو قادة الثورة وكأنهم تفاجأوا بالاستقلال، ودخلوا في صراعات من أجل تولي السلطة في الدولة الفتية، وسالت دماء جزائريين بأيدي جزائريين وخرج الشعب يتظاهر ويصرخ: “سبع سنين بركات” (سبع سنوات تكفي). وتوقفت المواجهات المسلحة، وفرض أصحاب القوة منطقهم، أي جيش الحدود أو قيادة الأركان، واختير أحمد بن بلة ليكون واجهة لنظام يديره العقيد هواري بومدين من خلف الكواليس، وسارت العلاقة سمنا على عسل، ولكن الأمر لم يدم طويلا، ووقع الخلاف وانتهى بطلاق وقعه بومدين بانقلاب عسكري ناعم ضد بن بلة، الذي أخذ بالبيجامة إلى مكان مجهول.

أسس بومدين لنظامه وفق نظرته وتوجهاته، وساعدته في ذلك شخصيته الكاريزماتية، وعنفوان جزائر الاستقلال التي كانت مكة الثوار وقبلة لحركات التحرر، وكان بومدين رغم نظامه الديكتاتوري محبوبا (وما زال) لدى الأغلبية الساحقة من الجزائريين، ولكن بومدين نفسه لم يحسب حساب اليوم الذي يختفي فيه، وفعلا غيبه المرض وهو ما زال في سن 46 فقط، ووجد البلد نفسه في مأزق، وانطلق صراع محموم على خلافة “سي محمد بوخروبة”. فعبد العزيز بوتفليقة الذي كان وزيرا للخارجية وأحد المقربين للرئيس الراحل، كان يرى نفسه الخليفة الطبيعي والمنطقي والشرعي، ومحمد الصالح يحياوي المسؤول الأول عن حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم كان يرى نفسه أيضا هو الوريث، ولم يحسم هذا الصراع، إلا بعد أن تدخل قاصدي مرباح قائد جهاز الاستخبارات العسكرية القوي، الذي اجتمع مع قادة الجيش، وقرر أن الخليفة سيكون الشاذلي بن جديد، ويقال إن مرباح زار يحياوي في بيته وقال له بطريقته: “أمامك خياران، إما الشاذلي وإما بن جديد” وهو ما فهم منه المسؤول الأول عن الحزب أن الأمر حسم.

تولي الشاذلي رئاسة البلاد، وفتح الباب أمام نمط استهلاكي جديد، وحاول أن يطبق اشتراكية “لايت” ورغم أنه كان يمجد “البومدينية” في خطاباته الرسمية، إلا أنه في الواقع عمل على محو آثارها، ولما اندلعت الأزمة النفطية منتصف الثمانينيات، بدأت رياح التغيير تهب على الجزائر، وانفجر أول ربيع عربي في الخامس من تشرين الأول/اكتوبر 1998 وخرج الناس إلى الشارع رافضين للوضع القائم وسياسات النظام، ومطالبين بالتغيير، أي تغيير، وفي خضم التخبط والعجلة سارع النظام إلى إعلان سلسلة إجراءات إصلاحية وإقرار تعددية بغرض التنفيس عن الشارع، ودخلت البلاد عهد الديمقراطية المختلطة بالفوضى، خاصة وأن الشعب لم يكن جاهزا لممارسة ديمقراطية حقيقية، ولا حتى النظام الذي كان يبحث عن طريقة لتجديد واجهته، وما لبثت الأمور أن وصلت إلى انسداد، وتحولت اللعبة الديمقراطية إلى كابوس، وحصد الإسلاميون أغلبية المقاعد في البرلمان منذ الجولة الأولى، ولم تنفع ألاعيب جهة في النظام، حاولت لسبب ما تضليل صاحب القرار بشأن قدرة الإسلاميين على الفوز بالانتخابات، ليسارع النظام في غمرة الفوضى والتخبط إلى “استقالة” الشاذلي بن جديد وحل البرلمان، والذهاب بالبلد إلى مغامرة محفوفة المخاطر، خارج المؤسسات وخارج الدستور، دون أن يكون الذين اتخذوا قرار استقالة الشاذلي يعرفون ماذا سيفعلون بعد ذلك، وهو الأمر الذي يعترف به صراحة اللواء خالد نزار وزير الدفاع الأسبق، وأقوى رجل في نظام التسعينيات، الذي قال إنه بعد إعلان استقالة الشاذلي بن جديد، جلس إلى مجموعة من أصحاب القرار، ومعظمهم من الجنرالات للبحث عن خليفة، وأن هناك من اقترح اسم محمد بوضياف الشخصية الثورية، والذي لم يدم بقاءه في السلطة إلا حوالي ستة أشهر، إذ اغتيل مغدورا في مدينة عنابة، عندما كان يلقي خطابا.

بعد اغتيال بوضياف تم تعيين علي كافي باعتباره أحد قادة ثورة التحرير كرئيس للدولة، لكن سرعان ما انتهت ولاية الهيئة الرئاسية الجماعية التي تم تعيينها لتسيير شؤون البلاد بعد مغادرة الرئيس الشاذلي بن جديد للرئاسة، ودخل أصحاب القرار في حيرة من أمرهم، وبحثا عن الشرعية نظموا للوفاق الوطني شارك فيها الغث والسمين من أحزاب ومنظمات وجمعيات، وكانت قيادة الجيش تنوي الإتيان بعبد العزيز بوتفليقة لتولي رئاسة البلاد، وتم الاتفاق بين الطرفين، ولكن في آخر لحظة قرر بوتفليقة رفض العرض، لأنه أراد أن يحصل على التأشيرة من الجيش، والأخير أراده أن يحصل عليها من ندوة الوفاق الوطني، ومرة أخرى، وجد أصحاب القرار أنفسهم في مأزق، واضطروا إلى البحث عن أي خليفة، وقرروا أن يكون الجنرال اليامين زروال وزير الدفاع، الذي قبل على مضض.

ومرة أخرى سارت الأمور عادية أو تكاد، رغم الظرف الأمني العصيب الذي كانت تمر به البلاد، لكن ساءت العلاقة بين زروال ومستشاره الجنرال محمد بتشين من جهة، وبين بقية الجنرالات من أصحاب القرار من جهة ثانية، وقرر زروال المعروف بشخصيته القوية التي لا تقبل التنازل أن يرمي المنشفة، وألا يتخلى عن مستشاره، ووجد أصحاب الحل والعقد أنفسهم في مأزق جديد، وراحوا يفتشون عن خليفة لزروال، حتى جاء من يقترح عليهم بوتفليقة، ويقنعهم أنه الرجل المناسب، الذي سيعيد للجزائر هيبتها، ويخلص جنرالاتها من شبح محكمة الجنايات الدولية، ولعب الجنرال العربي بلخير دورا بارزا في الإقناع ببوتفليقة الذي بقي في السلطة عشرين سنة كاملة.

تحول بوتفليقة مع مرور السنوات والولايات من حل إلى أزمة إلى صمام أمان بالنسبة للنظام، الذي أصبح عاجزا عن اختيار خليفة، لأنه كلما طرحت مسألة الخلافة وقع الانقسام والشقاق وظهرت بوادر الصدام، مثلما حدث سنة 2004 وفي سنة 2014 عندما قرر النظام الاحتفاظ ببوتفليقة لتفادي صدام داخل السلطة، والمشكل نفسه يتكرر في 2019 لكن بعوامل وتوابل مختلفة.

الاحتجاجات التي اندلعت منذ قرابة شهر لا تريد أن تهدأ، وشرارة التغيير أشعلت غضب شارع ظل صامتا صبورا لعقدين من الزمن، إلى درجة أن النظام، وخاصة سلطة بوتفليقة اعتقدت أنها قادرة على فعل كل شيء وتمرير أي شيء، وأصبحت في كثير من الأحيان تستهزأ بالشعب وتسخر منه، وما زالت، ففي عز الاحتجاجات والمخاض الذي تعيشه البلاد هذه الأيام، لم يجد رئيس الوزراء الجديد نور الدين بدوي الذي كان وزيرا للداخلية ما يصف به الشعب سوى القول إنه “قوة اقتراح” ونسي أو تناسى أن الشعب هو مصدر السلطة بحكم الدستور.

السلطة الحالية لم تستمع ولم تنتبه ولم تستبق (كعادتها) للاحتجاجات التي اندلعت منذ أسابيع لرفض الولاية الخامسة، وماطلت كثيرا، معتقدة أن القمع الذي مارسته في وقت أول، والتجاهل في وقت ثان، سيستنزفان طاقة المتظاهرين، وأن هؤلاء سيملون سريعا وحتى لما أرادت الظهور في صورة المتنازل، أجلت الانتخابات وأرادت الإبقاء على بوتفليقة في السلطة خارج الأطر الدستورية، ودون انتخابات، وعينت رئيس وزراء جديد في حين أن المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشارع طوال الأيام والأسابيع الماضية طالبوا بالتغيير، الأمر الذي يضع النظام في مأزق، فالسلطة التي كانت بسبب تسييرها السبب في الأزمة التي تعصف بالبلاد تريد أن تكون هي صاحبة الحل، في حين أن الشارع الجزائري يرفض تماما التعامل والتعاطي مع الوجوه التي كانت السبب في الأزمة القائمة، وفي المقابل لا يوجد ممثلين عن هذا الحراك قادرين على لعب دور الوسيط، والانسداد هو سيد الموقف، في انتظار أي تطور من شأنه إحداث انفراج.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية