الجزائر: حراك أسقط صنم بوتفليقة والقايد يترجل بعد انتهاء المهمة 

كمال زايت
حجم الخط
5

الجزائر-“القدس العربي”:سيبقى عام 2019 ذكرى فارقة في تاريخ الجزائر، لا شيء كان يدل مع مطلع السنة الماضية أن المياه الراكدة ستتحول إلى أمواج هادرة، وأن نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سيتهاوى، وأن الشعب الذي اعتقدوا أنهم داسوا عليه وكبلوه بالخوف والجوع سيثور عليهم ويخرجهم أذلاء منكسرين صاغرين يلعنهم الصغير والكبير إلى يوم الدين. هذا العام الذي أريد له أن يكون عام الولاية الخامسة، تحول إلى لعنة تطارد الرقم ومن دعموه، صحيح أنه كان من الممكن أفضل مما كان، لكن الذي تحقق في 10 أشهر من الحراك يحتاج لعشر سنوات لروايته لمن لم يعشه.

بدأت سنة 2019 كئيبة تعيسة، طبول الولاية الخامسة للرئيس المقعد عبد العزيز بوتفليقة بدأت تدق في كل مكان. المتملقون والمتزلفون في كل مكان يعدون العدة، الجميع ينتظر حصته من الكعكة ومن الفريسة، فأحزاب السلطة والدائرون في فلكها من جمعيات ومنظمات تعودت حلب الخزينة العامة، والحصول على منافع ومكاسب ومناصب كانت تسخن عضلات حناجرها لتصرخ بأعلى الصوت من أجل الولاية الخامسة، ورجال الأعمال الذين جمعوا أموالا لا تعد ولا تحصى يتسابقون لوضع المليارات في مديرية حملة بوتفليقة، واعتقد الكثير من الجزائريين أن الأمور حسمت، وأن سلطة بوتفليقة مدججة بالمال والقوة ستدوس على الجميع في سبيل الخامسة، مثلما حدث في سنة 2014 عندما قررت أن تمرر الولاية الرابعة بالقوة.

الشرارة

رغم أن كل شيء كان يبدو محسوما، إلا أن حادثا وقع في مدينة خنشلة، أعطى انطباعا أنه مهما كانت قوة وجبروت من هم في السلطة، إلا أنه من المستحيل السير عكس حركة التاريخ، وأن العملاق إذا استفاق كسر وحطم الأغلال التي وضعها الأقزام في يديه وقدميه. رئيس بلدية خنشلة الذي لا يذكر أحد اسمه، قرر أن يستفز المواطنين وعلق صورة ضخمة للرئيس بوتفليقة على مبنى البلدية، وتحدى سكان مدينته أن يقتربوا من البلدية، لكن الذي حدث هو أن المواطنين تجمعوا أمام البلدية بالمئات، واختفى رئيس البلدية الشجاع، وقام المتظاهرون بإنزال صورة بوتفليقة وتمزيقها والدوس عليها بالأقدام. في هذه اللحظة بالذات سقط الصنم وسقطت معه الولاية الخامسة.

قبل يوم 22 شباط/فبراير انطلقت دعوات للتظاهر في ذلك اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي، دعوات مجهولة المصدر، لكنها كانت قوية، وبالموازاة انطلقت حرب موازية للتشكيك فيها، وراح البعض يلعب ورقة التخويف من الإسلاميين بالتساؤل عن سر اختيار يوم الجمعة، فيما سعى آخرون للتخويف بورقة الفوضى واليد الأجنبية، لكن السيل كان قد بلغ الزبى، ونزل عشرات الآلاف من المواطنين إلى الشارع ورفعوا شعار “لا للخامسة يا بوتفليقة” ورغم أن نظام بوتفليقة حاول في تلك الجمعة والجمعات التي تلت إفساد المظاهرات، بإحضار بلطجية تارة، واستخدام القوة تارة أخرى، إلا أن المحاولات باءت بالفشل، وطوفان المظاهرات أو ما أضحى يعرف بالحراك الشعبي السلمي كان أكبر وأجمل وأنبل، فلأول مرة منذ أكثر من عشرين عاما، يكسر الجزائريون جدار الخوف، وينزلون رجالا ونساء وأطفالا، عائلات بأكملها كانت تتظاهر في أجواء احتفالية، لأن شعورا ما كان يغمر الجميع بأن الصنم سقط.

منذ الأسابيع الأولى للحراك أرسلت قيادة الجيش تعليمة إلى أجهزة الأمن لتحذير مسؤوليها من استعمال القوة وقمع المتظاهرين السلميين، وهي التعليمة التي تسربت للإعلام ونشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، وزادت ثقة المواطنين وكانت السر وراء شعار “الشعب والجيش خاوة خاوة” ودب الخوف في معسكر السعيد بوتفليقة، وبدأ الجميع يتراجع خطوة إلى الخلف، وليس أدل على ذلك من المحادثة المسربة بين عبد المالك سلال رئيس الوزراء الأسبق ومدير حملة بوتفليقة آنذاك وعلي حداد رجل الأعمال وصديق السعيد بوتفليقة، وحديثهما عن بداية تخوف بعض المسؤولين، وقول سلال إن الرئيس لن يسحب ترشحه، وأنه شخصيا سيواصل الحملة، وأن حرسه الخاص سيستعملون رشاشات الكلاشينكوف ضد المتظاهرين ، وأنه من الضروري الصمود حتى الثاني من مارس/ آذار آخر يوم لتسليم ملفات الترشح، وهي المحادثة التي أثارت ضجة كبيرة، وبينت مستوى ونوايا أولئك الذين يحكمون البلاد، وكانت هذه المحادثة نهاية سلال من على رأس مديرية حملة الخامسة.

الانفجار

تسارعت الأحداث بشكل مثير، فالشارع كان يغلي وعموم الجزائريين الذين كسروا حاجز الخوف أضحوا يتظاهرون يوميا ضد نظام بوتفليقة، ولأول مرة لم يقتصر التظاهر على عموم المواطنين. الكثير من الفئات المهنية انضمت إلى الحراك، من طلبة، أساتذة جامعات، محامين، قضاة، وحتى صحافيين، جميع الحناجر كانت تصدح بالحرية، وهبت فجأة أجواء ثورية واحتفالية، أعادت للجزائري كرامته التي أهدرتها سلطة بوتفليقة وما سبقها، ولكن نظام بوتفليقة وعصابة شقيقه الأصغر ظلت تناور، فبالرغم من الرفض الشعبي قدموا له ملف ترشح، ثم وتحت الضغط قرر الرئيس إلغاء الانتخابات الرئاسية، وإدخال البلاد في مرحلة انتقالية يديرها هو، وحدد لها مهلة ما بين سنة وسنتين، لكن الشارع ظل مصمما على ضرورة رحيل بوتفليقة وعدم إشرافه على تحضير المرحلة المقبلة، كان هذا في الظاهر، أما في الكواليس كان شقيق الرئيس يسابق الزمن، واضطر أستاذ الرياضيات إلى حساب المسألة على طريقته، وقرر أن يستنجد بمن ناصبه العداء وأخرجه من الباب الضيق، الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق القائد السابق لجهاز الاستخبارات، وحاولا أن يجرا رجل الرئيس الأسبق اليامين زروال، الذي حضر من باتنة لما أقنعوه بأن الجزائر في خطر، لكنه سرعان ما اكتشف أنها مؤامرة، وأن السعيد كان يحضر لضربة بوكر، يقوم من خلالها بإقالة قائد أركان الجيش، وتحميله وزر كل مصائب نظام بوتفليقة، فانسحب زروال عائدا إلى باتنة، ولكن فرق القايد صالح كان قد رصدت كل شيء وسجله، حسب ما قيل، صوتا وصورة، ولما أحس الفريق أن الوقت لم يعد في صالحه، وشعر أن جماعة السعيد قررت أن تتعشى به، وجه إنذارا للرئيس ومن معه، وطالب بتطليق المادة 102 من الدستور، وبعدها بأقل من ساعتين كان بوتفليقة يقدم استقالته.

استقالة الرئيس بوتفليقة فتحت جبهة أخرى من الصراع، فالمؤسسة العسكرية كانت متمسكة بحل في إطار الدستور، لا يمكن أن يمر إلا عبر انتخابات رئاسية، وحاولت تنظيم انتخابات رئاسية في يوليو/ تموز الماضي، لكن الحراك تصدى لهذه الانتخابات، وتقرر تأجيلها لوقت لاحق، ودخل الحراك في دوامة، من خلال سلسلة توقيفات طالت نشطاء ومعارضين ومتظاهرين بسطاء، وحتى بعض رموز ثورة التحرير، وتحولت قضيتهم إلى قضية رأي عام، وزادت في تعقيد الوضع السياسي.

ورغم الرفض الشعبي إلا أن الفريق قايد صالح أصر على ضرورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة، لقناعته أن انتخاب رئيس مدني من شأنه أن يجنب البلاد ويلات الفوضى ومخاطر الفراغ الدستوري، بالتوازي مع توقيف ومحاكمة رموز الفساد من كبار المسؤولين ورجال الأعمال، ورغم الصعوبة إلا أن الانتخابات جرت في موعدها الثاني، وانتخب عبد المجيد تبون رئيسا للجزائر، وإن بنسبة تصويت منخفضة، وفي حفل التنصيب الرسمي اختار الرئيس الجديد أن يكرم رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح والفريق قايد صالح بمنحهما وسام من مصف “صدر” وهو أعلى وسام استحقاق.

راحلون

* وتشاء الأقدار أن يتوفى الله الفريق أحمد قايد صالح بعد خمسة أيام من تنصيب الرئيس الجديد، وأن تكون هذه خاتمة الفريق قايد صالح، الذي أصر على إكمال المهمة، وأن يترجل بعد أشهر عصيبة مرت بها البلاد. الرجل أدى ما عليه وفق النظرة التي كان مقتنعا أنها الأصوب، وترجل ليرتاح راحة أبدية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية